“نحن مجرد أرقام في معتقلات الحرية”

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1696

معتقلون سابقون إن حكوا:

نحن مجرد أرقام في معتقلات الحرية

 

من آتون المسالخ البشرية عادوا محملين بأطنان من الذكريات التي تقض مضاجعهم وأمراض نفسية وجسدية تكاد توازي في ألمها مراحل جلجلة الإعتقال. هم خرجوا لكن نصفهم الآخر لا يزال في المعتقلات. أحلامهم، ماضيهم، مستقبلهم، آمالهم، حقهم في العيش ضمن أبسط الحقوق الإنسانية، كلها لا تزال هناك عالقة في ثنايا الزنزانات وروائحها التي تخنقهم على مدى ثواني العمر… هم يحملون صفة «معتقل سابق» تلك الصفة التي وضعتهم في معتقلات النسيان والتجاهل وحولت البعض منهم إلى أهل ذمة في مجتمع لا يعترف بحقوق معتقل سابق ودولة تميّز بين معتقل وأسير على قاعدة صيف وشتاء… من داخل معتقلات الحرية التي دخلوها بعد خروجهم من المعتقلات السورية تكلموا…

 

لم يكن من السهل التكلم عن مرحلة العذاب التي عشتها لأعوام عديدة، والأصح التي عبرتها لحظة بلحظة في دهاليز معتقلات لا تليق إلا بالفئران والقوارض والحشرات السامة التي كانت تسكن معنا وتسامرنا في وحدتنا. أساليب التعذيب كانت تختلف بين جلسة استجواب وأخرى للتحقيق في دهاليز المسالخ البشرية، لكن أيًا من هذه الطرق لم تنل من حرية ضمائرنا ولا من خصائصنا كبشر، والدليل على ذلك أننا، رفاقي المحررين من آتون النظام البربري وأنا، قررنا أن نكمل طريق النضال الذي أردناه حضاريا، فتسلحنا من أجل قيمة الحرية.  لكن الألم الذي عشناه بعد خروجنا من معتقلات النظام السوري كان أكبر وأعمق من الوجع الذي عشناه في فترة الإعتقال خصوصا أنه يمس عمق كرامتنا ووجودنا كمواطنين داخل هذا المجتمع، ويمكن اختصاره بتنكر الدولة للظلم الذي عشناه، وتجاهل وجودنا وعدم الإعتراف بإلزامية مساندتنا ماديا ومعنويا، حتى صرنا أشبه بجثث تحيا بيولوجيا أما على المستوى الإنساني «نحنا مجرد رقم متحرك ع الأرض».

أُدخلت قضية المعتقلين المحررين في متاهات السياسة وقذارة المزايدات الرخيصة، واستغلها البعض إما عن طريق المتاجرة بها أو من خلال المزايدات الكلامية، بينما أمعن البعض الآخر في إنكار حقوقنا ووضع مطالبنا في خانة المطالب غير المحقة، ومنهم من ذهب إلى حد إنكار وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية علما أن هذه الفئة من السياسيين والأحزاب هي التي سلمتنا إلى أجهزة المخابرات السورية. ولكل من أنكر ولا يزال نقول بأنه لا يزال هناك معتقلون لبنانيون في السجون السورية ولا نعلم ماذا حل بهم بعد المجازر التي ارتكبها النظام السوري في حق شعبه خلال الحرب السورية والقصف الذي طال غالبية المسالخ البشرية التي كان كانت تضم آلاف المعتقلين من المعارضين السوريين واللبنانيين وكيف لنظام وحشي يعبث بشعبه وناسه أن يرحم معتقلين أحرارًا من غير جنسيات في أقبية المعتقلات السورية؟

صرختنا اليوم نطلقها في وجه كل مسؤول في هذه الدولة ونسألهم أوليس المعتقلون من أبناء هذا الوطن؟ أوليسوا مواطنين لبنانيين شرفاء؟ لماذا لا تتحرك الدولة بشخص وزير خارجيتها جبران باسيل الذي لم نسمع منه تصريحا أو جوابا أو موقفا؟ لماذا لم يتم استدعاء السفير السوري في لبنان لمساءلته عن مصير رفاقنا الذين ودّعناهم في المعتقلات السورية ووعدناهم بأن نكون صوتهم الصارخ من أرض الوطن؟ طبعا لا جواب على كل هذه الأسئلة لأن أحدا لم يكلف نفسه عناء السؤال، والأصح أنهم نسوا أن هناك معتقلين لبنانيين في السجون السورية ولن يتذكروهم إلا في مناسبات الإنتخابات للمزايدة وكسب الأصوات على شرف قضيتهم.

ماذا بعد؟ مطلبنا واحد تقديم شكوى دولية ضد النظام بتهمة اعتقال مئات اللبنانيين في أقبية معتقلاته وتعذيبنا وقتل الغالبية تحت التعذيب كما نطالب الدولة اللبنانية بالتعويض علينا أسوة بالمعتقلين المحررين من السجون الإسرائيلية وهذا ليس من باب الإستجداء لأن حقوقنا المعنوية والمادية دين في ذمة كل طرف سياسي وحزبي وحتى روحي ولن يستقيم الوضع من دون تحقيق هذه المطالب وعودة رفاقنا المعتقلين في السجون السورية أحياء كانوا أم رفات.

 

كرم وزياد مرقص وإيلي أبو ناضر…وينن؟

بتاريخ 21 تشرين الثاني 1984 وفيما كان الأخوان كرم وزياد مرقص من بلدة زكريت في المتن، وهما موسيقيان، متوجهين إلى أحد الأستديوهات في بيروت الغربية (كما درجت التسمية خلال الحرب الأهلية) لتسجيل مقطوعة موسيقية من تأليفهما على آلتي الناي والكمان، أوقفهما حاجز للمخابرات السورية وتم اعتقالهما مع عازف الكمان إيلي أبو ناضر. وبحسب المعلومات التي نشرتها منظمات حقوق الإنسان العالمية فقد تم نقل المعتقلين الثلاثة إلى عنجر ومنها إلى معتقل صيدنايا في سوريا وأخضعوا للتحقيق تحت التعذيب وتمت محاكمتهم أمام إحدى المحاكم الصورية التابعة لجيش النظام السوري في غياب أي محامي دفاع وصدر الحكم بسجن الأخوين مرقص 15 عاما بتهمة التعامل مع إسرائيل، وهي التهمة التي غالبا ما كان يستخدمها النظام السوري للزج باللبنانيين في المعتقلات السورية.

انتهت مدة المحكومية ولم يخرج الأخوان كرم وزياد مرقص ومنع على الأهل إجراء أي اتصال أو لقاء مباشر أو غير مباشر عنهما على رغم تلقي معلومات تؤكد وجودهما في إحدى معتقلات النظام السوري. فيما بقي مصير العازف إيلي أبو ناضر مجهولا.

في تشرين الأول 2002 وردت معلومات من إحدى منظمات حقوق الإنسان الدولية في لندن تؤكد وجودهما في المعتقلات السورية، عندها قرر أصدقاء الأخوين مرقص المقيمين في كندا إضافة إلى ناشطين كنديين ومغتربين من أصل لبناني ارسال رسالة إلى كرم وزياد عن طريق الصليب الأحمر الدولي فرع كيبيك وكتبوا فيها التالي:» الأحباء كرم وزياد مرقص… نطمئنكما أن والديكما أنطوانيت ويوسف بصحة جيدة وكذلك إخوتكما وأخواتكما وعائلاتهم. لكن الشوق إليكما كبير وكذلك الحزن والقلق على مصيريكما. كلنا ننتظر عودتكما إلى أحضان الأم الثكلى وإلى استديوهات الموسيقى وعالم العزف الذي يفتقد مقطوعاتكما الموسيقية الرائعة وإبداعاتكما في عالم الفن. نصلي ونطلب من الله أن تعودا وتخلصا من عذابات المعتقلات في سوريا.

كرم نخبرك أن إبنك صار شابا وقد انهى دراسته الجامعية أما إبنتك فلا تزال على مقاعد الدراسة الجامعية وزوجتك التي تفتقدك تعمل كموظفة…

نصلي أن تصلكما رسالتنا وتردوا علينا بالمثل لنطمئن إلى صحتيكما وبأنكما لا تزالان على قيد الحياة…. لن نهدأ ولن نسكت حتى عودتكما إلى أحضان البيت والعائلة بسلامة….».

أيام وأسابيع وشهور مرت ولم يتلقَّ الأهل والأصدقاء أي جواب. إلى أن جاء الرد من رئيس فرع الصليب الأحمر الدولي في كيبيك – كندا مونيك بوشمين في 30 كانون الأول 2004 وتضمن التالي: «في ما يخص الرسالة التي أرسلتموها عبرنا إلى الأخوين المعتقلين في السجون السورية كرم وزياد مرقص نبلغكم وبكل أسف بأننا تلقينا معلومات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمنع أفرادها من دخول المعتقلات السورية وعليه تعذر علينا إيصال رسالتكم والرد عليها من قبل الأخوين كرم ومرقص. إن لجنتنا إذ تتقدم منكم بالإعتذار لأننا كنا نفضل أن نحمل إليكم رسالة بالمثل تبرد قلوبكم. لكن لا تترددوا في الإتصال بنا وسنكون على السمع ومستعدين لأي خدمة ونأمل من الله أن يعيد أبناءكم وكل المعتقلين اللبنانيين سالمين إلى أهاليهم وعوائلهم.

الخيبة التي تلقاها أصدقاء الأخوين المعتقلين كرم وزياد مرقص لم تثنهم عن متابعة تحركاتهم وقرروا إيصال صوتهم إلى الصرح البطريركي بعدما أبلغوا أن الكاردينال الراحل مار نصرالله بطرس صفير كان يولي قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية أهمية كبيرة وهو التقى أهاليهم مرات عديدة وسلموه ملفا يتضمن أسماء وشهادات تؤكد وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية.

حزيران 2019. لا يزال مصير كرم وزياد مرقص وإيلي أبو ناضر مجهولا وأحفادهم يسألون نريدهم أحياء كانوا أم رفات.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل