كيف استخدم ترمب ورقة الصين للقضاء على إيران؟

منذ ترشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى رئاسة الجمهورية في كانون الثاني 2015، رافقته حملات التهكم والانتقاد، باعتبار أن خطاباته لا تمت إلى الدبلوماسية بصلة، وأنه الـ”businessman” الدخيل على عالم السياسة، مستعينة بإحدى عباراته، “من يدفع يحصل على الحماية الأمنية الأميركية، إننا لسنا مؤسسة خيرية”.

اعتبر البعض أن ترمب متهور، والعفوية تسيطر على قراراته، ولا يملك رؤية واستراتيجية واضحتين، مستندين الى سلسلة العقوبات التي يفرضها يميناً وشمالاً على كل من يخالف قراراته، وآخرها الحرب التجارية التي أعلنها على الصين.

هل حقاً الحرب التجارية على الصين نتيجة عدم رؤية؟ هل تهوّر ترمب في اتخاذ هذا القرار؟ وما خلفية الحرب التجارية بينهما؟

الحرب الأميركية الصينية قديمة ـ جديدة، ولها خلفيات عدة، أهمها تعود الى الحرب الشيوعية الرأسمالية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية العام 1945، على الرغم من انخفاض وطأتها في الآونة الأخيرة كون الاقتصاد الصيني تحوّل الى رأس مالي.

خلاف آخر يعود الى العام 1944، عندما أنشأت أميركا نظاماً عالمياً قائماً على الدولار في مؤتمر بريتن، ووافقت الدول المشاركة على تحويل الاحتياطي الخاص بها إلى الدولار، مع تعهد أميركي باستبداله بالذهب في حال طلبت أي دولة ذلك.

الا أن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ألغى هذا التعهد العام 1971. وعوضا عن ربط الدولار بالغطاء الذهبي، تم إنشاء نظام مالي جديد في بداية السبعينات يربط الدولار بالسلعة الاستراتيجية (مشتقات نفطية) الأهم في العالم، الأمر الذي زاد من الطلب على الدولار بعد ارتفاع أسعار البترول عقب حرب تشرين الأول العام 1973 بين إيران والعراق.

في المقابل، كرد فعل على هيمنة واشنطن على المنظومة المالية العالمية، سعت كل من روسيا والصين إلى تأسيس تكتل اقتصادي موازي للتكتل الغربي، فتم تدشين منظمة شنغهاي العام 1996، والتي ضمت دول آسيا الوسطى والهند وباكستان، وتم قبول تركيا وإيران كمراقبين. والعام 2017، نجحت المنظمة في الاستحواذ على خمس الاقتصاد العالمي بمقدار 15 ترليون دولار. وأعلنت الصين عن نيتها طرح بورصة لشراء النفط باليوان المغطى بالذهب، كما تم الاتفاق مع روسيا على شراء النفط والغاز بالعملات المحلية وتقليص الاعتماد على الدولار.

أما الأسباب الحالية شملت معاناة واشنطن من عجز تجاري يقدر بـ566 مليار دولار منها 375 مع الصين.

والخلاف الأهم، هو كون الصين تعتبر ضمن المحور الروسي الإيراني، وتفاقم التوتر في هذا السياق عندما أعلنت واشنطن العقوبات الاقتصادية على طهران بهدف تسفير واردات النفط الإيراني، وألغت الترخيص الاستثنائية التي منحتها في وقت سابق للدول الثمانية، “الصين، الهند، كوريا الجنوبية، تركيا، تايوان، اليابان، اليونان، إيطاليا وتايوان”.

وما زاد الطين بلّة هو رفض الصين الانصياع للقرار الأميركي الذي اعتبرته “أحادي” وأصرت على استيراد النفط من إيران.

استناداً إلى هذه الاعتبارات، أعلن ترمب الحرب التجارية على الصين، في 8 آذار 2019، وبدأت معها حملات التصعيد والرد المتبادل والتهديد بفرض رسوم جمركية على المنتجات والسلع الصينية والعكس صحيح، ونشر قوائم من قبل الطرفين لشركات وضعوها على لائحة العقوبات، أشهرها العقوبات على “هواوي” وتهديد ترمب منعها من استخدام “غوغل وفيسبوك، وواتساب” مع بداية 2020.

هذه الحرب التي بدأها ترمب لم تكن عبثية، فهو خطط لها مسبقاً، وهدفه لم يكن تدمير الاقتصاد الصيني، بل الضغط على الصين لاستدراجها الى طاولة الحوار، لتقبل بموجبها التنازل في مكانٍ ما، مقابل تنازُل واشنطن عن العقوبات في مكان آخر، والخروج باتفاقية تعرف بـ”win win situation”. وهذا ما شهدته قمة مجموعة 20 التي جمعت الطرفين، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاقية هدنة ووقف الحرب التجارية وإعلان البلدين عن السعي الى خفض العجز التجاري الأميركي.

وبالتالي يكون ترمب مضى خطوته الأولى لاستقطاب الصين الى محوره، مقابل تخلي الصين عن إصرارها باستيراد النفط الإيراني. وفكرة التخلي عن استيراد النفط الإيراني ليست مستحيلة، خصوصا كون واشنطن قادرة أن تزود الصين بالنفط الخليجي وبأسعار أرخص.

وإن خُيّرت بيكين بين طهران وواشنطن، ستختار الأخيرة بطبيعة الحال نظراً للمصالح المشتركة المتعددة بينهما، إذ ما الفائدة أو المصلحة التي ستؤمنها طهران لإبقاء بيكين كداعم لها؟

وإنْ حققت الصين نجاحاً باهراً على ساحة الاقتصاد الدولي وبمفردها، فلن تتأخر في الذهاب نحو توقيع اتفاقية تعاون بين أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي الذي سينقلهما الى السيطرة الاقتصادية المطلقة على العالم.

هذه الحرب ليست الا معركة لمكاسب بقضايا أخرى، وليست الا عينّة عن تخطيط ترمب المسبق بسياساته على الساحة الدولية. فهل نشهد في الأيام المقبلة تقارباً صينياً أميركياً يطيح الكرسي من تحت أقدام إيران المعلّقة على حبل مشنقة العقوبات الأميركية؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل