رحمة: صفير كان وفيا لتوائم ثلاث

ترأس راعي أبرشية بعلبك ودير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة، قداسا الهيا على نية البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، في كنيسة مار سركيس وباخوس في بلدة عيناتا البقاعية، وعاونه المونسنيور بول كيروز ولفيف من الكهنة.

وتقدم الحضور النائبة في البرلمان الأسترالي وزيرة البلديات في ولاية فكتوريا اللبنانية الأصل مارلين طوني كيروز، النائب أنطوان حبشي، رئيس اتحاد بلديات منطقة دير الأحمر جان فخري، رئيس بلدية عيناتا ميشال رحمة، رئيس بلدية الزرازير طعان حبشي، رئيس بلدية برقا غسان جعجع وفاعليات.

استهل القداس بتلاوة نبذة عن حياة الكاردينال صفير، قدمها الأمين العام للأبرشية الأب طوني رحمة.

وقال رحمة في عظته، “إنها مناسبة مليئة بالغبطة والروعة، لا بالحزن واللوعة، إذ تجمعنا اليوم حول مذبح الرب، إكراما لروح الراحل الكبير المثلث الرحمات، البطريرك المارد، الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى. فعندما يموت الكبار، نعيش نحن وكأنهم ما ماتوا، لأنهم شقوا لنا وأمامنا طريقا للحياة”.

أضاف “من البقاع الكبير ومن الشمال العزيز، قدمنا لأننا أوفياء، نعم أوفياء لمن كان وفيا. فبطريركنا الكبير كان وفيا لتوائم ثلاثة: الله والكنيسة ولبنان، كان وفيا لربه وحبيبه ومرجعه الأول والأخير، فما بخل عليه في تكريس نفسه وطاقاته وحياته وكهنوته وحبريتيه الأسقفية والبطريركية، فرفع إليه، في كلامه ومواقفه وسيرته، كل المجد والتسبيح والإكرام، فعاش صفير حياته كلها ساعيا أبدا لأن يكون وكيلا أمينا حكيما لتلك المهمة العظيمة، التي أقامه سيده لإتمامها، فاستحق أن يقال فيه “طوبى لذلك الخادم الوكيل الأمين الحكيم، الذي أقامه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه لأنه، متى جاء سيده وجده منصرفا إلى عمله هذا” (لوقا 12: 42 – 43). وما مكنه من ذلك، هو الغرق الدائم في الصلاة والعبادة، فالبطريرك صفير كان رجل صلاة بامتياز، يتقن اللاهوت راكعا أمام هيبة المصلوب وصليبه، متأملا في سر القربان خاشعا صامتا في هيئة النساك والمتوحدين”.

وتابع، “كان وفيا لكنيسته الأم والمعلمة، الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية. فتدرج في خدمتها ناذرا نفسه للكهنوت المقدس في العام 1950، ومنذ ذلك الحين صار يلمع حيث يعين، فعرف بطاعته وحكمته ورصانته وتجرده وانتظامه في قلب الكنيسة، في الصغائر كما في الكبائر. رقي للدرجة الأسقفية وعين نائبا بطريركيا عاما في 16 تموز 1961. وانتخب بطريركا عام 1986، حين كانت الحرب الأهلية اللبنانية في أشد المراحل قساوة. فاستحق أن يعطى مجد لبنان كأمه العذراء مريم، إيقونة الكنيسة. والكل يشهد أنه لم يقصر في شيء من مهامه الحبرية الثلاثة: فأبدع في التعليم بكل أمانة واحترافية، وبرع في خدمة التقديس، خادما الأسرار والليتورجية بكل مهابة ووقار. أما في التدبير، فكان بمنتهى الحكمة والقوة والأصالة، متمتعا بقلب محب كالينبوع لا ينضب، ورجاء كالنهار لا يخيب، وإيمان كالجبال لا يتزعزع. عرف كيف يتعاون مع إخوته الأساقفة الأحبار، فعرف بشخصيته القوية والحازمة، ففرض احترامه على الجميع، ساندا ظهره أولا على إله الصباؤوت، وثانيا على سينودس الكنيسة المارونية المستقيم الرأي، فلم يستطع أحد زعزعته، أو النيل منه، وصدق خلفه، صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى، حين لقبه في يوم وفاته في الثاني عشر من أيار 2019 بإيقونة الكرسي البطريركي الماروني”.

وأكد أن غبطة البطريرك صفير “كان وفيا لوطنه لبنان، الذي أحب بكل جوارحه. وبقدر إيمانه بالله الأكبر، كان صفير مؤمنا بلبنان الكبير، وطن الرسالة والعيش المشترك. وأيقن أن هذه الأرض ليست بعادية، بل هي وقف للرب، ومن هذه الحقيقة بالذات، إستمد البطريرك قوة جبارة لم يفهمها الكثيرون، ولم يتقبلها المتطاولون على السيادة اللبنانية، سواء في الداخل اللبناني، أو في الخارج. فأحيا في الذاكرة اللبنانية حقيقتين: الأولى تطبع هوية لبنان بالنهج المسيحي والطعم الماروني، والثانية أن لبنان هو للجميع، والإنسان في لبنان، هو مواطن ذات كرامة وعزة، بصرف النَّظر عن انتمائه الطائفي أو السياسي. فجعل لبنان رقما صعبا في السياسة العالمية ومحط أنظار لكلِّ الدول والحضارات، فأكمل بذلك مسيرة أسلافه البطاركة الموارنة. وحين انتقل من هذا الوجود إلى مساكن رب الجنود، بعد أن ذابت نفسه واشتاقت إلى ديار الرب، غصت بكركي بوفود المختلفين في الرأي والتوجهات والمتخاصمين في السياسة، فكان في مماته كما في حياته علامة وِحدة ومسعى إلى السلام”.

وقال، “أما أبرشية بعلبك – دير الأحمر المارونية، فكان لها في قلب البطريرك الكبير حصة ومقام، فإن ننسى فلن ننسى كيف استقبل أبناء المنطقة، كهنة وفاعليات وعلمانيين، في العام 1990، في الكرسي البطريركي في بكركي وأصغى بمنتهى الأبوة والمحبة مطلبهم المحق القاضي بإنشاء أبرشية مستقلة، تجمعهم وتشعرهم بقربة الكنيسة ورأسها. وكانت الفرحة لا توصف يوم إعلان أبرشية بعلبك – دير الأحمر، أبرشية قائمة بحد ذاتها، لها أسقفها وكرسيِّها المستقل، فانتخب سينودس الأساقفة الموارنة الخوري فيليب شبيعة، مطرانا على هذه البقعة الجغرافية، التي تمتد من سرعين جنوبا إلى الهرمل شمالا، إلى عيون أرغش وعيناتا الأرز غربا، حيث نجتمع اليوم إكراما لذكراه”.

تابع، “وهل ينسى شعبنا في هذه الجغرافية المهملة زيارته الأولى في العام 1961 للمنطقة، متفقدا رعيته الصامدة في وجه العواصف والرياح وتراكم الثلوج، والمعزولة عن العالم بسبب انقطاع الطرقات ووسائل التواصل، فأطل كالنسر فوق عش بنيه المعلق في أعلى الصخور، مادا إياهم بالمواد الغذائية، والأهم من ذلك ببركته الرسولية ومحبته الأبوية. وهل ينسى أبناء الأبرشية هؤلاء زيارة راعيهم البطريرك في شهر آب 2010، فتجمهروا بالآلاف والآلاف للقائه، ونثروا الورود والأرز، ورفعوا اللافتات ترحيبا بصاحب الدار، ورقصوا ابتهاجا وأدوا على شرفه اللوحات الفولكلورية، وقدموا له مفاتيح ضياعهم وبلداتهم، وكانت الزيارة أشبه بمهرجان وعيد”.

وأردف، “نسأل الله أن يشفع بنا بصلواته المقبولة، ويعطينا أبدا أحبارا وكهنة قديسين، ليرعوا شعبه بالبر والأمان”.

بعد القداس تم تثبيت التمثال، الذي نحته الفنان رودي رحمة، المصنوع من خشب الزيتون والأرز، الذي كان قبل سجي فيه الكاردينال صفير، في الحديقة التي تحمل اسم البطريرك الراحل في البلدة.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل