سمير جعجع هنا

أيّ فكر يحمله رجل الدولة الذي لم يهب السجن 4114 يومًا؟ أيّ نفس أبيّة تلك التي تعتذر عن ذنوب لم تقترفها؟ أيّ رأس لم تطأطئها ضربات الجلادين بل انحنت ممسكة وردة بيدها أمام بطريرك بحجم الوطن؟ من أنت يا “حكيم” لتأسرنا لأكثر من عقود أربعة؟ أجيال أربعة سارت معك، وثقت بك، ليس إلا لأنّك منها وفيها. كثر انتقدوك وعايروك وعاتبوك لكن بنهاية المطاف إمّا عادوا إليك وإمّا فقدوا حيثيّتهم، ليس لأنّهم منك وفيك بل لأنّك كنت من التّاريخ وحيثيّتك استمدّيتها منه.

قد يلوم أيّ قارئ ويقول لماذا هذا التبجيل؟ معذور بالطّبع لأنّه لا يعلم الحقيقة، بل جزءًا يسيرًا منها لا يكفيه ليبني لومه هذا أو انتقاده. من لا يعلم أنّ الرّجل يستمع جيّدًا، بل قل يصغي إليك بتأنٍّ ويأخذ بملاحظاتك متى استطعت إقناعه بالحجّة والبرهان المنطقيّين. هذا هو. إنّه هو. سمير جعجع.

لقد رسم خطًّا بيانيًّا منذ لحظة خروجه من معتقله السياسيّ، ووضع العجلة خلف الحصان، وانكبّ على تنظيم الحزب الذي أحبّ وأخلص إليه، ليكون على قدر طموح رفاقه الشّهداء. وهو القائل إنّ بقاء بعضنا أحياء من بعد ويلات الحرب قد يكون خطأً حميدًا.

على الرغم مما يدور من أحداث في الساحة السياسيّة، إقليميًّا ودوليًّا وحتّى محلّيًّا، لم يتأثّر الخطّ الذي رسمه سمير جعجع. بغضّ النّظر عن أنّه يخضعه دومًا لحالات تيويم (update)، لكنّه لم يحد يومًا عن ثوابته. تلك الثوابت التي استمدّها من تاريخ فاق عمره الألف وخمسمئة سنة من النّضال والمقاومة.

حاولوا عزل القوّات اللّبنانيّة بخارطة تحالفات منذ لحظة بقائها ثابتة. فتفلّتت من حصارهم أكثر من مرّة. وما وصل إليه الحزب من نتائج سياسيّة اليوم، فرض وجوده في السّاحة السياسيّة الاقليميّة والدولية، اذ استطاع سمير جعجع، مقاوِم الفصائل الفلسطينيّة التي أرادت تمرير طريق القدس من جونيه، أن يرفض صفقة القرن مع الفلسطينيين أنفسهم، ومن ربوع معراب ويقول عنها كما قلنا نحن “صفعة القرن”. وما رفضناه بالدّماء لن نقبل به بأموال الدّنيا.

أما محليًّا، فأبواب معراب لم تقفل يومًا بوجه أيّ حرّ كيانيّ وجوديّ في لبنان. من أراد أن يبني الدّولة الحلم ويتخلّى عن أضغاث أحلام الدّولة فهو حتمًا مرحّب به. القوّات عبرت إلى لبنان كلّه. قوّات الحرب انتهى دورها بانتهاء الحرب، وقد أدّت قسطها للعلى أمام الوطن والضمير والرّبّ. ولا يحاولنّ أحد أن ينبش دفاتر الماضي. أمّا اليوم فهذه القوّات نفسها تلعب الدّور الوطني السياديّ الذي يجمع اللّبنانيّين كلّهم. وقد أثبتت التّجارب ذلك بعد العودة التي أجراها كلّ الذين ابتعدوا عن الجوّ القوّاتي.

لن نتحدّث طائفيًّا على الرغم من تركيبة الوطن الطّوائفيّة، والتي ننظر إليها كمصدر تنوّع وكدليل غنى في حال توظيفها في المكان الصّحيح. لكن نظرتنا هنا هي نظرة واقع سياسيّ محتوم على هذا الوطن، ومن يرفضه فهو يرفض كيانيّته. النّظام والصيغة شيء أمّا الكيانيّة والوطنيّة والوجوديّة فشيء آخر كلّيًّا. نحن لا نريد تغيير كيانيّة لبنان التي دفعنا ثمنها دماء ذكيّة. واليوم منذ أن وضعنا يدنا بيد الشريك الذي اختلفنا معه في توصيف الوطن، لن نسحب هذه اليد إلا بقطعها. وإن سحبها البعض لمصالح فئويّة ضيّقة فهو اليوم عاد عودة بطل مشرّفة له ولنا.

وفي هذه الحالة السياسيّة الجديدة التي أرساها سمير جعجع بفكره السياسيّ مع الأحرار الذين يشبهونه، نستطيع العبور نحو الآخر الذي لم يجرؤ بعد. قد نتفهّم الظّروف الايديولوجيّة العقائديّة لأيّ كان، لكن عندما تغلب المصلحة الوجوديّة الوطنيّة الكيانيّة على المصلحة الشخصيّة العقائديّة عندها فقط نستطيع بناء وطن لا يشبه إلا تاريخه مع الأحرار كلّهم.

وفي هذه الحالة أيضًا، لا يستطيع أيّ طرف أن يكون في الخطّ الذي رسمه سمير جعجع إلا إذا كان حرًّا. وذلك لأنّ الحرّيّة هي جوهر وجودنا في لبنان والعالم. حرّيّتنا التي رفضنا مبادلتها بأغلى المناصب والمراكز، وفضّلنا السجن والتضحية والاستشهاد في زمن السلم كما في زمن الحرب، لن ينتزعها أحد منّا مهما بلغ شأوًا في سعيه، ومهما علا شأنه في نظر من رهن نفسه لهم.

خياراتنا واضحة، واليوم نعيش الغبطة الوطنيّة مع كلّ الذين عادوا عودة مظفّرة إلى مركب الحرّيّة. هذه السّفينة التي حافظنا عليها فوق الماء طيلة ألف وخمسمئة سنة، سنبقيها بحكمة الحكماء. وكائن من كان القبطان، فالسفينة لن تسير إلا بخطّ الحرّيّة الذي رسمناه. اليوم اليوم وليس غدًا، الكلّ مدعوّ ليسير هذه الدّرب لنبني معًا الوطن الذي نريد. ماذا وإلّا … لهم لبنانهم ولنا لبناننا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل