سنّة لبنان شبكة أمان في مواجهة “داعش”

وسط التشنج القائم على الساحة الداخلية، بفعل الأحداث المؤسفة التي شهدها لبنان أواخر الأسبوع الماضي في الجبل، والمساعي القائمة لمعالجة ذيولها وتردداتها، برزت عودة تنظيم داعش إلى الضوء، من خلال تبنيه العملية الإرهابية التي نفذها عبد الرحمن مبسوط في طرابلس في 3 حزيران الماضي ضد عدد من النقاط في المدينة، وسقط خلالها 4 شهداء من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وانتهت بمقتل الإرهابي مبسوط.

“داعش لا يزال ناشطاً بشكل كبير”، يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني. ويوضح أن “داعش ككيان انتهى منذ آخر عملية على معاقله في الباغوت السورية، لكن بقيت بعض البقع تحت سيطرة التنظيم في الصحراء الشرقية السورية، في ريف دير الزور الغربي. بالإضافة إلى بعض القواعد الصغيرة غرب دمشق أو شمال السويداء”.

ويشرح أن “هذه المناطق مأهولة بالسكان بنسبة قليلة جدا، ولا وجود للقوى العسكرية الروسية أو من جيش النظام السوري أو من غير قوى، نظراً لطبيعتها ولكونها مساحات شاسعة، وهي لا تشكل أولوية الآن لتجنيد فرق عسكرية كبيرة للقضاء على قلة من الأفراد”.

ويضيف أن “داعش التنظيم ناشط جداً خارج سوريا والعراق. فلنلاحظ العمليات التي نفذها في سريلانكا، وبعدها في مصر، ومن ثم في مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا. وفي هذه المناطق الأخيرة يسجل أكبر نشاط لداعش، حيث يتحمل الفرنسيون عبء مواجهته بشكل رئيسي، وانضم إليهم الأميركيون أخيراً، في جهود مشتركة مع السلطات النيجيرية ضد نشاطاته المتنامية هناك”.

ويشير العميد المتقاعد الحلو إلى أن “التنظيم ينتقل إلى مناطق لم يعمل فيها من قبل بشكل لافت، والدول والأجهزة والتنظيمات فيها لا تملك الخبرة لمحاربته. وهذا الأمر ليس مستغرباً لأن داعش يعرف أنه في المسرح السوري العراقي، وحتى في لبنان، لا يملك هامشاً واسعاً”. ويذكّر أنه “في آخر تصريح لزعيم داعش أبو بكر البغدادي، كشف عن تبنيه لعمليات عدة ووعد بالاستمرار في تنفيذ العمليات وفي الوجود”.

ويشدد على أن “داعش التنظيم لا يزال موجودا. وكما يتبيَّن لا يزال هناك chain of command، أي سلسلة قيادة وإمرة وتحكم قائمة ولم تنقطع، وتصدر الأوامر من القيادة ويتم التنفيذ في أي مكان. ولا يزال هناك تمويل، طبعا لا يعني أن هناك دولة تموّل، لكن هناك جهات وأشخاص وجمعيات خيرية وهمية تقوم بذلك. والتمويل واضح من الامكانيات اللوجستية الموضوعة لتنفيذ العمليات، خصوصاً لوجستية عملية سريلانكا، فمن غير المعقول تنفيذ عملية بهذا الحجم من دون توافر دعم لوجستي لها”.

ويقدم العميد الحلو لموقع “القوات” قراءته لما نقلته مصادر إعلامية عن صحيفة “النبأ” التابعة للتنظيم، وإعلانه أن “منفذ عملية طرابلس عبد الرحمن مبسوط هو من جنود الدولة الإسلامية، وبقي على ارتباط مع جنود وإخوة مناصرين لها في لبنان، ونفذ هجومه كمساهمة منه في غزوة الاستنزاف على الكفار”، واصفاً وزارة الداخلية اللبنانية بـ”الكافرة”.

ويلفت إلى “الإمكانيات التي توافرت لمبسوط، فمن أين أتى بالمال لشراء الكلاشينكوف والذخائر والقنابل اليدوية؟ رغم اعتبارها أسلحة خفيفة نسبيا، لكنها في النهاية تتطلب أموالاً ولا يمكن شراؤها من السوبر ماركت، ووضعه المادي معدوم. هذا يعني أن هناك من وفَّر له هذه المستلزمات وأوحى له لتنفيذ عمليته، وبالطبع هو لديه استعداد شخصي ونفسي، وحقد وحسابات مع السلطات اللبنانية”.

ويوضح أن “ما ساعد مبسوط في تنفيذ عمليته الإرهابية، هو أنه من سكان مدينة طرابلس ويعرف المراكز الأمنية الموجودة، وخصوصاً المراكز حيث هناك استرخاء أمني كالتي هاجمها، مثل مصرف لبنان والسرايا، فهذه ليست حصونا منيعة، والحرس عليها عادي أقرب إلى النواطير، فقام بمهاجمة هذه الأهداف ونجح في عمليته”.

ويعتبر العميد المتقاعد أن “هناك تفسيرات عدة لتأخير داعش إعلانه عن تبني عملية طرابلس حتى اليوم. منها أولا، ربما كان الهدف من عدم تبني العملية فوراً هو حماية من قاموا بمساعدة مبسوط ولإبعاد الشبهات عنهم، علما أنه تم توقيف عدد من الأشخاص إثر العملية.

وثانيا، قد يكون داعش لاحظ أنه لا تجاوب مع محاولاته لتجنيد العناصر في لبنان، وأنه لا تعاطف معه من قبل الجمهور السني اللبناني، فأتى إعلان تبني عملية طرابلس المتأخر لإعطاء زخم عبر إظهار القوة لجذب غير المتحمّسين. فهذه التنظيمات تقوم بالتجنيد من خلال إظهار الحضور والقدرة عبر العمليات التي تقوم بها، وتعطي لها تفسيرات دينية في المكان والزمان لإشعال الحماسة”.

ويؤكد العميد الحلو أنه “لو كان الجمهور السني في لبنان، في المدن الكبيرة حيث توجد الطائفة السنية بشكل أساسي، أي في طرابلس وبيروت وصيدا وحلبا وغيرها من المدن الصغيرة، لو أن هذا الجمهور متعاطف فعلا مع داعش، لما كان هناك قوة في العالم تستطيع منع التنظيم من التمدد في لبنان”.

ويضيف، “صحيح أن أجهزتنا الأمنية، من مخابرات الجيش وشعبة المعلومات والأمن العام، فعّالون جداً في العمليات الاستباقية، ويقومون مشكورين باعتقال أشخاص والتحقيق معهم وإطلاق سراح من لا يثبت عليه شيء، ومَن يتبيَّن تورطه يبقى في الاعتقال ويكون بمثابة مصدر مهم للمعلومات، وهذه الجهود تمنع عمليات عدة. لكن حين لا يكون هناك بيئة حاضنة أو متعاطفة مع داعش، لا يمكن لهذا التنظيم أن يتمدد بأي شكل، فلا مكان في لبنان يستطيع داعش أن يسكن فيه”.

ويشدد العميد الحلو على أن “المجتمع السني في لبنان غير متعاطف مع هكذا حركات أصولية من الأساس. وهذا ما تبيَّن منذ البداية إثر عملية الضنية العام 2000، حيث شاهدنا الجمهور السني اللبناني أين كان، ووقوفه على مستوى القيادات السنية السياسية وعلى مستوى الجمهور ضدها. وفي عملية نهر البارد هناك أكثر من 90 شهيد سني في الجيش، لم يهرب منهم واحد بل قاتلوا حتى النهاية في الصفوف الأمامية مع رفاقهم الجنود. وفي عملية فجر الجرود وعملية طرابلس وعملية صيدا الأمر ذاته”.

ويلفت إلى أنه “لو كان هناك تعاطف مع هذه التنظيمات لدى السنة في لبنان، لوقعنا في مشكلة أكبر بكثير من مشكلة سوريا والعراق. بالتالي، صحيح أن العملية التي نفذها مبسوط أدت إلى شهداء وخسائر مؤسفة، لكن وقعت عمليات أكبر منها بكثير في باريس وكل أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وفي كل مكان، وهي ليست بحجم تلك العمليات”.

ويعتبر العميد الحلو أن “هذا المزاج السني في لبنان الرافض لهذه التنظيمات الإرهابية، والذي يمنعها من إيجاد بيئة حاضنة وملاذات آمنة، بالإضافة إلى جهود الأجهزة الأمنية ومتابعتها والخبرة التي باتت لديها في مواجهة داعش وسائر التنظيمات الإرهابية، يشكل شبكة أمان كبرى للبنان لدرء الأخطار بأقصى درجة ممكنة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل