اسم المطران بولس مطر شعاراً لخريجي الحكمة

حلّ وزير التربيّة والتعليم العالي أكرم شهيب ضيف شرف على إحتفال جامعة الحكمة لتخريج دفعة جديدة من طالباتها وطلّابها  حمَلة الماستر والإجازات في كلّياتها الثماني حملوا اسم “المطران بولس مطر” شعارًا لدورتهم، والذي أقيم في حرم الجامعة في الأشرفيّة  (كليّة السياحة وإدارة الفنادق) بدعوة من رئيس الجامعة الخوري خليل شلفون وبرعايّة رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر، والذي شارك فيه النائب البطريركي المطران بولس عبد الساتر المنتخب رئيسًا لأساقفة بيروت وشخصيّات سياسيّة وقضائيّة ونقابيّة وإجتماعيّة وآكاديميّة وممثلو القيادات العسكريّة والأمنيّة وأهل المحتفى بهم وآساتذتهم.

 الأب الرئيس

بعد النشيد الوطني اللبناني ونشيد الجامعة وكلمة تقديم وتعريف للإعلاميّة نادين كفوري، ألقى الخوري خليل شلفون كلمة، جاء فيها:

نرحب بضيف الشرف  معالي وزير التربية والتعليم العالي الأستاذ أكرم شهيِب ونَكبُر فيكم بياض الأكف تزرعون بها الخير والصلاح  في وزارة التربية والتعليم العالي، كما تزرعون في تراب الوطن غرس الاستقامة والعطاء والأمل في رفع المستوى وتأمين الجودة في التعليم العالي ونحيي ما تقدمون عليه من مبادرات وخطوات تربوية إصلاحية، سائلين الله مزيداً من القدرات، شاكرين لكم حضوركم اليوم معنا في جامعة الحكمة لتخريج كوكبة من طلابنا الأحبّاء إلى العمل لبناء الوطن الحبيب ككرمة غرستها يد الله الكريمة..

نؤكد لكم مرة أخرى يا صاحب المعالي، ضرورة إقرار قانون ضمان الجودة في مجلس النواب، فهو الأداة اللازمة لضبط التعليم العالي وتنظيمه مبنياً على أسس حديثة وعلمية  كما نؤكد في هذا  السياق أننا ، على صعيد الحكمة، نتعاون وجهات جامعية خارج لبنان أبرمنا معها أكثر من ثلاثين اتفاقاً ونحاول سوياً تقييم جودة التعليم في مناهج كلّ كليّة مع الاهتمام بالاعتماد المؤسساتي للجامعة ككل  تصونه أنظمة واضحة، الأمر الذي  دفعنا إلى إعادة النظر في البنية الإدارية والمالية وأجراء التغييرات اللازمة تحسيناً لمستوى التعليم في جامعتنا، فالجودة ثقافة نحاول إشاعتها في أوساطنا.

ونعتزّ أيضاً برعاية صاحب السيادة المطران بولس مطر  مؤسس جامعة الحكمة عام 2001 والمشرف العام عليها الذي بنى للحكمة صرحاً جديداً على المداخل الشرقية للعاصمة بيروت ، فكانت جامعة احتضنت حتى الآن ثماني كليّات وهو ما أدخلها رسمياً منذ تسع عشرة سنة في عداد الجامعات الوطنية العريقة وأناط بها مهمة خاصة لتكون في خدمة لبنان ورسالته الحضارية الفريدة والتي تجندت لها منذ تأسيسها حتى اليوم.

كما نرحب ترحيباً خاصاً بسيادة الراعي الجديد لأبرشية بيروت المارونية سيادة المطران بولس عبد الساتر السامي الاحترام، ونطلب من الله له  أن يوفقه في مهامه الجديدة الأكاديمية والثقافية كوليّ جديد على الحكمة جامعة ومدارس ، هو من عمل  لإعلاء شأنها رئيساً لسنوات على مدرستي الحكمة عين الرمانة والأشرفية.

إن لبنان الكبير الذي نستعد للإحتفال بذكرى المئوية الأولى لإعلانه هو أول دولة دستورية في المنطقة ويرتبط ارتباطاً وثيقاً في تكوينه وجوهره بالمواطنية المتساوية بين جميع أبنائه، وبالحرية الفردية والجماعية لهم في شتى حقول الفكر والعمل والتعبير والإبداع، وبالقيم الإنسانية التي تعيشها الجامعة ضمن عائلتها التربوية. إن لبنان الرسالة هو أكثر من إعلان، إنه حقيقة نلتمسها كل يوم في عملنا التربوي  الجامعي وفي تأمين الظروف الملائمة لطلابنا كي ينجحوا في عبورهم ميدان العلم والثقافة لكي يواجهوا بصلابة ومثابرة التحديات التي تنتظرهم في حياتهم الاجتماعية والمهنية أينما حلّوا.

أيها الخريجون،

أنتم رسالتنا الجامعة، قلبها النابض وهمّها الأكبر، وقبل ذلك كلّه أنتم علّة وجودها، من خلالكم تقوم بتأدية رسالتها لبناء الوطن.

أنتم خريجو جامعة رفضت الإنحدار بمستوى التعليم العالي إلى درك النفعيّة والتجارة السيئة، ورفضت كلّ المساومات على معايير القبول والنجاح اجتذاباً للأعداد.

أنتم خريجو جامعة إتكلّت على الله فقط في سبيل الوصول  إلى القمة، تسعى إلى تأدية عملها التربوي مراعية الأسس العلميّة المعروفة  تأميناً للجودة في التعليم ، جامعة بين الإدارة الحكيمة والثقافة معاً.

أما التحديات التي ستواجهونها فمنها:

1-     الأمانة لأصالة الجودة والشجاعة في المجاهرة بها.

2-     شفافية التعامل مع الآخرين ممارسة للقيم التي عشتموها في الجامعة.

3-     الجهد المثابر في إدارة الأزمات ومعالجتها لما فيه خير اغلمجتمع والنفع العام

4-     ميزة الإنفتاح على العالم  لا التقوقع الغاشم، ونبذ الطائفية البغيضة.

5-     الحرص على مواصلة التعلّم والتنشئة المستدامة Long Life Learning  تطويراً للمهارات والقدرات والإمكانيات ومماشاة لعالم يتغيّر ويتطوّر بسرعة في  جوّ من التسابق Compétition  والتنافس لا يقبل الضعفاء والمترددين…

6-     وأخيراً الطموح في العمل حتى الإبداع  فكلّ واحد منكم قادر على  أن يدني المستحيل في حياته إذا أحب ما اختاره.

أقول لكم، مبروك وألف مبروك لكم ولذويكم ولأساتذتكم ، الذين أُحييهم هنا على جهودهم وما زوّدوكم به من المعرفة والثقافة العامة. كما أشكر الله على ما يمدّ به إدارة الجامعة من إدارة ووعي ليبقى صرحنا في ورشة دائمة خدمة لطلابنا واحتياجاتهم.

أيّها الخريجون،

ليكن سلام الله عليكم، فتكونوا صانعي سلام، ولتكن صلوات أهلكم معكم.

بارككم الله جميعاً، وبارك جامعة مار بولس- الحكمة، وألف مبروك .

الوزير أكرم شهيب

ثمّ ألقى الوزير أكرم شهيب كلمة جاء فيها:

اليوم تحملون شهادة .. والشهادة ليست مجرد ورقة موقعة ومختومة. إنها عصارة سنوات العمر والجهد، وهي تعبير عن كرامة الجامعة، وعن مسؤولية رئيسها وأساتذتها تجاه الأجيال، كما أنها جواز مرور المتخرجين نحو سوق العمل. لكن في كل الحالات شهادتكم اليوم تحمل اسم دفعة سيادة المطران بولس مطر ولي الحكمة السامي الإحترام، وصاحب الرؤية البعيدة والتجربة المثقلة بالمعاني والقيم والرموز، ما يجعل منها فخراً بالإنجاز، وتطلعاً نحو مستقبل واعد، رسمته سنوات من الجهد والمتابعة.

أيها الأحباء،

نحن نأتي من إيمان يقوم على احترام أهل الحكمة  ونجد في تكريم سيادة المطران بولس مطر حكمة عميقة ورشيدة فيها الكثير من المسؤولية، كما أننا نجد في إختيار سيادة المطران بولس عبد السائر، الكثير من الحكمة وبعد النظر لكي يكون خير خلف لخير سلف، يقود الطائفة والأبرشية والمؤسسات التابعة لها بكل اندفاع ومحبة وعقل منفتح وقلب يتسع للجميع.

لقد حفل تاريخ الحكمة بالشخصيات التي تركت بصمات في التربية، وأسهمت في نجاحها وتألقها. ومن المفيد أن نعرف أن الحكمة التي تأسست في العام 1875 كانت أول معهد للحقوق في الشرق قبل أن تتحول منذ العام 1999 إلى جامعة تضم اليوم 8 كليات، وقد أًصرّ سيادة المطران مطر على بنائها في منطقة فرن الشباك لأن هذه المنطقة تقع على تقاطع مع كل المناطق اللبنانية ويستطيع أبناء لبنان، كل لبنان الوصول إليها.

لقد خرّجت الحكمة أهم الشخصيات في تاريخ لبنان التشريعي والقضائي والقيادي، وفي هذه المناسبة أود التأكيد على بعض الحقائق التي يجب أن يعرفها الرأي العام، وهي أننا نسعى ونجتهد مع جميع المخلصين، لإعادة الإعتبار إلى الشهادة الجامعية اللبنانية، بعدما أساء عدد من المؤتمنين ومن تجار العلم ودكاكين الشهادات إلى هذه الشهادة،

وبات إسم لبنان الجامعي عرضة للضربات. وقد طلبنا من مؤسسة متخصّصة تتمتع بمستوى رفيع في إنجاز الإعتماد الأكاديمي لكي تحدد لنا أي جامعة تستحق الإستمرار وأي واحدة يجب أن تقفل، وذلك في إنتظار صدور قانون إنشاء الهيئة الوطنية المستقلة لضمان الجودة.

أيها المتخرجون،

إن التحدي الماثل أمامنا هو في إدراك التغيير الذي فرضه عصر التواصل الرقمي المفتوح، واستشراف المهن والتخصصات التي سوف تزول، لتحل محلها إختصاصات تتلاءم مع عصر التكنولوجيا والتواصل الرقمي. وفي هذا الخضم وفي ميدان التعليم عن بعد الذي يفرض نفسه في العالم ضمن معايير تحفظها الجامعات ويحترمها سوق العمل.

لقد أشارت دراسة نشرها المنتدى الإقتصادي الدولي World Economic Forum (WEF) في العام الماضي، انه في السنوات الخمس القادمة ستختفي من سوق العمل بفعل الثورة الرقمية حوالي ١٧٥ مليون وظيفة وستنشأ بديلاً عنها ١٥٥ مليون وظيفة جديدة مرتبطة بالثورة الرقمية هذه حيث نحن الآن في مرحلة الجيل الرابع من هذه الثورة اي مرحلة الذكاء الاصطناعي. السؤال هل الجامعات في لبنان تتحضر لهذه التحديات.؟

كنا نتساءل هل سنصل إلى العام 2000 وها نحن في العام 2019  جيلنا كان يقرأ الصحف ويستمع إلى الراديو وهمّنا الأكبر كان في حفظ جدول الضرب .. اليوم كل واحد منكم يملك بين يديه مكتبة متجوّلة (غوغل) ووسيلة إعلام.

وأخيراً كلمة بالسياسة .. جمعتنا الحكمة، المدرسة الوطنية الجامعة، والأسم على مسمّى. هذه المدرسة التي آمنت بمعنى لبنان، البلد القائم على توازنات دقيقة والذي لا يحكم بالغلبة، ويحتاج إلى قامات وطنية تؤمن بالتوافق والحوار وسيلة لمعالجة الاختلافات، وفي هذا المجال، تحية محبة صافية إلى صاحب الغبطة المغفور له البطريرك ما نصرالله بطرس صفير الذي كرّس مصالحة طوت صفحة أليمة من تاريخ الجبل ولبنان، عملنا معه ومع المؤمنين، ولا زلنا، على حمايتها ورعايتها لتعزيزها وترسيخها، واستعير من كلام غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي،  الذي قال “إن الجبل بمثابة القلب للجسم الذي هو لبنان، فإذا تعطل القلب، مات الجسم”. علّ بعضهم يدرك ويفقه أهمية هذا الكلام، فأحفظوا القلب.

نهنئ الخريجين، نهنئ الأساتذة والجامعة رئيساً وهيئة إدارية وأكاديمية، والتهنئة موصولة إلى أهل سهروا وانتظروا، كما نهنئ وليّ الحكمة سيادة المطران عبد الساتر والمطران الصديق بولس مطر عنوان التلاقي والمحبّة.

المطران بولس مطر

وقبيل تسليمه الشهادات للخريجين مع الوزير شهيب والخوري شلفون وعمداء الكليّات، ألقى المطران مطر كلمة، جاء فيها: جامعة الحكمة في خدمة لبنان.في الحكمة، نحن وأنتم أمام التاريخ، لا بل في قلب التاريخ. والتاريخ كما يقولون هو معلّم الحياة. ولئن كنت أقارب كلمتي اليوم بمثل هذا المنحى، فلأنّي أوّلاً منكم ومثلكم شغف بالحقيقة وأنتم تغوصون في محبّتها حتّى العشق، ولأنّي ثانياً أخاطبكم من على هذا المنبر للمرّة الأخيرة بوصفي مطراناً على أبرشيّة بيروت ووليّاً لهذه الجامعة، فأنا على وشك تسليم وديعة الرعاية في الكنيسة، وتحديداً بعد عشرة أيّام، إلى من اختاره الروح القدس عبر سينودوس أساقفتنا الموقّر، ليكون خلفاً لي على هذه الأبرشيّة العزيزة. عنيت به سيادة الأخ الحبيب المطران بولس عبد الساتر السامي الإحترام. ونحن جميعاً هنا نهنّئه من جديد ونهتف له قائلين: مبارك الآتي باسم الربّ. ونسأل الله عزّ وجلّ أن يسكب عليه كلّ إنعامه فيكون في قلب الأبرشيّة وفي قلب العاصمة بيروت وفي قلب الحياة اللبنانيّة شاهداً لمحبّة المسيح ورسولاً للتلاقي والأخوّة والتضامن والسلام. وإنّها لبركة خاصّة أن يكون سيادته حاضراً معنا في هذا الإحتفال المهيب، ليشارك أبناءه الطلبة فرحة تخرّجهم ويشملكم جميعاً بفيضٍ من محبّته وأدعيته.

أمّا التاريخ الّذي نحن بصدده الآن، فهو الّذي يسجّل لنا إقتراب جامعة الحكمة من مرور مئة وخمس وأربعين سنة على تأسيسها الأوّل على يد سلفنا الصالح المطران يوسف الدبس، من كان علامة عصره ومن أعطى الوحدة الوطنيّة والعيش المسيحي الإسلامي دفعاً جوهريّاً عبر رهانه على تلاقي أبناء هاتين الديانتين الكبيرتين حول مشروعٍ لبنانيٍّ جامعٍ. فمن أجل هذه الغاية بالذات أقام المؤسّس مدرسة الحكمة في بيروت لتعليم الشباب اللبنانيّ وتربيته، مستقبلاً فيها تلامذة من كلّ طوائف لبنان وكلّ مناطقه، ليربوا معاً على محبّة بعضهم البعض، وعلى محبّة الوطن الّذي يحضنهم جميعاً وينتظر عطاءاتهم من أجله. أمّا معهد الحقوق الّذي أنشأه المؤسّس إلى جانب مدرسته الشهيرة، فلقد كان مشروعاً جبّاراً بحدّ ذاته، وله ارتباط بظروف منطقة الشرق الأوسط، عبر المعاناة الّتي كان يمرّ بها الوضع العثماني المهيمن عليها، وبخاصّة بعد أن أُطلق على هذه الأمبراطوريّة الّتي كانت عظمى لقب الرجل المريض. وما من شكّ في أنّ اختيار الحقوق بالأولويّة في تعليم هذه الجامعة كان مقصوداً ولهذا الغرض. فهو كان ليلبّي حاجة شعوب المنطقة إلى صياغة مصيرها الجديد على قواعد حقوقيّة تؤمّن لها الكرامة في قيادتها لذاتها، والمساواة بين أبنائها مهما كان دينهم أو إنتماؤهم القومي أو الوطنيّ.

في هذه المرحلة من القرن التاسع عشر كان قد طُرح بقوّة موضوع المواطنة المتساوية بالحقوق والواجبات لكلّ فردٍ من أفراد الشعب. إذ كان الناس من قبل يُدعون رعايا السلطان، وهم الذين قرروا أن ينتقلوا من وضع الرعايا إلى وضع المواطنين. فأراد مؤسس الحكمة أن يسهم في تطوير الوضع اللبناني بهذا الاتّجاه عبر دعوة المواطنين جميعاً في بلادنا إلى تحقيق المساواة والمشاركة المسؤولة في صنع المصير، مع إحترام خصوصيّة كلّ منهم إحتراماً كاملاً غير منقوص. لهذا تعلّم الشباب “الحقوق” لتكون لهم حقوقهم ويطوّروا حياة وطنهم ومواطنيهم على السواء. فهل من إرتباط أوثق من هذا الإرتباط بين جامعة تنشأ ووطن تتكوّن ملامحه بوحيٍ من الأفكار السويّة الّتي تطلقها الجامعة فيه ومن أجله؟ لذلك يقول المؤرّخون: أنّ توجّهات المطران الدبس كانت تهيئة منذ القرن التاسع عشر لما سيعرفه لبنان بعد الحرب العالميّة الأولى من تأسيسٍ لدولته في العام 1920 ومن تأثير للبطريرك الياس الحويك ( أعلنه قداسة البابا فرنسيس في 6 تموز 2019 مكرّمًا) على مجرى الأحداث فيه وعلى تكوين لبنان الشراكة المسيحيّة الإسلاميّة في وحدة المصير وتلاقي الحضارات.

ومع سير التاريخ عرف لبنان فيما بعد إستقلالاً ناجزاً في العام 1943 وقد أرسي هو أيضاً على أسس من الحريّة والكرامة، وعلى ميثاق وطنيّ أساس.

غير أنّ نكسةً حياتيّة أصابت لبنان على دفعات متعدّدة من العام 1958 حتّى العام 1975 وصولاً إلى التسعينات من القرن الماضي وإلى السنوات العشرين الأولى من القرن الحالي أوالحاضر. وكادت هذه النكسات أن تنال من صيغة لبنان وتماسك أبنائه، لولا عناية الله ووعي العقلاء من مواطنيه ومن الرؤيويين من بينهم. ثمّ عدنا في الزمن الحاضر لنشهد وضع المواطنة في لبنان وقد سجّل شيئاً من التأخر. فمع الأزمات الأخيرة على أرضنا سُجّلت تقوقعات طائفيّة برزت من كلّ جانبٍ. وكأنّ الوطن قد ذهب في إجازة أوكأنّه لم تعد المساحة المشتركة الّتي يتمسّك بها الجميع والّتي يدافعون عنها بهمّة رجل واحد.

إنّها بالحقيقة خسارة كبرى. فإذا لم يستطع لبنان بناء دولته المتينة والموحّدة مع إحترام الخصوصيّات المشروعة فيه فأيّة دولة في المنطقة ستستطيع القيام بهذه المهمّة الحضاريّة السامية؟ أنّ الأمر جلل وهو يرتّب علينا سلوك سبل النجاح لأنّ الفشل في قيام لبنان ممنوع، اليوم وغداً وبعد غد. ونحن إنطلاقاً من هذا الواجب قررنا في الحكمة أن نقيم للجامعة تأسيساً جديداً، لننطلق في خدمة لبنان المستقبل. فبنينا لها صروحاً حديثة في منطقتي فرن الشبّاك والأشرفيّة وأضفنا إلى كليّات الحقوق والإنسانيّات فيها، كليّات علميّة متنوّعة إلى أن صارت كلّها بعدد ثماني كليّات لتلبّي حاجات الشباب المتطلّع إلى خدمة وطنه وإنقاذ حضارته.

إنّ الحكمة الجديدة هذه ستبقى فعل إيمان برسالة لبنان وبلبنان الرسالة. وهل من قرار أجرأ وأجدر من القرار الّذي يأتي مؤازرةً لشعار البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني الذذي قال فيه أنّ لبنان هو أكبر من وطن؟

والحكمة تريد أن تجمع شباب لبنان لا أن تفرّقه. وهي تريد للمواطنة أن تتخطّى تقوقع الطوائف ضمن جدران تعزلها عن الآخرين بحجّة حمايتها. هذا ما وضعناه نصب عيوننا بفعل هذا التأسيس الثاني للجامعة. وهي اليوم بفضله ترفل بحلّة لبنان الواحد والمتنوّع في آنٍ، وبهذه الحلّة تفتخر وتتباهى.

نحن طبعاً مع حقوق كلّ طائفة وأن تكون ناجزةً وكاملة. ونحن مع شراكة الجميع عبر تمثيل صحيح في خدمة الجميع. لكنّنا ندرك في الوقت عينه أنّ حقوق الطوائف إذا ما ضمنها الوطن الموحّد والدولة الواحدة تصبح أقوى من واقعٍ تصون فيه كلّ طائفة حقوقها منفردة. أمّا تفتيت الشعوب وعربها طائفيّاً ومذهبيّاً كما يجري مع الأسف في شرقنا اليوم فإنّه سيكون نهاية سيئة للشرق كلّه وللإنسانيّة المنفتحة على الآخر ولحضارة الحوار والتلاقي.

فهنيئاً لنا بلبنان الذي يجمعنا على المحبّة. وعندما سنحيي الذكرى المئويّة المئويّة الأولى لولادة دولته في العام 2020، سيبدو أمام عيوننا حلماً رائعاً وحجر أساس في مستقبل هذا الشرق، وإحدى منارات العالم الفسيح. وسيظلّ لبنان يناضل بقوّة أبنائه جميعاً في سبيل إرساء مصير المنطقة على أسسٍ سليمة من العيش مع الآخر، وبهذا يكون التاريخ سائراً إلى اكتماله. وإن كانت لنا من وصيّة نستودعكم إيّاها أيّها الخرّيجون الأعزّاء فإنّنا نوصيكم بجبه الصعاب لأنّها طريق الرجولة. ولتكن الصلاة رفيقة دربكم فلا تسلكوها من دون الله، وليكن النجاح حليفكم بكلّ ما تقولون وتفعلون. ولتكن الحكمة في حياتكم لا صرحاً تربويّاً وحسب، بل ينبوع وطنيّة وإنسانيّة لا ينضب. وعندما تسيرون في هذا الإتّجاه فإنّكم ستكونون بنّائين لحضارة المحبّة من جديد. وفي المناسبة لا بدّ لنا من وقفة مع المناضلين اليوم في بيروت من أجل نظافة بيئتها من السموم.

فالمحرقة الّتي يتكلّمون عنها في قلب العاصمة ليست الحلّ المنشود على الإطلاق لرفع السموم عن بيروت وأهلها، بل ستكون هي مجلبة للسموم إليها. فكما عجز المسؤولون عن إيجاد حلّ لرفع الأضرار الناتجة عن مدخنة الذوق، رغم وعود مرّ عليها ثلاثون عامّاً، سوف يعجزون عن رفع الأضرار عن بيروت بفعل المحرقة الجديدة. فنطالب بحلّ آخر للمدينة، وهي عاصمة لبنان ورمز رقيّه وحضارته.

وفي الختام، لي وصيّة أخيرة للجامعة وأهلها، أن يقام فيها كرسيّ للحوار الإسلامي المسيحي بروح اللقاء بين قداسة البابا فرنسيس وسماحة الإمام الأزهر الشيخ أحمد الطيّب والبيان الّذي صدر عنهما في الخليج العربيّ ليعمّم ويدخل الأفكار كلّها والقلوب. والربّ معكم أيّها الخرّيجات والخرّيجون الأعزّاء لتكونوا خير رسلٍ للبنان.

كلمة المتخريجين

وكان طليعا الدورة ريتا ماريا البدوي من كليّة الحقوق وشربل وشربل من كليّة الإقتصاد وإدارة الأعمال، القيا كلمة الخريجين تحدّثا فيها عن تمسّكهم بالقيم التي علّمتهم إياها الحكمة والتي سيظّلون لها أوفياء، كما لأهلهم ومعلميهم ووطنهم.

شربل  شربل

وجاء في كلمة الطالب شربل شربل من كليّة الإقتصاد وإدارة الأعمال وهو طليع دورته التي ألقاها بإسم خريجي دورة ” المطران بولس مطر” :

إنه يوم محوري في حياتنا ، حيث تتحوّل الأحداث العابرة إلى حالة دائمة مستقرّة. إن هذا الموقف مليء بالامتنان والشعور بالمسؤولية والالتزام ، ولدينا طريق طويل أمامنا. الامتنان يذهب إلى أولئك الذين كانوا معنا منذ البداية ورافقونا مع  الكثيرالحب والصبر والتشجيع:

• أهلنا اللذين أمّنوا لنا ظروف الحياة المناسبة والنجاح ، مع تضحيات كبيرة والحب الذي لا يعرف حدودا.

• ثم إلى جامعتنا المحبوبة ، الحكمة ، بإدارتها و الهيئة التعليمية والموظفين ، الذين أتاحوا لنا استخدام الحكمة والمعرفة وساعدونا على إنشاء طريق للمستقبل بثقة وأمل كبير. أمّنت لنا جامعة الحكمة كل الوسائل اللازمة للانفتاح على العالم وأخذ زمام المبادرة ، لتحقيق الهدف الذي سعينا إليه دائمًا ، وتحقيق النجاح ليس فقط في دروسنا ولكن في حياتنا بكل أبعادها.

قبل بضعة أعوام ، اتخذ كل واحد منا قرارًا بالحصول على شهادة من جامعة الحكمة. أراهن في منتصف هذا الطريق ؛ أردنا أن نستسلم ، أردنا أن نحزم كتبنا وحقائبنا ونعود إلى المنزل. البعض فعل ذلك. بصراحة ، كان ذلك الخيار الأسهل ، لكننا واجهنا كل ذلك واليوم نجتمع هنا للاحتفال بنجاحنا.

حضرة الآباء ، عمداء الجامعة والمعلّمين لكم منّا كل التقدير على جهودكم التي بذلتموها بكل إخلاص وكفاءة ، والتنظيم والمبادرات البارزة التي اتخذتموها ، والتي خلقت بيئة تعليمية تسهم في تعزيز هذه الجامعة الأصيلة.

الى الأهل والى الجامعة ، نقدّم شهاداتنا كرمز شكر وامتنان.   نحن عائلة جامعة الحكمة ، ندرك ما ينتظرنا ونتشبث بما نحن عليه ، بفضل روح الحكمة.

زملائي المتخرجين اليوم ،  لقد جمعتنا جامعة الحكمة على مدى سنوات من التضحيات والإجهاد والتعب ، ولكنها مليئة بالنجاح والمثابرة وأفضل الذكريات التي نتمسك بها …. دعونا جميعًا نسير في خدمة لبنان الحبيب الذي يحتاج إلينا في المجالات التي اخترناها في القانون وفي العلوم السياسية ، وفي القانون الكنسي وفي العلوم الكنسية ، وفي إدارة الفنادق ، وفي كلية الصحة العامة ، في كلية الأعمال والاقتصاد ، حيث أتقدم إلى عميدي والإداريين والأساتذة وأصدقائي تحياتي ومحبتي الشخصية.

زملائي الأعزاء ، نحن اليوم سفراء جامعة الحكمة أينما كنا وأيًا كانت مساراتنا. لذلك ، لا تستسلموا أبدا.

كلماتي الأخيرة:

بالنيابة عني و عن جميع الخرّيجين ، أجدّد شكري للرئيس وجميع مساعديه ، إلى العمداء ، الى الأساتذة وموظفي هذه الجامعة ، وكذلك أجدّد عهد الولاء الجديد  والوفاء لجامعة الحكمة.

 ريتا ماريا البدوي

وجاء في كلمة ريتا ماريا البدوي الطالبة في كليّة الحقوق وهي طليعة دورتها، التي ألقتها بإسم دورة ” المطران بولس مطر”: ما أرهبها ساعة نقف فيها أمامكم ، رفاقي و أنا ، في مواجهةٍ مسؤولة مع الذات،  وفي وقفة  عرفان وامتنان لكلّ من له الفضل والفعل في مآل هذه الذات، منذ نشوئها في البيت الوالدي الدافئ ، فارتقاؤها في معاهد تعهدتها ، وفي جامعة تعكس في حكمتها حكمته تعالى.

فالشكر للوليّ والراعي سيادة المطران بولس مطر ؛ من تتشرف دورتنا بحمل اسمه ، والشكر لرئيس الجامعة الأب المحترم خليل شلفون ، وللعمداء وللأساتذة ؛ الذين كانوا حقًا علامات طريق تقودنا نحو الأهداف الساميّة.

ان خريجي دورتنا هذه ، حاملي الماستر والإجازات في كل من كليات : الحقوق، والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، والشرع والعلوم الكنسية، والإقتصاد وإدارة الأعمال، والسياحة وإدارة الفنادق ، والصحة العامة … وقريباً الهندسة… ملتزمون؛ أمامكم وأمام معالي الوزير رمز الدولة الراعية والمسؤولة؛ بأن نظل أوفياء لمن علّمنا وأمناء لما تعلّمنا، مواطنين مؤمنين بلبنان والحريّة والحوار وحقوق الإنسان.

ويا رفاقي الخريجين،

ان الفرح الذي نعيشه اليوم يتنازعه قلقٌ مما يحيط بنا وينتظره غدنا ، وثقة بأن مَن تزوّد بالإيمان والأخلاق والعلم والمثابرة لا يخشى العواصف مهما إستبدت، بل يعمل على مواجهتها بما اوتي من ذخائر وإمكانات…

فمعاً نخرج من الجامعة بعد أن أمضينا فيها سنوات شاقة وشيّقة، نخرج منها ولا نخرج عنها او عليها، بل نحملها في داخلنا وقد باتت جزءاً من هويتنا وصرنا بعضاً من صورتها المشعة أمام الناس . فقد جمعتنا وزرعت فينا الشوق الدائم الى المعرفة والسعي المستمر الى التميز ومحبة الآخر واحترام الإختلاف…نعيشها أينما كنّا ونستمد منها القيم والمبادئ التي بها عرفت ومن اجلها تستمر … بهذا الزاد ننطلق ولا نترّدد… وبهذه العلامة ننتصر…

فلنهنأ بها ، ولنهنئ بعضنا بعضاً ، وليهنأ بنا أهلنا ومعلمونا وكل المحبّين الحاضرين ، ونحن ممتنون لهم جميعاً ، وشاكرون عنهم الله الذي يقود خطانا نحو نجاحات أخرى تنتظرنا عند مفارق الحياة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل