الجبل بيبقى جبلنا وما بينطال!

 

في قريتي البقاعية الصغيرة، عين زبدة، نحن موارنة ودروز، حياتنا متداخلة بشكل طبيعي تلقائي، نتشارك في كل شيء، كل شيء انطلاقا من اننا ولاد الضيعة. ثمة سيدات منهن يتركن علامة وحيدة تدل على الطائفة، علامة جميلة فيها ما فيها من تاريخ وتراث وعادات الجبل، ذاك المنديل الابيض الناصع الواضح الطيّات الملقوح فوق رؤوسهن وقارا. احب كثيرا ان التقط صورهن، لكني أخجل حفاظا على الخصوصية بطبيعة الحال، مع اننا كلنا فوق أهل، وكلما لمحتني احداهن، تهرع بالسؤال “كيفو الاستاذ الوالد نشالله بخير ميلي نشرب فنجان قهوة”، واللغة العامية لا تسقط عنها تلك القاف الجبلية الشهيرة. هذه خصوصية رائعة، هذا تمايز لبناني عريق متوارث منذ اجيال واجيال.

عندما كنا في المدرسة كانت صديقتي جوليا “الدرزية”، تجلس قربي الى ذات المقعد، وعندما نخرج من الصف اذهب معها الى بيتها كل يوم، نأكل نلعب نزرع طفولتنا في الطرقات، وحين يأتي عيد الاضحى تحمل جوليا معها الى المدرسة كعك العيد، وحتى اليوم، حتى اليوم لا انسى مذاقه الطيب، ولم انجح يوما بتقليد تلك النكهة لان فيها ما فيها ايضا من الخصوصية الجميلة.

هي حكايات لبنانية عريقة متناثرة، من قرانا وضيعنا المترامية فوق جبالنا، الجبل، من يكسر شموخ جبل؟ من يحاول أن يفعل أساسا غير محتل أو عميل أو متكبّر تافه؟

بين ضيعتي والشوف جبل الباروك، “فشختين ومنصير بـ”مرستي”، كان يخبرنا بائع جوال، يأتي الضيعة على ظهر حماره من طريق الجبل، ويمضي ليلتين في الطريق ليصل الى قرى السهل ليبيع منتوجاته من ثياب قطنية، ومطرزات مشغولة بإبرة ستات مرستي، كما كان يخبر ستات الضيعة. “انتَ ما بتحط الولاد لـ بيتشيطنوا بالكيس وبتخطفن معك؟” سألته مرّة برعب بالغ، وغرق غرق في الضحك “لاه يا تقبريني لاه نحنا ولاد الجبل منحبكن كتير، نحنا وانتو جيران”. ومنذ ذاك التاريخ عرفت ان “مرستي” ضيعة حقيقية، وان في خِرْج دابته المتجولة، بضاعة للبيع وليست مكانا لخطف الاطفال المشاكسين.

لما اندلعت حرب الجبل، لم نكن نفهم في السياسة الا امرا واحدا، الشيخ بشير، كان صار شهيدا وكان الاحتلال السوري ينهش لبنان، وبدأنا تباعا نفهم معنى المقاومة ومعنى ان تموت لأجل بلادك. صارت البدلة الزيتية بالنسبة الينا مقدسة، كنا بدأنا نعرف ان لنا شباب يقاومون المخرز ليبقى المسيحيون في لبنان وليبقوا أحرارا.

وكانت تصل اخبار الى الضيعة عن بعض ما يجري في الجبل، والاهل يتهامسون في ما بينهم “الدروز والمسيحية بالجبل مقبرين بعضن”، لزمن انقسمت حالنا الداخلية في ما بيننا. احسسنا لوهلة اننا في الضيعة دروز ومسيحيين، لكن الدم الذي اُريق في الجبل بقي فوق، وبقيت الضيعة في الضيعة، حكماؤها حافظوا على كل ما فيها من تواصل بين الطرفين، وبقينا أهل.

انتهت حرب الجبل، ونسينا في الضيعة انها اندلعت اساسا، لأننا أردنا ان ننسى كي لا نخسر بعضنا في الضيعة الصغيرة الحلوة… لا ليس لهذا السبب فقط، علمنا اننا إذا ما نقص احد منا او رحل، لن نكون نحن ولن تكون الضيعة هي نفسها، ستخسر حالها وتضيع.

ضيعتي البقاعية الصغيرة هي كل ضيعة من ذاك الجبل الساحر في الشوف وسواه. يوم اعلنت مصالحة الجبل التاريخية، زلغطت ستي وادمعت عينا ابي وضحك شبابنا. تسمّرت الضيعة أمام التلفزيون تراقب ما يجري وتضحك من قلب قلبها، كان ثمن المصالحة غال وغال جدا، شهداء شهداء وتهجير وحملات مغرضة كاذبة، وافتراء، ووطن مدمّر، محطم، منقلب على ذاته بسبب آخرين واحتلال وعملاء. لكن الشجعان ادخلوا الجبل ولبنان في مصالحة مقدسة لا نزال نقطف ثمارها الخيّرة حتى اللحظة. مصالحة ثابتة اظهرت ان الجبل ليس مكسر عصا الامزجة الشخصية، والجبل ليس تحد ولا كزدورة للتصريحات الفتنوية. الجبل ليس حقل رماية للأحقاد التافهة، ولا ملعباً لأطفال السياسة ومتعطشي السلطة الجائعين ابدا الى كرسي ومنصب يرفعهم، بدل ان ترفعهم اعمالهم ومواقفهم.

الجبل تاريخ وحكاية شعب وارض وناس ونضال. الجبل مسيحيون ودروز وسيدة تلبس الشورت واخرى تتدثر بذاك المنديل الابيض النظيف، الجبل المير فخر الدين المعني الكبير، والمير بشير، وقصر بيت الدين وأخوت شاناي ايضا، لكنه اخوت بالمعنى الايجابي، الجنون الذي ابتدع طريقة مبتكرة لجر المياه العذبة الى القصر يومذاك، الجبل مقاومة لبنانية ضد احمد باشا الجزار، ومقاومة جزار آخر أكثر حداثة، آل الاسد “الكرام”!

الجبل ليس نزهة لحديثي النعمة في السياسة، ولا مذياعاً لأصوات نشاز تخرق مصالحته واصالته لترضي صغيرا قابعا خلف الحدود، الجبل جبل وما بينطال مهما ظن البعض ان خياله الذي ترخيه الشمس طال لدرجة انو وصل الى القمة… لا قمم في لبنان الا لجباله.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل