بطرس خوند…. صاروا 27 سنة

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1696

بطرس خوند…. صاروا 27 سنة

رنا صارت ماما وربيع ورواد شباب وجانيت على أمل اللقاء

 

الثامنة والنصف من صباح الثلثاء 15 أيلول 1992. ودع بطرس خوند زوجته جانيت وغادر منزله في منطقة حرج ثابت. فتح باب سيارته من نوع أوبل حمراء التي كان ركنها في الشارع المؤدي إلى جريدة «لو ريفاي» ليل 14 أيلول بعد عودته من القداس الذي أقيم في كنيسة القلب الأقدس – الأشرفية في ذكرى استشهاد رفيق النضال الرئيس بشير الجميل. وما أن هم بإدارة محركها حتى طوّقه حوالى 8 أشخاص مسلحين وغير ملثمين وحاولوا إخراجه بالقوة من السيارة بعد فتح الباب. لكن بطرس عاجلهم وشهر مسدسه. إبنه البكر فادي على الشرفة. حاول أن يصرخ. ركض إلى الغرفة لإحضار رشاش حربي بهدف ترويع المسلحين وإنقاذ والده. فجأة سمع صوت طلقة رصاص واحدة. هرع إلى الشرفة واكتشف أن المسلحين صعدوا إلى سياراتهم بعدما خطفوا والده وأدخلوه إلى سيارة من نوع فان.

الثامنة والنصف ودقيقتان. رن الهاتف في منزل صديق بطرس جورج شعنين. جانيت خوند على الخط الآخر. كانت تبكي وبالكاد خرجت منها الكلمات: «جورج الحقني خطفوا بطرس من قدام البيت». تلك كانت المرة الأخيرة التي تودع فيها جانيت زوجها بطرس على أمل العودة إلى دفء المنزل ليلا. 27 عاما مرت على اختفائه. رنا ربيع رواد كبروا تزوجوا وجانيت صارت تيتا. 27 عاما والسؤال نفسه: أين بطرس خوند؟… لا جواب.

 

آخر مرة تلقت فيها جانيت خوند خبرا عن زوجها بطرس كان في العام 2016 وتروي: «بعد اندلاع الحرب السورية صارت تصلنا أخبار عديدة ومن مصادر مختلفة عن وجود بطرس في أحد المعتقلات ومنهم من كان يؤكد لنا أنه شاهده خلال عملية نقل المعتقلين من سجن تدمر. لكن في كل مرة كنا نصطدم بواقع ابتزازنا بالمال مقابل إعطائنا معلومات عن مكان وجوده مما يؤكد أن كل هذه الروايات كانت بهدف الحصول على المال ولم نكن لنبخل بكل أموال الدنيا لإطلاق سراح بطرس، لو لم نجرب هذه الأساليب على مدى 27 عاما ومن دون نتيجة. كلهم أوهمونا برؤية بطرس ووجوده في معتقلات عدرا أو صيدنايا أو تدمر أو فرع فلسطين لكن أحدا لم يصدق. عشنا في الأوهام، لا بل عيّشونا في الوهم وأحرقوا ما تبقى من أمل في داخلنا برؤية بطرس من جديد. وفي كل مرة كنت آمل عودته أو زيارته وأعود خائبة كنت أصاب بانهيار لكن من دون أن أظهر ذلك أمام الأولاد إذ يكفيهم أنهم كبروا على مشهد اختطاف بطرس منذ 27 عاما».

 

عام 2016 تلقت جانيت خوند اتصالا من رجل من الجنسية السورية أبلغها أنه تعرّف إلى طبيبة سورية تدعى منى النعيمي كانت تعالج بطرس الذي يعاني من  المرض وأنها شاهدته أثناء عملية نقله من سجن تدمر على الحمار بسبب عجزه عن التنقل سيراً على الأقدام بعد بتر إحدى قدميه بسبب إصابته بمرض السكري وطلب منها التوجه إلى طرابلس، فتواعدا على اللقاء في أحد الأماكن في منطقة باب التبانة. وتروي جانيت:

«في اللقاء الأول طلبت منه أن يتصل بالطبيبة ففعل وبعدما تأكدت من أنني زوجة بطرس أخبرتني أنها تقيم في تركيا… وانتهى الحديث الإتفاق على التكلم دوريا عبر الواتساب (الحوار في الإطار).  وفي آخر اتصال معها تبين لي أنها كانت تريد أموالا وكل رواياتها كانت من صنع الخيال والدليل أنه عندما رفضت إعطاء الوسيط السوري أموالا، انقطعت الإتصالات. وعلمت لاحقاً بأن الإتصال مع الوسيط انقطع بدوره بسبب خلافهما على تقاسم الحصص التي يقبضونها من أهالي المعتقلين اللبنانيين الذين يخبرونهم روايات كاذبة ومضللة عن أماكن وجود أبنائهم في المعتقلات السورية. ومن حينه لم نعد نسمع شيئاً عن مكان اعتقال بطرس في سوريا ولا حتى إذا ما كان لا يزال حياً أم ميتاً، بس أنا متاكدة إنو بطرس موجود بالسجون السورية لأنو بس زرت أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله عام 2005 بالوقت اللي كانت عم تصير مفاوضات حول الديبلوماسيين الإيرانيين الأربعة اللي خطفوا بلبنان قللي حرفيا: «بطرس مش بإيران وما إلو علاقة بالديبلوماسيين الإيرانيين الأربعة اللي انخطفوا بلبنان، هاي قصة دول. وفهمت بطريقة غير مباشرة إنو بطرس بسوريا. ويوما طلبت منو إنو يسأل عن بطرس بسوريا كان جوابو: بشوف. وبس رجعت اتصلت فيه ما ردّ عليّي. يمكن بطرس بعدو حي ويمكن مات لأنو أكيد عانى من أمراض كتيرة بسبب التعذيب بس حتى لو مات بدي رفاتو. أنا وولادو وحتى أحفادو بيحقلنا نصلي ونحط باقة ورد على قبرو».

27 عاما من البحث والتحرّي والتدقيق. كل الدولة قالت إنها فتشت وسألت ولم تجد ما يوصل إلى أي خيط في القضية. بطرس خوند غبرة ضاعت في دولة لم ولن تسأل عن معتقليها في حين تتحرك بكامل جهوزيتها وأجهزتها الديبلوماسية والسياسية على أرفع المستويات للمطالبة بعودة اللبناني نزار زكا من السجون الإيرانية ويعود.

وحده الإنتظار لا يزال سيفا مسلتاً فوق أيام العائلة التي خرج معيلها ذات صباح ولم يرجع بعد. وحده حجم الوعود الخاوية يزداد سنة بعد سنة. والخطورة في الموضوع أن يُقال بأن السؤال عنه (أي عن بطرس) لا يجدي…»تعبت والله تعبت. 27 سنة أنا وولادي رنا وربيع ورواد عم نتلقى وعود من مجهولين والدولة مش سئلانة عن معتقلينا… مررت بلحظات صعبة كتير، بس ما فقدت الأمل بيوم من الإيام وإلا ما كنت قادرة أصمد. إتكلت على الله وبعدني، لأنو بطرس كان مؤمن وما بعتقد إنو راح يخذلني».

 

بطرس لم ولن يخذلها. لكن السياسيين والمسؤولين والدولة بكامل أجهزتها الديبلوماسية والأمنية خذلوها كما خذلوا أهالي المعتقلين اللبنانيين الآخرين في السجون السورية. الوعود أُغدقت عليها، وفي كل مرة كانت تصل جانيت إلى خيط أو معلومة، تقول قرب الفرج. إلى أن تكتشف أنها كانت تعيش في كذبة… وبعد كل خيبة تعود إلى الصور والذكريات والصمت وتحبس دموعها حتى لا تزيد من وجع فراق وغربة أولادها عن أبيهم.

 

بعد خطف بطرس بفترة وجيزة زارت جانيت رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي . وفي أيار 1993 التقت رئيس جهاز الأمن والإستطلاع في القوات السورية في لبنان غازي كنعان وأكد لها في حينه «عدم وجود بطرس خوند في سوريا». العلامة (الراحل) محمد حسين فضل الله أجابها بدوره «ما عنا حدا». الرئيسان نبيه بري ورفيق الحريري كان جوابهما واحدًا: «ما فينا نعمل شي». كذلك نفى وزير الدفاع آنذاك ميشال المر ان تكون لديه معلومات.

عام 1994 أرسلت بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى وزارة الخارجية كتاباً مرفقاً بكتابٍ آخر من رئيس قسم الإجراءات الخاصة في مركز حقوق الإنسان للتحقق من أسماء 244 لبنانياً اختفوا ومن بينهم إسم بطرس خوند، وطلبت الإستفسار عن مصيره. إلا أن أحداً لم يتابع الموضوع.

 

لم توفر جانيت مرجعا سياسيا أو عسكريا أو قضائيا إلا وزارته لمعرفة مصير زوجها بطرس والجواب نفسه في كل مرة «انشالله خير» أو «ما حدا بيعرف شي»، أو.. لا جواب. وفي موازاة التجاهل والتعامي الرسمي من قبل المسؤولين في الدولة، كانت الأخبار وشهادات معتقلين سابقين رأوه أو سمعوا صوته في إحدى الزنزانات بمثابة خشبة رجاء وأمل جديد. البعض أكد أنه رأى بطرس خوند في سجن الحسكة في سوريا وكان لا يزال حيا حتى العام 2000. ونقل بعدها إلى سجن العدرا ويعزز المعتقلون الشهادات في إعطاء بعض التفاصيل الحسية التي تؤكد على أقوالهم منها تحديد مكان بعض الندوب والجروح من جراء إصاباته في الحرب.

ومن المعلومات التي بثت الأمل في روح جانيت وأولادها الثلاثة شهادة أدلى بها معتقل سابق في السجون السورية ويدعى صالح عبد الدايم ويحمل الجنسية الفلسطينية وقد أوقف عند دخوله الأراضي اللبنانية حيث أودع في سجن رومية. وأكدت الشهادة آنذاك وجود عدد من المعتقلين في السجون السورية. واستمعت اللجنة الأمنية التي تشكلت للغاية إلى أقواله وتمت مقارنتها مع إفادة زوجته جانيت التي استدعيت بدورها إلى التحقيق لكن لم يرشح عنها شيء علما أنها كانت مقرونة بوثائق وأدلة تؤكد على وجود بطرس خوند حياً في السجون السورية.

 

بعد إطلاق سراح الأسرى في السجون الإسرائيلية شعرت جانيت كما أهالي 627 معتقلاً لبنانياً في السجون السورية بخيبة كبيرة. كأن بطرس ورفاقه المعتقلين لا يحملون الجنسية اللبنانية ولم يدفعوا ثمن وجودهم دفاعا عن هذه الأرض. فإلى متى يستمر التجاهل الرسمي في التعاطي مع ملف بطرس خوند ورفاقه المعتقلين في السجون السورية، وأين أصبحت الوعود التي أغدقت على اهالي المعتقلين من تحت قبة البرلمان مروراً بالسراي الحكومي وصولاً إلى دوائر الأمم المتحدة؟ أين أصبح الملف الذي رفعه رئيس منظمة سوليد – لبنان الراحل غازي عاد والأهالي إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان عبر ممثليه في لبنان؟ أين صارت الوعود التي تلقاها اهالي المعتقلين من قيادتي حزب الله والتيار الوطني الحر بعد توقيع ورقة التفاهم التي تضمنت بنداً يتعلق بقضية المعتقلين في السجون السورية؟

المفاوضات السرية وغير المباشرة التي أسفرت عن إطلاق من تبقى من أسرى في السجون الإسرائيلية بعد حرب تموز، غرزت في قلب أهالي المعتقلين في السجون السورية مسمارا لأنها أسقطت ورقة التوت التي كانت تتستر بها الدولة وأسقطت معها قضية بطرس خوند ورفاقه في المعتقلات السورية. إلى متى؟ هنا السؤال.

 

آخر مرة ودع فيها بطرس خوند أولاده الثلاثة كانوا أطفالا: «ربيتهم بدموع عيوني كانوا يوعوا بالليل ويسألوني وين البابا؟ مين خطفوا؟ بأيا حبس موجود تا نكتبلوا رسالة. ربيع ما بيتذكر إلا كيف كان يلعب معو بالطابة ورنا كيف كان ياخدا ع دار الحضانة، ورواد… حبيبي رواد ما بيتذكر شي لأنو كان عمرو سنة وشهرين». وماذا يحملون من والدهم بطرس؟ الجواب أرادته جانيت على شكل حوار مع بطرس «المهاجر» إلى أصقاع الدنيا:

«بطرس الأولاد كبروا. رنا «حبيبة قلبو» للبابا أصبحت صحافية ولطالما حلمت أن تحمل شهادة في هذا الإختصاص لترفع قضيتك وقضية كل المعتقلين في السجون السورية على أعلى المنابر. ونجحت. وراح تضل  حاملة قضيتك تا نعرف مصيرك حي أو ميت وإذا ميت بدنا رفاتك. رنا تزوجت وأنجبت صبيا. صرت جدو يا بطرس. وهي تخبره كل ليلة عن جده البطل بطرس. ربيع ورواد صارا بعمر الشباب. ماذا يحملان من جيناتك؟ الكثير. رواد يكاد أن يكون نسخة طبق الأصل عنك. مشيته، دعساته…. كأنو إنت. ربيع أخذ منك قوة الشخصية والصلابة والقدرة على تحمّل مصاعب الحياة بصمت حتى أنه يحمل نفس لون عينيك..

فعل «كان» في حديث جانيت يخرج مرتجفا حتى بعد مرور 27 عاما وكأنها تخاف مما قد يعنيه فتسارع إلى الإستطراد «على رغم كل شي بتوقع يكون بعدو عايش وإذا…. صار عند ربو بدي رفاتو. بيحقلنا نحط وردة ونضويلو شمعة ع قبرو».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل