
افتتاحية صحيفة النهار
باسيل واتفاق معراب: الضربة القاضية
لم يعد واضحاً الهدف من زيارات رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل للمناطق، اذ ان اعلانه انها زيارات انفتاح وتلاقٍ، لا تترجمها الاقوال وردات الفعل من أهالي تلك المناطق. والاشكالات التي تولدها تلك الزيارات كشفت ان السياسة التي يعتمدها، والتي تمثل العهد تالياً، باتت غامضة في اهدافها ومراميها، اذ ان العهد مسؤول عن الجمع والتلاقي فيما تؤدي تلك الزيارات الى مزيد من التفرقة والانقسام وتضع البلاد مجدداً أمام حروب أهلية ولو صغيرة ومتنقلة. بالأمس أعاد باسيل التذكير بالحواجز وباغتيال الرئيس رشيد كرامي كأنه قصد الفيحاء للتحريض على حزب “القوات اللبنانية” ليس أكثر، وذلك في رد على الرفض التي قوبلت به الزيارة والمقاطعة التي بدت واضحة من الفاعليات الطرابلسية. واذ اكتفى بزيارة مقتضبة هادن فيها أهل المدينة، ركز هجومه على مطارح أخرى وتحديداً “القوات”.
واذا كانت المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد تتطلب مزيداً من الحكمة والتهدئة والحنكة في معالجة الامور، الا ان التطورات تشي بمزيد من التدهور سياسياً حيث الخلاف المسيحي – المسيحي على أشده، وهو يبلغ مرحلة متقدمة تؤكد سقوط اتفاق معراب على رغم التأكيد العلني، وتحديداً من جانب “القوات”، عدم التفريط به. والعلاقة بين “التيار الوطني الحر” والحزب التقدمي الاشتراكي في أسوأ حال الأمر الذي ولد توتراً في منطقة الجبل. والتباعد العوني – السني بلغ ذروته ولم تنفع محاولات الرئيس سعد الحريري لرأب الصدع. والاستياء في الاوساط الشيعية واضح لدى “أمل” وتعبر عنه وسائل التواصل الاجتماعي للجمهور الاخر على رغم محاولة قيادة “حزب الله” كتمه وضبطه في اوساط مناصريه. هذه التوترات المتنقلة عطلت وتعطل عمل الحكومة التي سيحاول مجدداً الرئيس الحريري العمل على عقد جلسة لها هذا الاسبوع على رغم صعوبة الأمر. لكن ثمة تخوفاً من تفجر الحكومة من داخل اذا ما استمر التباعد والانقسام في صفوفها. ويعمل الرئيس نبيه بري على مصالحة درزية – درزية اولا لتذليل العقبات أمام جلسة مجلس الوزراء واعادة بث الروح في الحكومة المشلولة. وعلمت “النهار” ان الرئيس الحريري الذي عاد ليلاً يجري اتصالات في السر والعلن لإزالة العوائق من أمام مجلس الوزراء. وقد اتصل بالرئيس ميشال عون للتشاور في عقد جلسة الخميس المقبل في قصر بعبدا.
والتعقيدات لا تقتصر على السياسة الداخلية، اذ يبدو الوضع الاقتصادي أشد تعقيداً في ظل تحذيرات دولية متصاعدة كان آخرها تحذير بعثة صندوق النقد الدولي مصرف لبنان من مغبة شرائه سندات الخزينة الجديدة بفوائد مخفوضة، ما سيجعل الدولة أمام أزمة تمويل، اضافة الى تصنيفات سلبية متوقعة للاقتصاد اللبناني. وأكّدت مصادر لـ”النهار” ان مصارف بدأت تبحث في رفع اضافي للفوائد لجذب رساميل جديدة على رغم الفشل الذي واجه الخطوة حتى اليوم والذي انعكس سلبا على كل القطاعات الانتاجية وجعل الاقتصاد في مزيد من التردي.
وقد فاقمت زيارة باسيل لطرابلس الأجواء المتوترة سياسياً وحكومياً بعدما تمادى مرة أخرى في خطاب الاستفزاز الجوال الذي يعتمده ولا يبدو في وارد الاتعاظ من تداعياته البالغة السلبية عليه وعلى العهد وعلى التيار الذي يقوده.
فالزيارة جاءت مدججة بالسلاح وبدا عدد الامنيين المرافقين له موازياً لعدد مستقبليه وقد أجلس عدد كبير منهم على المقاعد الفارغة في تجاوز واضح للقانون، وأقفلت الطرق ومنع الطرابلسيون من بلوغ مقصدهم بسبب الانتشار الكثيف للجيش وقوى الأمن من البترون الى طرابلس، الامر الذي أثار امتعاضاً لدى الناس. ولم يكن الحضور في معرض رشيد كرامي الدولي كبيراً ولم تشمل زيارة باسيل أي مسؤول أو زعامة، وقد احيط تجمع لمعتصمين ضد الزيارة بحصار لمنع وصوله الى مكان اللقاء.
لكن الحدث تمثل ليس في الزيارة بل في مضمونها وفي كلامه الذي أعاد التذكير باغتيال الرئيس رشيد كرامي وبحاجز البربارة وغيره، قائلاً: “اننا لم نصعد الى الجبل من أجل المعارك ولم نشارك في أي حرب كما كنا دوماً مع الجيش وضد الميليشيات ولم ننصب حواجز على الطرق ولسنا نحن من اغتال رئيس الحكومة من طرابلس”.
وآثار كلام باسيل ردوداً عدة رافضة للغة الاستفزاز والتحريض وأصدر حزب “القوات اللبنانية” بياناً وصف فيه هذا الكلام بانه “فتنوي وأرعن ويصر فيه على استعادة أحداث الحرب اللبنانية من منظار صاحبه الأسود ليفاقم الوضع في لبنان تشنجاً بعدما كان ارتكب الفعل ذاته في الجبل الاسبوع الماضي مما أدى الى سقوط قتيلين”.
وأسف رئيس حزب “القوات” سمير جعجع للأجواء “التي لا توحي باجتماع للحكومة في الأيام المقبلة”، معتبراً أنها “جريمة بحق الوطن، اذ في الوضع الذي نعيش فيه وفي ظل صعوبات معيشية تزداد يومياً، نحتاج إلى اجتماعات مكثفة وسريعة”.
وشدد على أن “باسيل يردنا 50 عاماً إلى الوراء، يطرح الأمور بقلب أسود، ويشنج الأجواء من جديد”. ورأى أنه “لإزالة التشنج والعودة إلى حياة سياسية طبيعية، على باسيل ان يوقف خطاباته المتشنجة وعدم مهاجمة الآخرين وإثارة مواضيع كانت حساسة أيام الحرب، والبعض منها سبب حربا بين اللبنانيين”.
ورد عليه نائب رئيس “التيار” النائب نقولا صحناوي بتغريدة جاء فيها: “بئس الزمان الذي يجول فيه رئيس أكبر تكتل نيابي في المناطق اللبنانية ويمد يده للجميع ويكون الى جانب المواطنين وهمومهم، فيقابله بعض أمراء الحروب والطوائف بالشتائم والحواجز ومحاولات الاغتيال… وبعودته سالماً، يكمن له اخوه الضال بأحجار الكره ليرجمه بها”.
***************************************
افتتاحية صحيفة الجمهورية
مانشيت- الحلول معطّلة بانتظار مفاجأة… والحريري مستاء ويخشى ضياع الفرص
كانت عطلة نهاية الاسبوع، بالأحداث التي شهدتها وردود الفعل عليها، إقليمية ـ دولية بامتياز، وبدا معها الواقع اللبناني بما يحتويه من التباسات وتوترات تُباعِد بين الأطراف السياسية، تفصيلاً صغيراً جداً امام الوقائع التي تتسارع في المنطقة، وتهدّد بتدحرج التداعيات السلبية على اكثر من ساحة. ولعلّ التصعيد الإيراني في مواجهة الاميركيين، والذي تدفع به إيران الى اعلى مستوياته في الملف النووي، هو العنوان الساخن لمرحلة جديدة مفتوحة على احتمالات واسعة، خصوصاً انّ طهران اعلنت في الساعات الأخيرة علناً أنّها قرّرت زيادة إضافية في تخصيب اليورانيوم، والى مستوى اعلى مما هو مسموح به في الاتفاق النووي، وهو الامر الذي أحدث اصداء شديدة السلبية في واشنطن وتل ابيب وكذلك لدى الشركاء الاوروبيين في الملف النووي.
قالت مصادر ديبلوماسية لـ»الجمهورية»، انّ المنطقة وسط هذه التطورات تتجّه الى التصعيد، وما يثير القلق، انّ مؤشرات هذا التصعيد توحي بأنّ رقعته ستكون واسعة، وتأثيراته ستنسحب على مساحة المنطقة.
لكن مرجعاً سياسياً لبنانياً قلّل من احتمالات التصعيد الخطير، وقال لـ»الجمهورية»: «حتى الآن ما زلت اعتقد انّ احتمالات الحرب ضعيفة جداً، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّها ليست ممكنة، والمؤسف اننا في لبنان ما زلنا نتلهى ببعض التفاصيل الصغيرة، والجولات السياسية في غير مكانها وزمانها، فيما المطلوب هو أن يستنفد لبنان كل طاقاته السياسية والرسمية في رصد تطورات المنطقة، ومحاولة بناء التحصينات الداخلية، وأقلّها إعادة ترتيب البيت الحكومي المفكّك حالياً. فعلى الأقل ان نكون جاهزين لأي احتمالات ومحاولة منع تمدّد سلبياتها الى لبنان في حال سلكت الأمور مسار التصعيد اياً كان شكله».
حادثة قبرشمون
داخلياً، لم يُسجّل بعد أي تقدّم ملموس على صعيد معالجة مضاعفات أحداث الجبل الأخيرة. وفي هذا الصدد اكّدت مصادر سياسية لـ»الجمهورية»، انّ الاتصالات الجارية لتذليل مضاعفات حادثة قبرشمون وذيولها لم تؤدِ الى اي نتائج ايجابية حتى الآن، الامر الذي من شأنه أن يبقي الوضع الحكومي في دائرة التعطيل.
وردّت المصادر سبب التعثر القائم، الى اصطدام المساعي بتصلّب الافرقاء المعنيين، وعدم التنازل عن سقوفها العالية. إلّا انّ مرجعاً سياسياً قال لـ»الجمهورية»: «حتى الآن الامور صعبة، إلاّ انها ليست مقفلة. وهذا الأسبوع، يُفترض ان يطرأ شيء ايجابي على هذا الصعيد، إذ لا يجوز ابداً ان نكون في أزمة صغيرة، فنصبح في ازمة كبرى يصبح من الصعب علينا إحتواءها». واشار الى «انّ حال الحكومة معطلة نتيجة الظروف التي طرأت في الآونة الاخيرة، وما يُخشى منه هو أن يطول هذا التعطيل، الامر الذي يفسخ الحكومة اكثر فأكثر ويجعلها في مهبّ احتمالات سلبية لن تكون في مصلحة احد».
وكشفت مصادر وزارية لـ «الجمهورية»، انّ رئيس الحكومة سعد الحريري، عبّر عن استيائه من تعطيل الحكومة، وأنه لا يستطيع ان يقبل بهذا الوضع، مهما كانت المبررات، خصوصاً انّ هذا التعطيل يهدّد بضياع فرص ايجابية ينتظرها لبنان، كذلك يعطّل توجّه الحكومة الى الاستفادة من مؤتمر «سيدر».
وقالت هذه المصادر: «إنّ مرحلة ما بعد إقرار مجلس النواب مشروع قانون الموازنة، هي مرحلة «الشغل الحقيقي» للحكومة، لكن المؤسف ان ليس هناك ما يؤشر حالياً الى إعادة انطلاقة الحكومة مجدداً، بل على العكس فإنّ الامور تنحى في اتجاه عكسي».
وتوقعت مصادر سياسية ان تحدث هذا الاسبوع مفاجأة على صعيد المعالجات، خصوصا في ظل معلومات تحدثت عن انّ رئيس مجلس النواب نبيه بري سيدخل بقوة على خط المساعي الجارية لتمكينها من التوصل الى النتائج المرجوة، إذ انّه يبدي استياء كبيراً مما جرى، ويردّد امام زواره على ضرورة معالجة الوضع السائد، لأنّ إستمراره يهدّد البلاد بمخاطر كثيرة في ظل الأزمات التي تعانيها على مختلف المستويات.
إطلالة باسيل
وفيما استمر اطراف حادثة قبرشمون في تبادل التصعيد عبر المنصّات السياسية والاعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع ردود فعل حول الجولات التي يقوم بها وزير الخارجية جبران باسيل على المناطق، وآخرها على طرابلس وعكار وزغرتا وما رافقها من توترات سياسية ومواقف عالية النبرة، فإن اللافت هو اطلالة باسيل اليوم عبر تلفزيون «ان.بي.ان»، في مقابلة حوارية اثيرت حولها تساؤلات، ان لجهة توقيتها، او لجهة القناة التلفزيونية، ليس فقط حول رمزيتها الاعلامية، بل حول مرجعيتها السياسية.
«الإشتراكي»
وعلى الضفة الأخرى وضمن حراك الحزب التقدمي الإشتراكي لشرح موقفه من احداث قبرشمون والشحار الغربي، علمت «الجمهورية» انّ وفداً منه سيزور ظهر اليوم رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل في بيت الحزب المركزي في الصيفي، على ان يزور رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الخميس المقبل.
وقالت مصادر الحزب لـ «الجمهورية»، انّ الجولة «تهدف الى التشديد على انّ سلسلة التفاهمات والمصالحات السابقة لا يجب ان تتأثر بما جرى، فالجبل تجاوز الأيام الصعبة، والحفاظ على ما تحقق يحتاج الى جهود الجميع بلا استثناء ولن تؤثر بعض الأحداث عليها».
جنبلاط
وغرّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ليل أمس عبر «تويتر»، فقال: «نحن لسنا قطاع طرق». ثم استتبعها بتغريدة أخرى: «أكرّر نحن لسنا قطاع طرق، لكن يبدو أن البعض لم يفهم».
الحريري يعود اليوم
وفي الوقت الذي اصرّت فيه اوساط «بيت الوسط» على الإشارة الى انّ زيارة الرئيس سعد الحريري الى الخارج «خاصة» من دون ان تكشف اي معلومات عن مكان وجوده، لفتت عبر «الجمهورية» الى أنّه سيعود الى بيروت في الساعات المقبلة لاستكمال مساعيه لعقد جلسة لمجلس الوزراء الخميس المقبل والتفاهم على بعض الخطوات الضرورية التي تعيد العجلة الحكومية الى الدوران والبت بقضايا اساسية منها الموافقة على قطوعات الحسابات العائدة للأعوام الممتدة من 2004 وحتى العام 2017 .
وفي جديد المواقف، قال عضو تكتل «لبنان القوي» النائب آلان عون، في حديث تلفزيوني، إنّ إجتماع الحكومة بات مرتبطاً بمعالجة تداعيات حادثة قبرشمون، خصوصاً بالنسبة إلى المسار المتعلق بتسليم المطلوبين. واشار إلى «أننا لا نريد نقل الواقع المتفجّر إلى طاولة مجلس الوزراء»، موضحاً «أنّ تأخير موعد جلسة مجلس الوزراء يعود إلى محاولة تفكيك هذا اللغم».
الراعي
وفي المواقف أيضاً، قال البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في قداس الأحد الأول في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان: «نود التأكيد أنّ مصالحة الجبل هي الكنز الذي نتمسّك به وهي فوق كل اعتبار، ذلك أنّ سلامة الوطن هي من سلامة الجبل، ونعمل وندعو الى العمل معاً في سبيل توطيد أركان المصالحة سياسياً وواقعياً وخلق فرص عمل للجميع لكي يعود العيش معاً الى سابق عهده، وثانياً اعتماد خطاب سياسي يجمع ولا يفرّق، يسير الى الامام ولا يعود الى الوراء، يبني ولا يهدم، يتعاون ولا يقصي، يأتي بمشاريع اقتصادية وإنمائية ولا يردّد كلمات وشعارات من دون مضمون سوى التأجيج».
ولاحظ «انّ الشعب سئم مناكفات السياسيين على حسابه وعلى حساب تعطيل عمل المؤسسات وعلى حساب قيام دولة العدالة والقانون والرقي».
****************************************
افتتاحية صحيفة نداء الوطن
علاقة الحريري – باسيل في أسوأ أيامها
نكسة “رئاسية” فادحة لزعيم “التيار” في طرابلس
يخيّم شبح تعطيل المؤسسات الدستورية على البلد مطلع هذا الأسبوع، بحيث باتت الحكومة بحكم المعلّقة، وإقرار الموازنة في المجلس النيابي في مهبّ المماحكات والتجاذبات، في ظل إصرار “التيار الوطني الحرّ” والنائب طلال أرسلان على إحالة المطلوبين في حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي، واصطدامهما برفض كل من الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري لذلك، حيث أكّدت مصادر متابعة لـ”نداء الوطن” أنّ بري عرض على رئيس الجمهورية امكان رعاية تسوية سياسية، تتضمن سحب المطالبة بالإحالة إلى المجلس العدلي في مقابل معالجة أمنية لما جرى يعتمد فيها القضاء المدني، على أن يطرح بالموازاة معالجة سياسية تحاكي الأزمة ككل. وأبدت مصادر عين التينة تخوفها من ألّا تقابل بادرة بري بإيجابية.
بدورها تشدّد أوساط الرئيس الحريري على أنّه لن يقف ساكناً هذه المرّة أمام التعطيل. بات واضحاً أن علاقته بالوزير جبران باسيل هي اليوم في أسوأ لحظاتها، وذلك بعد أسابيع قليلة على لقاء الخمس ساعات الذي أعطى الإنطباع بأنّ “التسوية تجدّد شبابها” وتتأهب للتعيينات.
ويبدو أن المشهد انقلب كليّاً اليوم، فمن الخلاف حول المجلس العدلي الى استياء باسيل الشديد من عشاء عين التينة، إلى العناد الذي دفع باسيل الى التعجيل بزيارة خاطفة إلى طرابلس في ظلّ مقاطعة شاملة له من أبناء المدينة، بحيث كاد الحاضرون أن يقتصروا على الكوادر المرافقة لباسيل، يتقدّمهم وزير الدفاع الياس بوصعب. وزاد الطين بلّة أن الحريري كان لمس تجاوباً من “التيار الوطني” وأرسلان مع مهمة ابراهيم، ثم عاد هذا الفريق بعدها إلى السلبية مشترطاً إحالة الملف إلى المجلس العدلي “ماذا وإلا” لن تكون هناك حكومة. من جانبه، أكّد مستشار الحريري النائب السابق عمار حوري أنّ “استقالة الحريري غير مطروحة”، كما حمّل حوري باسيل مسؤولية التعطيل.
ويعدّ هذا المشهد النافر في عاصمة الشمال بمثابة خسارة مدوية لباسيل، وإضعافاً كبيراً لطموحاته “الرئاسية”. ولم يجد باسيل في طرابلس حيال هذه المقاطعة السنّية الواسعة إلا أن يستهدف كلامياً “القوات اللبنانية”.
وكان لافتاً كلام البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أمس أن “مصالحة الجبل هي الكنز الذي نتمسك به وهي فوق كل اعتبار”، داعياً الى “اعتماد خطاب سياسي يجمع ولا يفرّق، يسير الى الأمام ولا يعود الى الوراء”، شاجباً “هذا الهدم المتواصل للدولة ومؤسساتها”.
****************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
تبعات حادثة الجبل تهدد الحكومة اللبنانية
«التقدمي» عاتب على عون… و«ثغرات» في إدارة المواجهة مع جنبلاط
بيروت: محمد شقير
حذرت مصادر وزارية لبنانية، واسعة الاطلاع، من تبعات الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، على خلفية إصرار الأول على إحالة مقتل اثنين من مرافقي وزير في الجبل على المجلس العدلي، في مقابل تفضيل الثاني اعتماد الحل السياسي والاحتكام إلى القضاء، لتحديد من هو المسؤول.
ورأت أن هذا الخلاف يمكن أن ينعكس على الوضع الحكومي، ويدفع باتجاه تعطيل جلسات مجلس الوزراء، وتحويل الحكومة إلى مجرد هيئة تشرف على إدارة التأزم السياسي، في ظل ظروف دقيقة يمر بها البلد، وتستدعي الإسراع بالاستجابة لخريطة الطريق التي أقرها «مؤتمر سيدر» للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوضع اللبناني لا يحتمل إقحام البلد في اشتباك سياسي يؤدي إلى تعطيل جلسات مجلس الوزراء، بذريعة الخلاف حول إحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي»، وقالت إن «هذا الأسبوع مع عودة الحريري إلى بيروت سيكون حاسماً لجهة تحديد مصير جلسة مجلس الوزراء، لأنه من غير الجائز ترحيلها، فيما بات على الحكومة الانعقاد للنظر في التعديلات المقترحة على مشروع الموازنة، تمهيداً لإحالته على البرلمان لمناقشته وإقراره».
واعتبرت المصادر أن «هناك أصولاً لإحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي تبدأ في التحقيق القضائي لتبيان ما إذا كانت الحادثة ناجمة عن نصب كمين لوزير شؤون النازحين صالح الغريب، أو لغيره، من قبل محازبي (الحزب التقدمي الاشتراكي)، احتجاجاً على زيارة رئيس (التيار الوطني الحر) وزير الخارجية جبران باسيل إلى بلدة كفر متى في قضاء عاليه».
ورأت أن «إحالة هذه الحادثة، من دون أي تحقيق قضائي، تعني أن هناك من يود توجيه تهمة جاهزة إلى (التقدمي)، وصولاً إلى تحميله مسؤولية كل ما حدث»، وسألت: «لماذا يصر البعض على أن يستبق التحقيق؟ وهل يكفي الركون إلى ما صدر عن وزير الدفاع الوطني إلياس بو صعب، وعن خصوم وليد جنبلاط لإلصاق التهمة بـ(التقدمي)؟».
وأوضحت أنه «يُفترض في هذه الحالة ترك الأمر للقضاء، الذي يحدد من خلال ما لديه من معطيات وأدلة ما إذا كانت الحادثة تأتي في سياق نصب كمائن، أو تهديد السلم الأهلي والإضرار بأمن الدولة، خصوصاً أن جنبلاط كان بادر منذ اللحظة الأولى إلى التجاوب مع الوساطة التي يقوم بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وتسليمه كل من يُشتبه به بأنه على علاقة بهذه الحادثة».
في هذا السياق، تساءلت المصادر عن سبب عدم تجاوب رئيس «الحزب الديمقراطي اللبناني»، طلال أرسلان، بتسليم من هم في موضع الشبهة، «خصوصاً أن (التقدّمي) تقدّم من اللواء إبراهيم بلائحة بأسماء المشتبه بهم لمشاركتهم في الحادثة». وكشفت أن شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي المكلّفة من قبل النيابة العامة التمييزية التحقيق مع المطلوبين أفرجت عن ثلاثة منهم «لعدم وجود أدلة تثبت ضلوعهم أو مشاركتهم في الحادثة».
ولفتت المصادر الوزارية إلى أن «هناك إمكانية لاستيعاب التداعيات المترتبة عن هذه الحادثة، شرط عدم السماح لأطراف خارجية، تحديداً النظام في سوريا، بالتدخّل، خصوصاً أنه يرعى المحاولات الجارية لتطويق جنبلاط». ونقلت عن «التقدمي» عتبه الشديد على رئيس الجمهورية على خلفية قوله أخيراً «إن ما حدث في عاليه ليس عارضاً، يجب ألا يتكرّر، وما حصل في عام 1983 لن يتكرّر اليوم، وحرية تنقّل اللبنانيين في المناطق يجب أن تبقى مصانة».
وعزت المصادر العتب إلى أن «رئيس الجمهورية استبق التحقيق القضائي، وتبنّى وجهة نظر فريق معين، إضافة إلى أنه ليس مضطراً إلى استحضار ما حصل في عام 1983 عندما كان قائداً للواء الثامن في الجيش اللبناني المتمركز في حينها على جبهة عاليه – سوق الغرب». وأشارت إلى أن «عون هو الرئيس المنتخب، ولم يكن مضطراً إلى استحضار محطة من محطات الحرب الأهلية في لبنان».
وأعربت عن أملها «بأن يلعب الدور الذي يجمع بين اللبنانيين، خصوصاً أن جنبلاط كان وضع ملف حادثة الشويفات بين يديه لإيجاد المخرج الذي يعيد الهدوء إلى هذه البلدة، ويقطع الطريق على تكرارها، لكن أرسلان لم يتجاوب معه».
وأكدت أن «جنبلاط لا يركض وراء افتعال مشكلة في هذه البلدة أو تلك»، وقالت إن خصومه «وقعوا في أخطاء جمة في إدارتهم للمواجهة السياسية معه انطلاقاً من إصرارهم على فرض المزيد من الحصار عليه من خلال إحالة هذه الحادثة على المجلس العدلي».
وعدّدت المصادر الوزارية «الأخطاء التي ارتكبها خصوم جنبلاط، وكانت بمثابة ثغرات في إدارة المواجهة معه، وأولها أن وزير الدفاع لم يكن مضطراً لأن يستبق التحقيق القضائي في اتهامه (التقدمي) بأنه نصب كميناً للوزير الغريب، وثانيها ربط وزير المهجّرين غسان عطا الله (التيار الوطني الحر) دفن مرافقي الوزير الغريب بإحالة الحادثة على المجلس العدلي، ثم التشكيك بالدور الإطفائي للواء إبراهيم من قبل نائب الكورة (التيار الوطني) جورج عطا الله».
وأضافت أن بين الأخطاء أيضاً «إصرار تكتل (لبنان القوي) برئاسة جبران باسيل على تقديم نفسه، وكأنه هو الذي يدير المعركة السياسية ضد جنبلاط، وانتقال الوزير في (حزب الله) محمود قماطي إلى منزل أرسلان في خلدة، وإعلانه في حضوره أن زمن الميليشيات قد ولّى، وأن هناك محاولة للنيل من سلامة وزير في الحكومة، في إشارة إلى الغريب».
إضافة إلى ما سبق، لفتت إلى «لجوء نواب في (تكتل لبنان القوي)، إضافة إلى باسيل، إلى استحضار محطات من الحرب الأهلية، بدءاً بكوع الكحالة، ومروراً بضهر الوحش، وانتهاءً بسوق الغرب، علماً بأن هذه المحطات كانت شهدت معارك بين (التقدمي) واللواء الثامن بقيادة عون آنذاك، وتغييب الدروز عن اجتماع المجلس الأعلى للدفاع برئاسة الرئيس عون، بعدم دعوة رئيس الأركان اللواء أمين عرم لحضوره، بذريعة أنه ليس عضواً دائماً في المجلس، مع أن الرئيس دعا وزير الدولة سليم جريصاتي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس، لحضوره، رغم أنهما ليسا من أعضائه».
وأشارت أخيراً إلى «رد فعل الحضور في اجتماع المجلس المذهبي الدرزي على موقف وزير المهجرين الذي ربط دفن الضحيتين بإحالة الحادثة على المجلس العدلي، ونقل على لسان شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ نعيم حسن قوله: إننا نستنكر التدخّل في شؤوننا، ونحن مسلمون، وإكراماً للميت يجب دفنه».
لذلك، اعتبرت المصادر «أن عدم انعقاد مجلس الوزراء، هذا الأسبوع، يمكن أن يفتح الباب أمام الدخول في تأزم سياسي قد يكون الأصعب منذ انتخاب عون رئيساً للجمهورية، خصوصاً أن الحريري يرفض إحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي، في مقابل إصرار رئيس الجمهورية على إحالتها، علماً بأنه يحق للأخير أن يطرح هذه الإحالة من خارج جدول أعمال الجلسة، وعندها لا بد من رصد رد فعل رئيس الحكومة، هذا إلا إذا تقرر صرف النظر عن هذه الحالة في ضوء ما يتردد بأن (حزب الله) قد يُجري تعديلاً على موقفه في اتجاه تكليف القضاء بالتحقيق، وبالتالي تفتقد الإحالة إلى أكثرية الأعضاء في الحكومة».
ويتردد أيضاً أن اللواء إبراهيم لم ينطلق في وساطته إلا بعد أن حظي بمباركة ودعم من حركة «أمل» و«حزب الله»، مع تأكيد أن رئيس البرلمان نبيه بري لا يحبّذ الإحالة على المجلس العدلي، ويفضّل أن يترك القرار النهائي لسير التحقيقات القضائية.
***************************************
افتتاحية صحيفة اللواء
الراعي يحذِّر من «غَرَق السفينة» وجعجع يتّهم باسيل بالتعطيل
قرار الحريري غداً.. وجولة رئيس «التيار الحُرّ» الشمالية عُزْلَة سياسية للتكتل القوي
لم تدفن مع جثتي الشابين، اللذين سقطا الأحد في 30 حزيران الماضي في قبرشمون، لا الاحقاد، ولا الخلافات التي سبقت ولحقت بالحادث الأليم: بقي مجلس الوزراء يبحث عن «مرجّح» يسمح بتجاوز الخلافات واجندة معالجة ذيول ما حدث عبر القضاء، العادي، أو المجلس العدلي، بما يسمح ببقائه «حيا يرزق»، وهو المكان الطبيعي للنظر في المشكلات وإيجاد الحلول لها..
وإذا كان الرئيس سعد الحريري، يلتزم «الصمت الايجابي» ويحاول ان يقارب النقاط «بتعادل ايجابي» أيضاً، فلا يفني الغنم ولا يموت الذئب.. فإن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع شرب حليب السباع، واتهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتعطيل الحكومة، وتهديد بقائها أيضاً.
وبين تحفظ وكلام علني، اعتبر الكاردينال الماروني مار بشارة بطرس الراعي ان التوتر السياسي عطل الحكومة، في وقت فيه البلاد بأمس الحاجة لاجتماعات مجلس الوزراء لمعالجة الديون المتراكمة والأوضاع المتفاقمة، وكأن البلاد سفينة ضائعة في وسط البحر تتلاطمها الامواج..
ولم تخف مصادر وزارية، هذا الجو المعقد، وقالت لـ«اللواء» ان اي خرق على صعيد امكانية انعقاد جلسة لمجلس الوزراء لم يسجل بعد مشيرة الى انه قبل تهدئة النفوس لا يمكن الحديث عن عقد جلسة لأن ذلك يعني مشكلاً كبيراً بين مكونات الحكومة.
واعربت عن اعتقادها ان الأجواء عادت وتكهربت على كل الآصعدة وبالتالي قد يؤدي ذلك في حال عدم وجود مسعى الى عواقب خطيرة، واذ لاحظت ان ما من مبادرة واضحة حاليا توقعت ان يصار الى العمل لبلورة شيء ما، علما ان الاستمرار في تعليق جلسات الحكومة له ارتداداته السلبية.
ويعود الرئيس الحريري إلى بيروت اليوم، على ان يستأنف نشاطه فور عودته، بدءاً من يوم غد، في محاولة لاحداث تقارب بين الأطراف المتباعدة، تمهيداً لعقد جلسة لمجلس الوزراء.
ولم يستبعد مصدر مطلع ان توجه الدعوة إلى مجلس الوزراء الخميس المقبل، إذا صارت المعالجات، وفقاً لما هو مرسوم لها، ومرتجى منها..
وقال المصدر لـ«اللواء» لا يجوز ان يتعطل مجلس الوزراء لأي سبب كان، لأن تعطيله يعني تعطيل الدولة
اتصالات بعيدة عن الأضواء
واستمرت الاتصالات البعيدة عن الأضواء، ولو بخجل، من أجل إيجاد مخرج لدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد هذا الأسبوع، وإذا امكن يوم الخميس المقبل، على اعتبار ان الدعوة لعقد جلسة غداً الثلاثاء لم تعد متاحة، متاحاً، لكن يبدو ان المساعي لا تزال تصطدم بالشروط والشروط المضادة، لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديمقراطي النائب طلال أرسلان، حول تسليم كل المشتبه بعلاقتهم بجريمة قبرشمون التي حصلت الأحد الماضي، وإحالة القضية على المجلس العدلي، والتي يعتبرها أرسلان «مفتاح الحل».
وذكرت مصادر رسمية ان ما يعيق الحل الأمني هو عدم تسليم الحزب التقدمي لشخصين متهمين بشكل مباشر بإطلاق النار، مع انه جرى يوم السبت تسليم عنصرين آخرين، بحيث بلغ مجموع من تمّ تسليمهم سبعة أشخاص، فيما يطالب الاشتراكي بتسليم عنصرين من عناصر موكب الوزير صالح الغريب، ظهرا في الفيديوهات المسربة يطلقان النار خلال محاولة فتح الطريق امام الموكب.
وبرزت خلال عطلة نهاية الأسبوع تسريبات عن احتمال استقالة وزيري الحزب الاشتراكي اكرم شهيب ووائل أبو فاعور من الحكومة إذا استمرت محاولات الضغط والحصار السياسي على جنبلاط، لكن الوزير أبو فاعور سارع من بلدة المحيدثة في قضاء راشيا إلى التأكيد بأن «محاولات حصار وليد جنبلاط ليست جديدة في السياسة، وهو أكبر وارفع من ان تحاصروه»، في نفي ضمني لهذه التسريبات، فيما بدأ جنبلاط وكوادر حزبه وقياداته، بحملة سياسية مضادة عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وفود وزارية ونيابية برئاسة الوزير اكرم شهيب زارت أمس كلاً من البطريرك الماروني بشارة الراعي ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للتأكيد على فشل محاولات حصار وتطويق جنبلاط، واستمرار مصالحة الجبل، حيث أكّد الراعي انها «الكنز الذي نتمسك به»، مقابل حملات أخرى من الحزب الديموقراطي، و«التيار الوطني الحر» ترفض محاولات جنبلاط بالاستئثار بقرار الجبل، عبر الحديث عن خصوصية، وهو ما اشر إليه رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل، خلال زيارته لمدينة طرابلس السبت الماضي، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، رغم ان أحداً من سياسيي المدينة أو فعالياتها وقياداتها لم يأبه للزيارة، باستثناء بضع عشرات من مؤيديه تجمعوا في باحة معرض رشيد كرامي الدولي، كان عدد عناصر القوى الأمنية أكثر من عددهم.
وليلاً غرد جنبلاط الذي التقى مجموعة من السفراء الأجانب، قائلاً: «عبر حسابه على «تويتر» نحن «لسنا قطاع طرق»، ثم كرّر هذه العبارة مضيفاً «لكن البعض لم يفهم».
معالجات بطيئة
وفي تقدير المصادر الرسمية ان المعالجات لتداعيات احداث الجبل، لا تزال متأخرة، لا بل بطيئة، إلى حين انتهاء الشق الأمني كاملاً، من خلال تسليم المتورطين في هذه الأحداث، وهو ما لا يبدو سريعاً، لكي يبدأ الحكي السياسي بالعمق، والذي يرتقب ان يدخل على خطه وبشكل مُكثّف الرئيس نبيه بري، عبر محاولة ترطيب الأجواء بين جنبلاط وارسلان، تمهيداً لمصالحة تكون برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون في بعبدا.
لكن مصادر سياسية استدركت، بأنه من المبكر الحديث عن مصالحة درزية في الجبل، حتى ولو تحدث عنها أمس الوزير السابق وئام وهّاب، في تغريدة لافتة للانتباه له، وألمح إليها أرسلان في تشييع الضحية الثانية سامر أبي فراج في بعلشميه، طالما ان المعالجات الأمنية لم تكتمل، سواء بالنسبة لتسليم المطلوبين أو إحالة الحادثة على المجلس العدلي.
وأشارت المصادر إلى ان الفصل بين المعالجات، بحيث يكون الشق الأمني منفصلا عن الشق السياسي، غير عملي، بحسب ما يرى الرئيس برّي حينما أكّد يوم الأربعاء الماضي بأن المسارات الثلاثة: الأمني والقضائي والسياسي يجب ان تكون مترابطة خلافاً لوجهة نظر بعبدا، على اعتبار ان الأحداث في الجبل، هي في الأصل سياسية، نتيجة الشحن السياسي الذي لم يعد وقفاً على الشريحتين الدرزيتين المعروفتين في الجبل، بعدما دخلت على خطه مجموعات سياسية من خارج الطائفة الدرزية، رأت انه من مصلحتها توتير الأجواء بين الطرفين، ولهذا كثرت الإشكالات الأمنية بينهما، وارتفع عدد ضحاياها في سنة واحدة إلى أربع، وهو أمر لا يجوز ان يستمر.
وتعتقد هذه المصادر ان المسعى السياسي يجب ان يرتكز على محاولة استيعاب جنبلاط وطمأنته إلى عدم وجود قرار أو نية لمحاصرته وتطويقه، ووقف الضغوط عليه، بالتوازي مع شغل على خط أرسلان للتراجع عن مطلب إحالة جريمة قبرشمون على المجلس العدلي، خاصة وان أغلبية مكونات الحكومة الأساسيين هم ضد احالتها على الأقل الآن إلى المجلس العدلي، وليس قبل اتضاح كل ملابسات ما جرى وتحديد المسؤوليات بدقة من قبل الأجهزة الأمنية والقضاء ليبنى لاحقاً على الشيء مقتضاه.
الحريري منزعج
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الرئيس الحريري ليس بعيداً عن هذا التوجه، بل هو أكّد عليه منذ اليوم الأوّل، حيث برز تميزه عن موقف رئيس الجمهورية خلال اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الذي اثار غيظ جنبلاط، فيما رحب به أرسلان، وتُشير هذه المصادر إلى ان مقدمات نشرات اخبار محطة تلفزيون «المستقبل» لا سيما تلك التي تحدثت عن «عصفورية سياسية» تعكس انزعاج الحريري من تصعيد الخطاب السياسي، وإعادة الفرز بين المكونات السياسية على قاعدة وجود مكونات للسلم ومكونات للحرب، وما يترتب على ذلك من مخاطر على الوضع الاقتصادي والمالي.
ولاحظت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان اي خرق على صعيد امكانية انعقاد جلسة لمجلس الوزراء هذا الاسبوع لم يسجل بعد مشيرة الى انه قبل تهدثة النفوس لا يمكن الحديث عن قيام جلسة لأن ذلك يعني مشكلاً كبيراً بين مكونات الحكومة.
واعربت عن اعتقادها ان الأجواء عادت وتكهربت على كل الآصعدة وبالتالي قد يؤدي ذلك في حال عدم وجود مسعى الى عواقب خطيرة، واذ لاحظت ان ما من مبادرة واضحة حاليا توقعت ان يصار الى العمل لبلورة شيء ما علما ان الآستمرار في تعليق جلسات الحكومة له ارتداداته السلبية.
الا ان مصادر قيادية في تيّار «المستقبل» أكدت ان الرئيس الحريري لن يقف مكتوف اليدين حيال أي توجه لتعطيل انعقاد مجلس الوزراء مهما كانت الأسباب.
وحذرت هذه المصادر من استمرار الشحن السياسي وارتداداته على العمل الحكومي، مشيرة إلى ان الحريري يرى ضرورة فك الاشتباك بين الأزمة الناشئة عن حوادث عاليه وبين عمل مجلس الوزراء، وما يتعلق بموجبات التصدي للمأزق الاقتصادي ومعالجة التداعيات المترتبة على التصنيفات الدولية للوضعين المالي والاقتصادي للبنان والمرتقبة في غضون الشهرين المقبلين.
وشددت هذه المصادر على انه من «غير الممكن مواجهة الاستحقاقات المالية والاقتصادية الماثلة في ظل أزمات سياسية مفتوحة، تجعل من عمل مجلس الوزراء عملاً موسمياً، مع ان الحكومة رفعت شعار «الى العمل»، لكن عدد جلساتها تكاد تكون معدودة (عدا عن جلسات إقرار الموازنة).
جعجع وباسيل
وفي المواقف التي اشتعلت على ضفاف جولات الوزير باسيل ، أسف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع للأجواء «التي لا توج باجتماع للحكومة في الأيام المقبلة»، معتبراً انها «جريمة بحق الوطن، إذ في الوضع الذي نعيش فيه، وفي ظل صعوبات معيشية تزداد يومياً، نحتاج إلى اجتماعات مكثفة وسريعة للحكومة».
ولفت في حديث اذاعي إلى انه من «غير المقبول ان يعطل الوزير جبران باسيل اجتماع الحكومة من أجل بعض المكاسب الحزبية الصغيرة»، مضيفاً إذا كانت هذه هي نوعية القوى السياسية، لا اعرف إلى أين نحن ذاهبون.
وحمل جعجع بشدة على باسيل في هذه المقابلة، إذ رأى انه المسؤول عن أجواء التشنج السائد في البلد، وانه هو الذي يتسبب به، معتبراً ان «باسيل اعادنا 50 سنة إلى الوراء، لأنه يطرح الأمور بقلب أسود»، مضيفاً بأنه «ليس مستغرباً ان تستقبل طرابلس باسيل الاستقبال الذي استقبلته به».
وسبق كلام جعجع تعليق للدائرة الإعلامية في «القوات» على كلام باسيل في طرابلس والذي غمز فيه عن مسؤولية جعجع في اغتيال الرئيس رشيد كرامي، فوصفه التعليق بأنه «حديث فتنوي أرعن لا علاقة له بكل ما نعيشه من تحديات وهموم، ويصر فيه على استعادة احداث الحرب اللبنانية من منظار صاحبه الأسود»، معتبراً ان أكثر من يعمل على تقسيم لبنان في الوقت الحاضر هو باسيل.
اما بالنسبة إلى اغتيال الرئيس رشيد كرامي، فسأل بيان «القوات» باسيل عن مبرر دفاعه عن نفسه بهذه الطريقة، طالما في الأساس لم يتهمه أحد باغتيال كرامي، إلى إذا كان من لديه مسلة تحت ابطه تنعره، أو يصح المثل القائل: «كاد المريب ان يقول خذوني».
وبطبيعة الحال، كان لباسيل ردّ من عكار، بعد انتهاء زيارته القصيرة لطرابلس، وصف فيها اتهام التيار باغتيال كرامي «بالكذبة» و«النكتة الكبيرة»، مشيراً إلى ان «هناك اناساً غير قادرين على الخروج من ماضيهم ويريدون تزوير التاريخ».
ومن بلدة رشعين بقضاء زغرتا ردّ على جعجع من دون ان يسميه فقال: «احدهم قال بأن من ليس لديه ماض ليس له لا حاضر ولا مستقبل، وأنا اقول بأن من لديه هكذا ماض ليس لديه لا حاضر ولا مستقبل».
باسيل في طرابلس
وكان باسيل أصرّ على ان يقوم بزيارة طرابلس على الرغم من كل التحذيرات والتمنيات التي نصحته بأن لا يشمل المدينة ضمن الجولات التي يقوم بها على المناطق عند نهاية كل أسبوع، ولا سيما بعد حادثة الجبل الأحد الماضي، والتي ما تزال ذيولها الأمنية قائمة، الا انه شاء ان يدخل إلى طرابلس ليس من أبواب السياسيين فيها ولا من باب دار الفتوى، ولا حتى مرجعياتها وفعالياتها، وإنما من باب تعزيزات أمنية غير مسبوقة، حيث كان لافتاً للانتباه تسخير كل أجهزة الدولة ومرافقها واجهزتها، ووضعها تحت تصرف نشاط حزبي، ولم يجد قاعة لاستقباله غير قاعة معرض رشيد كرامي الدولي، رغم ان إدارة هذا المعرض سبق ان رفضت إقامة مهرجان انتخابي للرئيس نجيب ميقاتي في العام الماضي.
وشهدت مداخل المدينة وشوارعها، منذ السابعة صباحاً ازدحاماً لملالات الجيش وعناصر قوى الأمن بهدف الحفاظ على الأمن ومنع أي تحرك للنيل من الزيارة كما حصل في الجبل، لا سيما بعد مرور تقارير عن احتمال تنظيم تظاهرات أو تجمعات احتجاجية على الزيارة، لكن هذه التجمعات اقتصرت على عدد محدود من المواطنين تجمعوا في ساحة النر رفضاً للزيارة، غير ان الجيش منعهم من التقدم نحو منشآت المعرض وعمد إلى قطع الطرقات عند دوار مستشفى النيني، مما حال دون وصولهم للتعبير عن رأيهم.
وقرابة الحادية عشرة وصل باسيل إلى المعرض، وكان اللافت دخول سيارته بمواكبة أمنية مشددة وصلت حتى باب قاعة الاجتماعات التي ضمّت بضع عشرات من كوادر «التيار الوطني الحر» لم تمتليء بهم القاعة.
ولوحظ انه تمّ منع وسائل الإعلام من الدخول لالتقاط الصور، واقتصرت التغطية الإعلامية على الوسائل المرافقة لباسيل، ما اثار نقمة المراسلين لا سيما العرب الذين قرروا عدم نقل وقائع الزيارة.
ولوحظ ايضا ان باسيل خص الطرابلسيين بكم من العواطف وشكر الذين تجمعوا للتعبير عن رأيهم برفض الزيارة للغمز من قناة الحزب الاشتراكي، معتبرا ان هذه هي طرابلس التي تعبر سلمياً وبكل حرية، لكنه رأى ان الزيارة لم تكن تستحق كل هذا الكم من الانتقادات، مؤكدا انه لا يحتاج إلى اذن ليزور أي منطقة، فالبلد ليس محميات ولا عودة إلى منطق الحرب، وانه كذلك لا يقبل بأن يفرض عليه أحد امراً واقعاً مناطقياً، وان يقوم بالهيمنة على أي منطقة تحت مسمى الخصوصية.
***************************************
افتتاحية صحيفة الديار
حكومة العهد الأولى تتلقّى أول طعنـة وتنـتـظر تدخّل رئيـس الجمهوريـّــة
ثلاثة عُقد تمنع إقرار الموازنة والأنظار مُتوّجهة إلى لقاء خليل ــ كنعان اليوم
حجم الإستيراد يــزيد مــن عجز ميزان المــدفوعات ويُــهدّد الكيان اللبــنانــي
بروفسور جاسم عجاقة
حكومة العهد الأولى مُعطّلة والسبب أحداث الجبل. هذه هي النتيجة المرّة التي وصلنا إليها اليوم. حكومة مُعطّلة في وقت يُعاني الاقتصاد اللبناني والمالية العامّة من تداعيات سنين من غياب سياسات اقتصادية ملائمة.
الخلاف الذي يدور حول إحالة أحداث الجبل إلى المجلس العدلي قسم الحكومة إلى قسمين: قسم يريد إحالة الحادثة على المجلس العدلي ويشمل وزراء التيّار الوطني الحرّ وحزب الله والوزير الغريب، وقسم يُعارض هذا الأمر ويشمل الاشتراكي، حركة أمل، المُستقبل، القوات، والمردة. وهذا يجعل الأغلبية ضد إحالة الملفّ إلى المجلس العدلي مما يُبرّر عملية التعطيل الأسبوع الماضي. هذا الانقسام وصل إلى مستويات خطرة قدّ تتعطّل معها الحكومة لفترة طويلة وهذا ما نلحظه من المؤشرات مثل سفر الحريري وتصريح الوزير باسيل في طرابلس وتصريح النائب طلال أرسلان في تشييع سامر أبي فراج وتصريح الدكتور جعجع والنائب السابق جنبلاط.
وبغضّ النظر عمن سيربح هذه الجولة، فقد تلقّت الحكومة طعنة قوية قضت على التضامن الحكومي بين الوزراء وأصبح مصيرها مُعلّقًا بيد ثلاث أو أربع مرجعيات. في هذا الوقت تتجه الأنظار إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وهو الحريص الأول على استمرار عمل الحكومة، لمعرفة توجيهاته لاستدراك الوضع واستمرار العمل الحكومي وذلك على الرغم من الموقف الأوّلي الذي أصدره عن حادثة الجبل والذي شدّد فيه على حرية تنقّل ممثلي الأمّة في كل المناطق.
بالتوازي تشهد الساحة السياسية اليوم اجتماعاً يضمّ وزير المال علي حسن خليل إلى رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان لبحث الصيغة للبنود العالقة والتي تُحدّد مصير الموازنة وعلى رأسها رسم الـ 2% على الاستيراد الذي سيؤدّي إلغاؤه إلى وضع لبنان أمام أزمة ميزان مدفوعات قد تتطوّر لتُصبح أزمة عملة!
في هذا الوقت، ما زالت الأنظار مُتجهة إلى لجنة المال والموازنة لمعرفة ما البديل عن الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% التي وضع عليها صندوق النقد الدولي «فيتو». على هذا الصعيد، حمّل النائب نقولا نحّاس الحكومة مسؤولية إيجاد البديل مع اعترافه باستحالة تحميل هذا الأمر إلى مصرف لبنان بعد تقرير صندوق النقد الدولي. الجدير ذكره أن هذا الإقتراح صدر عن وزارة المال في مشروعها الأساسي وتبلغ كلفته 912 مليون دولار أميركي طلبت الحكومة تحمليها إلى مصرف لبنان وهو ما رفضه صندوق النقد الدولي.
أمّا في ما يخص بند العسكريين، فليس هناك أي معلومات حتى الساعة عن الصيغة التي ستعتمدها لجنة المال والموازنة وإذا ما سيكون هناك اقتطاع من مكتسبات العسكريين المتعاقدين أو لا إضافة إلى ضريبة الدخل على معاشات التقاعد.
الأزمة الحكومية
لم تنجح محاولات الوساطة حتى الساعة لعقد جلسة لمجلس الوزراء الخميس المُقبل في ظل الخلاف على إحالة أحداث الجبل على المجلس العدلي. فشل هذه المحاولات أكدتّه عدّة مؤشرات على رأسها سفر الرئيس سعد الحريري الذي نقلت عنه مصادر امتعاضه من الوضع الذي وصلنا إليه ولكن أيضًا من التداعيات الكارثية على مشاريع مؤتمر سيدر في حال تمّ تعطيل عمل الحكومة. أيضًا لحظت المصادر الخطاب العالي اللهجة لوزير الخارجية جبران باسيل خلال زيارته السبت إلى طرابلس وخطاب النائب طلال أرسلان في تشييع مرافقي الوزير صالح الغريب ولكن أيضًا تصريح رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع وبعض أقطاب 14 أذار. وبحسب المصادر تتمحور محاولات التهدئة حول فصل أحداث الجبل وإحالة الملف على المجلس العدلي عن العمل الحكومي. إلا أن إعتبارات سياسية عديدة منعت من التوصّل إلى اتفاق وأصبحت المخاوف الأن تصبّ باتجاه شلّ كامل للحكومة.
فعدم إحالة الملف على المجلس العدّلي يرفضه أرسلان والتيار الوطني الحرّ وقدّ عبّروا عن ذلك الثلاثاء الماضي من خلال إسقاط نصاب جلسة مجلس الوزراء. من جهة أخرى إحالة الملفّ على المجلس العدّلي يعني احتمال احتدام الصراع داخل الحكومة خصوصا أن الرئيس برّي حدّد موقفه مع عدم الإحالة وحتى بفرضية أن يقوم حزب الله بالضغط على الوزير فرنجية للوقوف مع إحالة الملف على المجلس العدّلي، فإن احتمال استقالة وزراء الاشتراكي وحتى القوات يصبح عالياً وعندئذ يُمكن القول إن الميثاقية التي تغنّى بها لبنان منذ تسعينات القرن الماضي والتي أرساها الرئيس برّي في المجلس النيابي ستؤدّي إلى تعطيل العمل الحكومي.
على كلٍ، الوضع الحكومي صعب مع إقرار أو عدم إقرار تحويل الملف إلى المجلس العدلي وستكون هناك صعوبة كبيرة في جمع وزراء الاشتراكي والوزير الغريب ووزراء التيار الوطني الحرّ على طاولة مجلس الوزراء نظرا إلى أن أحد الجانبين سيكون رابحا والأخر خاسرا في هذه المعركة.
من هنا تأتي أهمّية تدخّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون نظرًا إلى موقعه المُترفّع فوق الانقسامات السياسية ونظرا إلى الأهمّية التي يوليها لنجاح حكومة عهده الأولى. وفي ظل هذه الأجواء تبرز إلى العلن عدد من السيناريوهات المُمكنة نذكر منها:
السيناريو الأول هو أن يعمد رئيس الجمّهورية إلى لجم طلب إحالة ملف أحداث الجبل على المجلس العدلي بحكم «مونته» على النائب طلال أرسلان وعلى الوزير باسيل. إلا أن هذا الأمر وحتى لا يظهر على أنه انكسار من قبل أرسلان وباسيل، سيكون له مُقابل وأغلب الظن في التعيينات الإدارية التي من المتوقّع أن تكون على رأس جدول الأعمال في حال عادت الحكومة إلى الاجتماع. ومما يُشجّع على هذا السيناريو أن الاشتراكي يتعاون مع اللواء عباس إبراهيم وقام بتسليم المطلوبين حتى الساعة.
السيناريو الثاني هو أن تنجح الوساطة في التئام الحكومة مع ترك موضوع تحويل الملف إلى المجلس العدلي مُعلقًا. إلا أن الأهمّية التي يُعطيها المعنيون بهذا الملف لما له من مكاسب على الصعيد السياسي قدّ تُفجّر جلسة الحكومة في أي لحظة وقد توصل إلى مواجهات نارية على طاولة مجلس الوزراء. هذا السيناريو يُعدّ من أكثر السيناريوهات خطورة نظرا إلى الانقسام والإصطفاف الحاصلين بين مكونات الحكومة.
السيناريو الثالث وهو سيناريو تشاؤمي حيث أن الاصطفاف الحاصل سيكون حادا ويشلّ عمل الحكومة بانتظار «اهتراء» الأمور لتعود بعدها التسويات إلى الظهور مع ما لهذا السيناريو من تداعيات سلبية على الاقتصاد والمالية العامّة مع خسارات فادحة تقاس بعشرات ملايين الدولارات يوميًا.
الموازنة والبنود العالقة
بالتوازي مع الأزمة الحكومية، من المُتوقّع ألا يتأثر عمل المجلس النيابي وخصوصا عمل لجنة المال والموازنة إلا في حال كانت هناك زيادة في النفقات أو إيرادات بديلة، عندئذ تُصبح موافقة الحكومة وبالتالي انعقاد مجلس الوزراء أساسياً. ويلتئم اليوم الوزير علي حسن خليل والنائب إبراهيم كنعان لوضع اللمسات الأخيرة على صيغة البنود المُعلقة والتي لها الكلمة الحاسمة في تحديد عجز الموازنة. الجدير ذكره أن اللجنة وبحسب رئيسها النائب إبراهيم كنعان انتهت من إقرار كل بنود مشروع الموازنة باستثناء البنود المُعلّقة والتي يُمكن إختصارها بثلاثة:
رسم الـ 2% على الاستيراد الذي له تداعيات كارثية على الصعيدين الاقتصادي والمالي في حال إلغائه (أنظر إلى العنوان التالي) مع أكثر من 300 مليون دولار أميركي مداخيل للخزينة العامّة. هذا البند الذي أطاحته القوى السياسية تحت ضغط أصحاب النفوذ يصعب استبداله بإجراءات لها مداخيل موازية خصوصًا أن التصريحات تؤشّر إلى اعتماد رسوم نوعية (أي على أنواع محدّدة من السلع والبضائع المُستوردة) مع استحالة أن تُعوّض هذه الرسوم المداخيل الملغاة.
ملف العسكريين وما يرافقه من تحرّك للعسكريين المتعاقدين الذين توعدوا بتحركات كبيرة بالتزامن مع انعقاد الهيئة العامّة في حال المسّ بحقوقهم. وهذا البند له وزن أساسي في عجز الموازنة الذي اعتمدته الحكومة في مشروعها والذي أحالته إلى مجلس النواب. وتأتي الضريبة على معاشات التقاعد لتزيد من الطين بلّه مع شمولها العسكريين وغير العسكريين.
قرض الـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% والذي وضع صندوق النقد الدوّلي «فيتو» على تحميله لمصرف لبنان قائلاً بالحرف الواحد «إن تحميل القرض إلى مصرف لبنان سيكون له تأثير في قدرة مصرف لبنان على المحافظة على الثبات المالي والنقدي»! الجدير ذكره أن الوزير السابق والنائب الحالي نقولا نحّاس قال إن على الحكومة إيجاد البديل عن القرض لخفض العجز مع اعترافه الواضح باستحالة تحميل كلفة هذا القرض إلى مصرف لبنان.
إذا وكخلاصة، ما هي الصيغ التي يحملها الوزير علي حسن خليل والنائب إبراهيم كنعان؟ وهل هذه الصيغ كافية لتعويض هذه البنود التي تصل قيمتها إلى أكثر من 1.4 مليار دولار أميركي؟ وهل سيتمّ إقرارها في لجنة المال والموازنة أو سيتمّ حمّلها إلى الهيئة العامّة حيث المسؤولية موزّعة أكثر؟ كل هذه الأسئلة في ظلّ شكوك كبيرة أطلقتها وكالات التصنيف الإئتماني عن قدرة الحكومة على الالتزام بعجز 7.59% وتشكيك الرئيس برّي في هذه الشكوك لما لها من خلفيات مُتعلّقة بصفقة القرن بحسب الرئيس برّي.
ميزان المدّفوعات وكارثة في الأفق
من المعروف أن الدولة اللبنانية لم تُسجّل أي فائض تجاري في تاريخها، فنسبة التصدير إلى الاستيراد لم تتجاوز الـ 67% (الأرقام من الـ 1974 إلى 1976 غير دقيقة). وبالتالي فإن عجز الميزان التجاري هو عجز مزمن. وإذا كان هذا العجز غير مؤذ في الفترة ما قبل العام 2005، إلا أنه أصبح ومنذ العام 2013 يُشكّل خطرًا فعليًا على الكيان اللبناني (اقتصاديا، ماليا ونقديا).
وبما أن الميزان التجاري يدخل في حساب ميزان المدفوعات، أصبح ميزان المدفوعات يُشكّل خطرا فعليا. فميزان المدفوعات الذي يُشكّل نقطة تلاقي النشاط الاقتصادي، مالية الدولة والسياسة النقدية، يُستخدم في تقييم التصنيف الائتماني للدول، وبالتالي فإن تصنيف لبنان الائتماني هو نتاج العجز في ميزان المدفوعات الذي يُسبّبه عجز الميزان التجاري.
هذا الأخير يقضي على الشركات اللبنانية وعلى عمل الشباب اللبناني وما رفض رسم الـ 2% على الاستيراد إلا تجسيد لفوقية المصالح الخاصة على المصلحة العامّة. والأهم أن عجز ميزان المدفوعات ستكون له تداعيات على الليرة اللبنانية إذا ما دخلنا في أزمة ميزان مدفوعات. وتنص المعاهدات التجارية الدولية على أن الدول التي تُعاني من عجز مُزمن في ميزان المدفوعات، يحق لها تعليق العمل بالاتفاقات التجارية وإعادة فرض رسوم لتصحيح الخلل في ميزان المدفوعات. إذا لماذا لا تريد القوى السياسية إلغاء رسم الـ 2% على الاستيراد في مشروع موازنة العام 2019؟ حجة أن هذا الرسم هو ضريبة على المواطن هي حجّة ساقطة من ناحية أنه يكفي فرض رسم على كل البضائع التي لها مثيل في لبنان. وهل لبنان أهمّ من الولايات المتحدة الأميركية ليعتمد الرئيس الأميركي سياسة حمائية ولا يعتمدها لبنان؟
***************************************
افتتاحية صحيفة الشرق
الحريري على خط التطبيع بين «المختارة» وميرنا الشالوحي
على عادته عند انسداد أفق الحلول السياسية، يواصل رجل المهمات الصعبة، المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم على خط حل الاشكالات السياسية ومعالجة الأزمة التي فجرتها حادثة قبرشمون بين الحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب الديموقراطي برئاسة النائب طلال إرسلان.
على أن مساعي ابراهيم الهادفة إلى تهدئة النفوس المشحونة منذ عصر الأحد الاول من تموز الجاري، تكتسب بعدا مهما انطلاقا من تزامنها مع جهود يبذلها «مبتكر مخارج اللحظات الأخيرة»، رئيس المجلس النيابي نبيه بري لإعادة المياه إلى مجاريها بين الحليفين التقليديين، الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحكومة سعد الحريري، علما أن الأخير يسعى، بدوره، على ما أشارت معلومات صحافية، إلى ترطيب الجو بين المختارة والتيار الوطني الحر.
ولا يخفى على أحد أن مساعي الحريري هذه قد لا تبلغ النهايات السعيدة المرجوة في أقرب الآجال. ذلك أن هذه المبادرة أتت بعدما بدت حادثة قبرشمون الشعرة التي قصمت ظهر البعير بين المختارة وميرنا الشالوحي، وهما على علاقة متوترة أصلا منذ ما قبل الانتخابات النيابية، حيث خاضا مواجهة نجح التيار في نهايتها في الاستحواذ على 4 مقاعد في الشوف وعاليه إضافة إلى ذاك الذي يشغله إرسلان نفسه.
على أن ما يمكن تسميته «المطب» الأهم الذي يواجهه هذا المسعى يكمن بالتأكيد في أن طريق الحوار تبدو مقطوعة بين جنبلاط وباسيل، خصوصا بعد حادثة قبرشمون، على ما يؤكده مقربون من المختارة.
في المقابل، يبدو التيار حريصا على عدم صب المزيد من زيت التصعيد على نار التصاريح السياسية المتبادلة، لكنّ ذلك لا يعني أي تراجع عن الموقف الذي أعلنه العونيون منذ اليوم الأول على الحادثة: «لن نستسلم لمنطق الكانتونات الطائفية، وهو ما تشدد عليه مصادر مقربة من التيار الوطني، مذكرة بأن شهرين مرا على قداس المصالحة (23 آذار الفائت)، وقد استجبنا لكل طلباته في التعيينات».
أما في ما يتعلق بالمطالبة بإحالة القضية الى المجلس العدلي، فأكدت المصادر «أننا نسير بهذا الموقف إنطلاقا من إصرار إرسلان عليه»، من دون أن تحسم احتمالات التراجع عن هذا الخيار، في ما لو اختار زعيم خلدة تموضعا مختلفا.
أما على ضفة المختارة، فثابتتان تحكمان مسار الأمور: لا مجال لإحالة القضية إلى المجلس العدلي، على ما تشدد عليه أوساط المختارة، مشيرة إلى أن «الثابتة الثانية تكمن في رفض تسليم من يمكن اعتبارهم أبرياء.
وفي سياق المواجهة المفتوحة مع الخصم الارسلاني، لا يتردد الاشتراكيون في رمي الكرة في ملعب خلدة، مذكرين بأن كما أعلن رئيس الحزب الاشتراكي أنه تحت سقف القانون، فإن المختارة تنتظر من الحزب الديموقراطي أن يبادر إلى تسليم الشاب أمين السوقي، المتهم بتنفيذ جريمة الشويفات، التي ذهب ضحيتها، علاء أبو فرج، وهو أحد مناصري الحزب الاشتراكي، غداة الانتخابات النيابية الأخيرة.