وطن في بطريرك

من النادر في تاريخ الاوطان والأمم ان يتبادر الى ذاكرة القارئ ذكرى رجل يلخّص بسيرته تاريخ مخاض من ثم ولادة وطن كما تفعل في الذاكرة سيرة البطريرك الحويّك.

ولد البطريرك الحويك في 23 كانون الأول 1843 في بلدة حلتا البترونية. وانتقل لاحقا ليدرس اللاهوت في روما حيث ارتسم كاهنا العام 1870 من ثم عاد الى لبنان. والعام 1872 تمّ تعيينه امين سر البطريركية المارونية. ارسله البطريرك الحاج لاحقا الى روما طلبًا لدرع التثبيت وليشرف على ترميم وإعادة افتتاح المدرسة المارونية فيها التي دمرها نابليون الأول. وبعدها قام بعدة زيارات الى اوروبا حيث وطد علاقات صداقة ومودة مع عدة دول وشخصيات سياسية كان لها اثر فعّال لاحقا في استقلال لبنان.

بعد وفاة البطريرك الحاج قفل الحويّك عائدا الى بكركي. وفي اليوم التالي انعقدت الخلوة الانتخابية، التي كانت تتم حينذاك بالقرعة (وليس بالانتخاب وفق النظام الجديد للكنائس الكاثوليكية الشرقية وذلك استيحاءً من سفر أعمال الرسل). واستقرت القرعة على إلياس الحويك، فغدا بذلك البطريرك الماروني، واحتفل برتبة تنصيبه في الأحد الأول التالي اي في يوم 9 كانون الثاني 1899.

وكلّنا نعرف الانجازات البطولية التي أدّاها في قيادة شعبه خلال فترة الغاء امتيازات متصرفية جبل لبنان والحكم العثماني المباشر من قِبَل السفّاح جمال باشا الذي تعمّد حصارا سياسيا واقتصادياً ادى الى موت ثلث اللبنانيين جوعاً وكانت لتكون النتائج أكثر مأساوية لولا حكمة وسهر البطريرك الحويّك الذي حوّل بكركي الى مركز لتوزيع الطعام على الحشود من دون تمييز بين مختلف الطوائف، إذ كان يردد: “أنا بطريرك الموارنة ولي طائفة واحدة هي طائفة لبنان”.

حاول جمال باشا لاحقاً الضغط على البطريرك فقابله ثلاث مرّات محاولاً نفيه الى الخارج، وحين فشل بذلك فرض عليه مرتين اقامة جبرية، مرّة في بحمدون وأُخرى في قرنة شهوان.

وبعد خروج العثمانيين من مناطق سوريا لبنان وفلسطين، رُفِعَ العلم العربي فوق سراي بيروت وبعبدا قبل ان يتم استبداله بعلم فرنسا بعد احتلال جيوشها للساحل الشرقي للبحر المتوسط.

لم تكن فرنسا بداية متحمّسة لاستقلال لبنان وكيانيته الخاصة فحاولت عن طريق مراسلات بين بكركي وجورج بيكو إقناع البطريرك بإيجابيات الوحدة مع سوريا، لكن الأخير كان حازما بإصراره على استقلال لبنان وكان يردد: ان نموت في ظل صخورنا خير لنا من الانضمام لهذه الوحدة.

وذلك بعدما رفض المؤتمر السوري فصل لبنان وبالتالي تقسيم ما سمّاه سوريا الكبرى. لكن نتيجة التفاف اللبنانيين (مسلمون ومسيحيون) حول البطريرك، سافر الحويك الى باريس على رأس وفد لحضور مؤتمر الصلح الثاني وحدّد خلاله طلبه باستقلال لبنان. الأمر الذي حدا بملك المملكة العربية السورية فيصل إلى الاذعان والقبول باستقلال لبنان بموجب اتفاق فيصل- كليمنصو المؤرخ في 6 كانون الثاني 1920. وخلال الفترة ذاتها احتلت الجيوش الفرنسية بناء لرغبة البطريرك كلّاً من بعلبك وراشيا وحاصبيا والبقاع الغربي التي كانت تابعة آنذاك لولاية دمشق وضمّتها الى لبنان. وفي 28 حزيران 1920 سقط الحكم الفيصلي في دمشق.

وبعدها بشهرين اي في 31 آب 1920، أعلن هنري غورو من قصر الصنوبر في بيروت ولادة لبنان الكبير بحدوده الحالية، وذلك بحضور البطريرك الحويّك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، لتتحقق رغبته على كيانية واستقلال لبنان بلدا للتعايش وليكون رسالة أكبر من حدود مجرّد وطن كما وصفها البابا يوحنا بولس الثاني.

تكلل عطر إيجابيات البطريرك حويك، بما أعلنه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي السبت الماضي من بكركي المجيدة ذاتها، ان “قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس قرر تثبيت عيش بطولة الفضائل من البطريرك مار الياس بطرس الحويك وأعلنه مكرماً على مذابح الكنيسة الكاثوليكية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل