طوني غريب… قصة مقاومة بين الأحراج والإعتقال – 1

كتبت سنتيا طوني غريب في “المسيرة” – العدد 1696

أنا وأبي والمخابرات السورية:

طوني غريب… قصة مقاومة

بين الأحراج والإعتقال (1)

 

لكل طفل بطل من عالم الحياة. ولكن الطفلة سينتيا كان بطلها من عالم الواقع… في الحرب اللبنانية آمن أجدادنا وآباؤنا بقضية، فتمسكوا بها ودافعوا عنها، لكن الثمن كان باهظاً على أمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم… منهم من تهجّر ومنهم من صار في دنيا الحق، ومنهم من تعرّض للخطف والسجن القاسي، جريمتهم الوحيدة أنهم قرروا الدفاع عن وطنهم لبنان. وعائلتي الصغيرة هذه نالت نصيبها وذاقت مرارة الكأس مع غياب الأب لفترة، مما اضطّر الأم «رفيقة البطل» الى تحمّل الضغوط المعنوية والعاطفية والمادية…

عام 1994 مع إعتقال قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، كانت المخابرات السورية تطارد عائلتي بهدف إعتقال أبي زورًا، كما غالبية  الرفاق وقائد «القوات» آنذاك. ففضلت والدتي الهرب مع إبنيتها الصغيرتين الى دير مار سمعان العمودي الذي كان يرأسه عمي الأب بطرس غريب.. وهنا بدأت درب الجلجلة.

أمي التي كانت زوجة النقيب في «القوات اللبنانية» تعمل في الدير كخادمة للمطران وضيوفه مقابل سقف تأوي إبنتيها فيه. الى اليوم لن ننسى دموع والدتي في تلك الليالي القاسية، دموع الزوجة والحبيبة التي تفتقد الزوج والمعيل والحبيب، ودمعة عزة النفس ودموع الخوف من مستقبل مجهول. القريب أصبح بعيدًا. كان الجميع يخشى أن يتواصل معنا أو يزورنا في الدير خوفاً من أن يكون تحت أنظار «العيون» التي كانت تراقب وتلاحق.

 

عشت طفولتي في هذا الدير بعيدًا من عالمي، عالم الأطفال، وبعيدًا من الأقارب، مكسورة الخاطر. ولطالما كنت أحلم بأن أعيش في منزل صغير أتنقل بين يديّ أبي وأسمع صدى ضحكات أمي، ولكن هذا الحلم كان بعيدًا من الواقع. فقد تربينا، أختي وأنا، على قصة بطل كبير يُدعى طوني غريب، أي والدي، وكانت والدتي تكلمنا كثيرًا عنه وعن القضية وعن القائد الحكيم. زرعت في داخلي مبادئ «القوات اللبنانية» ورسختها في قلوبنا وعقولنا، فآمنا بالقضية وصرت أفتخر أكثر بوالدي وأشعر بأن الدموع التي أذرفها على فراقه لن تذهب سدًى.

غالبًا ما تساءلت أين يمكن أن يكون أبي، ولطالما اشتقت لأن يحملني على كتفيه وأعايده في عيد الأب، وكنت أفتقد الى هذا السند الذي تتكئ عليه كل طفلة في عمري، والى المشاوير معه في السيارة. لماذا لا أستطيع أن أراه أو أتكلم معه؟ ولماذا لا أستطيع الإختلاط مع الأصدقاء في المجتمع؟ من الدير الى المدرسة ومن المدرسة الى الدير. الى أن وصلني الجواب القاسي: والدك فارّ من وجه السلطات السورية!! هو يختبئ في الأحراج ويعيش مع الحيوانات ويأكل من ثمار الأشجار. ولاحقاً إنتقل من مقره «الحرجي» الى الإعتقال.

لا أستطيع أن أنسى صلوات والدتي اليومية، علمًا بأنها كانت واثقة بأن والدي سيعود وكانت تكرر «راح يرجع». وكان همها الوحيد أن تكون على مستوى الأمانة، والأمانة هي أختي وأنا، وأن يعود طوني ويرى إبنتيه وقد نهلتا العلم وتربتا على المبادئ الأخلاقية الصحيحة.

إنه مختصر لحياة والدي كما عائلتي. لا يمكن توصيف الإضطهاد والعذاب النفسي، لكن أثره زال عندما رأيت والدي حرًا طليقاً. شعرت بعد سبعة أعوام بأنني ولدت من جديد. تربعت وأختي في حضنه الدافئ الذي طالما حلمنا به.

 

أبي هو البطل، والأمل رفيق البطل، وأمل طوني كان «جمال»، والدتي، جمال المرأة التي ضحت بحياتها وصحتها لتكون سندًا لعائلتها ومثالاً في الوفاء والإخلاص لابنتيها. أمي صخرة البيت بإيمانها وحنان قلبها. آمنت بأبي وبقضيته ودافعت عنها بطريقتها. كان حلم جمال أن ترى زوجها طوني حرًا ويمارس حياته اليومية، فكان لها ما أرادت بمشيئة الله قبل أن تنتقل الى الديار السماوية.

نعم عائلتي تألمت. بكت. نزفت. واشتاقت. ولكن هذا الألم وهذه الشدة خرّجتا أجيالاً هدفها القداسة المترسخة بإيمانها، لأن يسوع وحده رافقهم بمسيرة الصليب في أصعب الحالات والأوقات.

أعدك يا أمي أن أبقى إبنة القضية وأترسّخ بها كما أنتِ فعلت. وأعدك بأن أراك في وجه كل رفيق مريض، كل مفقود أو معتقل، في كل يتيم، حتى لا نذرف دمعة واحدة كما كانت تنزف عيونك من الدموع. نعم، أنا إبنة القضية وأفختر، كوني إبنة طوني غريب وأفتخر جدًا. فشكرًا لـ»القوات اللبنانية». شكرًا لك يا والدي ولكل رفاقك.

 

«فضلكن كبير علينا»…

يروي والدي طوني غريب قصته بنفسه ويقول:

بدأت رحلتي مع المقاومة المسيحية عند التحاقي بأشبال قسم فرن الشباك وكان عمري 15 عامًا ونصف بتشجيع من خالي أبو عماد والشهيد كميل هرموش لأنهم كانوا مسؤولين في منطقة فرن الشباك ـ عين الرمانة، وذلك بعد حرب 1973 بين الجيش والفلسطينيين.

كنا نذهب كل نهار جمعة الساعة السادسة الى قسم فرن الشباك، وبعد الإجتماع الأسبوعي برئاسة رئيس القسم (الشهيد) أنطوان غانم ومفوض القوى النظامية (الشهيد) جوزف أبو عاصي، نلبس ثيابًا عسكرية كنا قد اشتريناها مع رنجر قماش من سوق البالية، ونبدأ التدريب في حديقة مخصصة خلف مبنى القسم.

التديب يشمل النظام المرصوص، زحف على الحبال المعلقة بين أشجار، والزحف تحت الأسلاك الشائكة. ونتدرب ببنادق خشبية تحت إشراف الشهيد أبو عاصي والمدرب بشير الملقب بالباش. وبقينا على هذا التدريب وكنا نذهب بعض الأوقات الى منطقة النعص في بكفيا للتدريب حتى اندلاع الحرب مع إستشهاد جوزف أبو عاصي.

أول شهرين كان دوري يقتصر على تعبئة الذخيرة على الجبهة، يعني ملقم لرشاس البرن وكان يستعمله أبو النار في جبهة الريد شو، أو بالحماية على قسم فرن الشباك.

أول إشتباك فعلي ودخولي في المعارك الفعلية كان عندما تصدينا لهجوم على جبهة بدارو عندما وصل المهاجمون الى مبنى الفيليبس مقابل مدرسة الفرير وقيامنا بهجوم معاكس. كانت لحظة إشتراكي بالهجوم المضاد بداية رحلتي الحقيقية مع المقاومة والسلاح. تملكني الخوف لثوانٍ معدودة تحت وبل من الرصاص والهواوين والخوف من الموت. كنت بعمر 14 عامًا. كان كل ذلك بثوانٍ معدودة مع تذكري كلام الشهيد أبو عاصي والشهيد كميل هرموش «اللي ما بيخاف مش رجال، الرجال اللي بيسيطر على خوفو وبيحولو لقوة واندفاع». وهذا الذي حصل معي. أجرمت على المقاتلين الفلسطينيين ورُقيت الى عنصر في القوى النظامية على رغم صغر سني. كانت أول مواجهة فعلية ووجهًا لوجه مع العدو صيف 1975. ومن بعدها تنقلت من جبهة البريد الى جبهة المطاحن، الى الريد شو، الفرير، مستشفى الحياة.

وفي ذلك الصيف ذهبنا الى طبرية. كنا من كل المناطق: الشياح، الأشرفية، الحدث، الكحالة. وكان ذلك المخيم أقسى أنواع التدريب العسكري والنفسي، وكان مدربنا المغوار في الجيش اللبناني الياس جبران وهو إبن المنطقة.

إشتركت في معركة تحرير جسر الباشا وتل الزعتر، واستشهد العديد من الرفاق قبل عملية تحرير تل الزعتر فقط بالقنص، وأكثر سكان بناية اللقيس مقابل معمل جورج متى، فقط لقطع مسافة عشرين مترًا سقط لنا في هذا المكان عشرون شهيدًا. وأذكر أن مقاتلاً من الحدث من عائلة كرم سقط بين المبنيين واستشهد بعد عدة ساعات بعدما باءت كل محاولات إنقاذه بالفشل.

واشتركت في معركة قصور الكحالة، وأذكر أنني كنت فرحًا بأن لدي بندقية M16 ومش مصدّق حالي إنو معي هيك بندقية. وخلال رد الهجوم في حديقة أحد القصور، أطلقت النار على مهاجم وأصبته إصابة قاتلة، ولكنه بقي يتقدم نحوي. تجمّدت مكاني مصدومًا، فأكمل رفيقي جان الذي كان ورائي إطلاق النار نحوه حتى سقط أمامنا وكان سودانيًا، وعلمنا لاحقاً أنه مخدَّر لا يحس بشيء لأنه كان يحمل معه مخدرات وكوكايين.

وفي حرب المئة يوم كنت على جبهة التحويطة ـ جسر الباشا وكنت آخر مجموعة. في ليلة كنت أطلق النار من المضاد الرباعي على معمل الصابون وكنا نتعرض لعملية تسلل وقصف غير مسبوق من السوريين، رأينا رفيقا يركض من الجبهة نحونا وهو ممسك ببطنه وكل ما بداخل بطنه بين يديه وهو يصرخ أنه مُصاب ويريد سيارة تنقله الى المستشفى. أصعده أحد الرفاق بسيارة وأخذه الى أوتيل ديو تحت القصف والرصاص. وفي الصباح بعد انتهاء صد الهجوم، هدأت الجبهة، أتى أحد الرفاق وقال إن العنصر المصاب وحالته خطرة هو أخي الأصغر وهو بين الحياة والموت.

وبين جولات الحرب، وعند توقف النار، كنا نعود الى المدرسة. كنت أيضاً مسؤول الأمن في مدارس منطقة المتن الجنوبي. وذلك عرّضني لعملية خطف من قبل الحنش (الأحرار) وتعرضت لأقصى أنواع الضرب والتعذيب، حتى أنني كنت معرضًا للتصفية، ولكن تهديد رئيس قسمي الشهيد أنطوان غانم ومفوض القسم جوزف أسمر وتدخل الشيخ بشير، أوقف ذلك وأطلق سراحي ودخلت المستشفى لمدة 4 أيام، وأصيبت عيني اليمنى بنزيف وبقيت 6 أشهر لا يمكنني أن أرى فيها. وبعدها تعرض أيضًا مسؤول المنطقة عن خلايا «الكتائب» سهيل رزق لعملية إغتيال ولكنه نجا.

إشتركت في معركة توحيد البندقية كلها («قوات لبنانية»)، وكنت مسؤول مركز رأس الخط في فرن الشباك التابع للقسم. في يوم كنت عند خالي في مركز 104 رأيت فانل محفوظ شقيق أبو روي مسؤول «التنظيم»، فقال لي «تروك المنطقة وتعا ساعدني بالشعبة الرابعة بالمجلس، بيكون إلك مركز وبتكمل دراستك»، فلم أهتم. وبقيت على الجبهات حتى ذهبت الى دورة في الخارج. وبعد عودتي بدأت معركة زحلة، بقينا في منطقة عيون السيمان مجموعة فرن الشباك، وكان دورنا نصب كمائن في مناطق شير الوردة والغرفة الفرنسية والتدخل لردع أي هجوم. كل ليلة نصعد الى هذه المناطق لنصب كمائن في الثلوج والصقيع. وعند انتهاء حرب زحلة إلتحقت بوحدات الدفاع حتى العام 1981.

في العام 1981، تركت والتحقت بالشعبة الرابعة مع فانل محفوظ كنائبه، مسؤول عن التغذية والتموين في «القوات»، وكان حبيب خوري رئيس الشعبة الرابعة.

بعدها انتقل حبيب خوري الى معهد بشير الجميل كقائد للمعهد، وانتقلت معه لتدريب مفوضي الأقسام الكتائبية. ونحن في المعهد اشتركنا في معركة الشحار الغربي مع فؤاد أبو ناضر. بقيت في المعهد حتى الإنتفاضة الأولى، حتى جاء الحكيم وقال إنه سيكون هناك دورات ضباط مثل الجيش اللبناني والمدربين ضباط من الجيش. فأصبح قائد المعهد العقيد أسعد أبو جودة وبدأت الدورة الأولى وآمرها ومدربها النقيب سعادة.

بعد أسبوع من بداية الدورة، قال لي ريمون ناضر وسليم معيكي: «أنت مدرب ودارس حقوق لماذا لا تكون معنا في الدورة»؟ وهكذا صار، إلتحقت بالدورة وفي الوقت نفسه بقيت مساعد مدرب. وكنت تزوجت من جمال أيوب في العام 1985 بعد حب لمدة 6 أعوام. كنت أهرب في الليل بعد انتهاء التدريب لأراها وأعود قبل شروق الشمس الى المعهد. يوم تخرجّنا كان ماطرًا وعاصفاً في المعهد، وفي اليوم نفسه كان إيلي حبيقة يوقع على الإتفاق الثلاثي، وقد جمعنا الحكيم بعد تخرّجنا وقال لنا إن هذا الإتفاق لا يجب أن يمر وكونوا جاهزين. فكانت الإنتفاضة الثانية.

بعد انتهاء الإنتفاضة عُيِّنت آمرًا للدورة الثانية كادرات في المعهد. وبعدها تابعنا دورة في الخارج كدورة أولى كادرات لمدة شهر. وبعد عودتي عُيِّنت نائب قائد الشرطة العسكرية وكان قائدها عصام خوري. حاربنا المخدرات وفعّلنا دور القضاء برئاسة القاضي رفيق عيد. بعدها شُكِّلت الى معهد الرتباء في الضبيه نائبًا لقائد المعهد حبيب نمور. بعدها شُكِّلت الى الأوبرلي الأمن العسكري كمسؤول الشعبة الرابعة وحرس المبنى. فأسست سرية تدخل سريع للأمن العسكري. بقيت مسؤولاً عن سرية التدخل حتى تشكيلي الى الشعبة الرابعة مسؤولاً عن المخازن الى جانب السرية المسؤولة عن الحماية.

نظمت مخازن الذخيرة والسلاح وأصبحت كلها مهيكلة ومبرمجة على الكومبيوتر. وقد سلمنا الجيش خلال حرب التحرير قذائف 155 ـ 130 وألغام من جميع الأنواع وصواريخ راجمات.

تابعنا دورة نقيب في معهد الضبية. صباح يوم حرب الإلغاء كان الإمتحان النهائي لدورة النقيب. وبعد انتهاء الحرب وتسليمنا السلاح الى الدولة اللبنانية، تم تسريح غالبية عناصر «القوات»، ولكني بقيت مسؤولاً مدنيا عن أمن الصندوق الوطني بناية نعمان ـ أوتوستراد غزير.

في هذا الوقت، كنا نتابع دورات كادرات سياسية في مبنى الأوبرلي حتى تسليمنا المبنى وانتقالنا الى مبنى الصندوق الوطني، وبقي معي عشرون عنصرًا مدنيًا متفرّغاً لحماية الصندوق الوطني.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل