بابا بطرس… ستبقى يدك ممسكة بيدي

كتبت رنا بطرس خوند في “المسيرة” – العدد 1696

 

كم تمنيت ان يقتصر التعريف على اسمي الثلاثي وحسب، لكن الظلم حكم على قدري ان يرتبط اسمي بصفة ابنة المعتقل في السجون السورية بطرس خوند.

27 عاما ولا تزال التسمية نفسها، واللافت أنه على رغم رفضي وحزني كوني أحمل هذه الصفة، إلا أنني أفتخر بها في نفس الوقت.

نعم أكرهها لأنها تذكرني بالظلم الذي لحق بوالدي وبعذاباته في السجون السورية ولأنها تذكرني أيضا بالأيام الحزينة التي عشناها بعيدا من كنف وحنان وأمان الأب، لكن من جهة أخرى تشعرني بالفخر لأنني إبنة البطل بطرس خوند الذي ضحّى وخُطِفَ من أجل القضية والوطن.

حياتنا لم تكن سهلة، فبعد ان خطف والدي في 15 أيلول 1992، وقعت مسؤولية تربيتنا على والدتي المفجوعة بعد غياب زوجها المفاجئ. يومها كنا لا نزال أطفالا، ولم أكن أتجاوز الأربع سنوات وشقيقي ربيع خمس سنوات ورواد سنة وشهرين.

وعلى الرغم من كل هذا القهر والوجع  حاولت والدتي ان تؤدي دور الأم والأب في آن معا وبالقدر المستطاع، إلا ان لا شيء يعوّض غياب الأب عن أطفاله.

لم تخفِ عنا والدتي يوما حقيقة غياب والدي عن البيت، بل كانت تواجهنا بالحقيقة وتقول «البابا مخطوف وناطرينو ليرجع»، وعلى هذا الأمل كبرنا ويا للأسف لا نزال ننتظر عودة والدي منذ 27 عاماً.

رافقناها في غالبية تحركاتها ومساعيها للوصول الى حل، لكننا حرمنا في المقابل من طفولتنا. فبدل ان نلعب في شوارع الحي نزلنا الى الشارع وحملنا اليافطات المطالبة بعودة بطرس خوند. عشنا في ظل الانتظار نصلّي وندعو ان يعود والدي في أقرب وقت.

وكم كانت مؤلمة تلك الوعود الكاذبة والأيام التي اعتقدنا فيها ان والدي خرج الى الحرية. أذكر مرة أنه اتصل بنا أحد الأشخاص وأخبرنا ان اسم والدي ورد من بين مجموعة من الأشخاص المحررين من السجون السورية وأنه سيعود الى المنزل، يومها اشترت لنا والدتي ثيابا جديدة وحضّرت الطعام والأطباق التي يحبها بطرس، وجلسنا ننتظر بفارغ الصبر اللحظة التي لطالما حلمنا بها لحظة دخوله من باب البيت الذي خرج منه ذاك الصباح في 15 أيلول 1992 على أمل العودة مساء. وعندما اجتاز الوفد الحدود اللبنانية – السورية وأُبلِغنا أن والدي لم يكن من ضمنه صعقنا الخبر فضاع الحلم وتكسرت أحلامنا الكبيرة.

حتى المناسبات التي ينتظرها الأطفال كانت تمر علينا حزينة، ثقيلة… ولطالما تمنيت ان يرافقني والدي الى حفلات المدرسة، وان يقطع معي قالب الحلوى وان نتشارك في إطفاء شموع عيد ميلادي، وان يفتخر بتخرجي من المدرسة والجامعة…. أما المشهد الذي حفر في قلبي وجعا وحزنا عميقين فكان في يوم زفافي. ففي هذا اليوم وعلى الرغم من أنني كنت محاطة بأفراد عائلتي والأقارب والأصدقاء إلا أنني شعرت بفراغ كبير وبوحدة غريبة وكأنه لا سند لي في هذه الحياة.

بعد حادثة الخطف كان الخوف من أن نخسر والدتي يرافقنا لا سيما في مراحل مرضها بسبب الإرهاق والقلق والعذاب النفسي، فكنا نعيش بقلق دائم، الأمر الذي كان يدفعني في بعض الأحيان إلى النوم خلسة على الأرض إلى جانب سريرها لأطمئن أنها بخير.

طفولتنا لم تكن عادية. فالواقع المزنر بالخوف والوجع والقلق أجبرنا على ان نفكّر ونقلق كالكبار وان نتصرف بمسؤولية ونضوج على الرغم من الدور الكبير الذي تؤديه والدتي لتؤمن لنا كل ما ينقصنا وترسم البسمة على وجوهنا وتدخل الفرح الى قلوبنا، فكانت المثال الأكبر للقوة والصمود. لقد علّمتنا ان لا ننكسر وان لا نستسلم مهما كانت الظروف صعبة، فأبقت الحلم حياً في قلوبنا ووجداننا وكانت الحجر الأساس لبناء الأمل والدافع الأكبر للاستمرار في المطالبة والدفاع عن قضية والدي التي لم ولن نتخلى عنها يوما.

على الرغم من غيابه القسري، إلا ان والدي بطرس كان حاضرا بيننا من خلال الصور التي كانت بمثابة العزاء الوحيد لنا، إضافة إلى القصص التي كانت ترويها لنا والدتي عن بطرس الأب المفعم بالحنان والحب. تلك القصص كبرنا عليها ولم نشبع يوما من تكرارها.

ولا يمكن ان أنسى دموع الرفاق الصادقة والأشخاص الذين عرفوا والدي عندما نلتقي بهم، كما لا يمكنني ان أصف الفخر الذي كنا ولا نزال نشعر به، عندما يقولون «بيّك كان أشرف الناس، بيّك كان قوي وعصامي وإنساني، ولو ما منو ما كنا اليوم موجودين بلبنان ونحنا عم نصليلو ل الله يردوا بالسلامة».

هذه الكلمات الصادقة الممزوجة بالحرقة والامتنان كانت كافية لتؤكّد لنا ان والدي بطل ورجل لن يتكرر. لكن يبدو ان للأبطال في بلدنا نهاية مختلفة عن تلك الروايات والقصص التي نقرأها. ففي القصص الخيالية لا يتعذب الأبطال الخارقون ولا يتألمون، أما في الواقع وتحديدا في لبنان فيدفع الأبطال والمناضلون الثمن غالياً، وبطرس خوند دفع ثمن حبّه وولائه لوطنه غالياً، وكانت الضريبة ان يتعذّب في أبشع سجون العالم وأعني بها في المعتقلات السورية.

 

مع مرور السنوات وعندما بدأت الغوص في تفاصيل القضية، وأتعرف إلى معتقلين سابقين وأسمع قصصهم المؤلمة، أصبح وجعي أكبر ولم يعد الحزن يقتصر على مشاعري الشخصية إنما انسحب على أفكاري وأحلامي التي لا تزال تراودني حتى اليوم. وفي كل مرة أغمض عيني أتخيل ظروف اعتقال والدي وأساليب التعذيب التي يتعرض لها والدي منذ أعوام وغالبا ما أطرح على نفسي الأسئلة التالية: «معقول يكون مفكر إنو تخلينا عنو؟ شو بيصير فيه لمّا يمرض أو يبرد أو يجوع؟ معقول يكونوا عم بيذلّوه أو عم يضربوه ؟ شو عم ياكل؟ مين عم بيعطيه الدوا؟»

ومع الوقت وكلما كبرت ونضجت، كبرت الأسئلة وكبر الجرح، وبعد ان أصبحت أماً واكتشفت أعظم حب في العالم وفهمت معنى الحب الأبويّ الصادق زادت جروحي جرحاً لا يقاس، وبدأت أسأل نفسي: «قديش صعبي إنو يكون بيي بعيد عنا؟ قدّيش مشتقلنا وخايف علينا؟ قدّيش قلبو محروق ليضمنا ويشوفنا؟ معقول إذا شافنا ما يعرفنا؟ يا ريت بيقدر يعرف إنو صار عندو أحفاد ناطرينو لينادولو جدو بطرس…»

وبين الطفولة والمراهقة فالنضوج، فصول عديدة من الأخبار واللقاءات السرية مع معتقلين سابقين تكلم البعض منهم عن وجودهم مع أبي في عدد من السجون منها سجن «عدرا» و»تدمر» و»فرع فلسطين»، أخبار كانت تؤكّد لنا وجوده داخل المعتقلات السورية.

 

بعد العام 2011  ومع اندلاع الحرب في سوريا، بدأت تصلنا أخبار جديدة، وحاول بعض الأشخاص وبعض الأطراف التواصل معنا زاعمين أنه تم تهريب والدي من السجن وأنه أصبح في قبضة «جبهة النصرة»، وأنه يتم العمل على إعادته الى لبنان بطريقة سرّية، ليتبيّن لنا بعد فترة من المتابعة والترقّب ان كل الأخبار والمحاولات المماثلة والتي كانت عديدة، كان هدفها الإبتزاز المادي الذي عانى منه عدد كبير من أهالي المعتقلين في السجون السورية على مرّ السنوات.

وكيف لنا ان لا نتعرض للإبتزاز والمتاجرة بمشاعرنا ونحن بلا سند ولا غطاء رسمي يحمينا؟

أي دولة تقبل ان تترك قضية وطنية إنسانية محقّة كقضية المعتقلين في السجون السورية تحت رحمة الظالمين أنفسهم الذين تعدوا على أرضها وخرقوا استقلالها وسيادتها؟

كيف لدولة تحترم نفسها ان تترك أبناءها يتخبّطون وحدهم في البحث عن أبنائهم؟

كيف لحكام ان يغضوا النظر عن صرخات الأمهات والأبناء والزوجات والأخوة الذين افترشوا الأرض لسنوات طويلة مطالبين بأبسط حقوقهم؟

هذه القضية كانت ولا تزال ويجب ان تكون مسؤولية الدولة اللبنانية، وعليها ان تطالب باسم شعبها وتحت راية شرعيتها بعودة جميع أبنائها المعتقلين في السجون السورية، وان تضع هذا الملف على رأس جدول أعمالها، عليها ان تبادر الى الطلب من النظام السوري حل هذه القضية قبل التفكير بإقامة أي علاقات معه.

وفي انتظار ان تصحو ضمائرهم ، نتعهّد لمن راهن على أننا سننسى القضية ونتعب مع الوقت، اننا لن نستسلم ولن نسكت حتى يعود كل لبناني معتقل الى عائلته ووطنه.

ولوالدي أقول: «لم ولن ننساك يوما، رجاء أصمد بعد، فنحن بانتظارك ونعدك ان نعوّض لك سنوات الظلم والعذاب، أنت فخرٌ لنا وفخرٌ لهذا الوطن. ومهما طال غيابك ستبقى يدك ممسكة بيدي وستبقى رمزاً لنضالنا. كم أحبك يا أبي»…

 

رسالة رنا بطرس خوند الى والدها في العام 2006

الى أبي

15 أيلول يعيد هذا التاريخ نفسه منذ 15 سنة، فتتغيّر مع الأعوام الأحداث وتمر المناسبات لكن المعاناة والواقع الأليم لا يزالان على ثبات.

فبطرس خوند لا يزال ضحية الظلم واللامبالاة ولا تزال قضية خطفه موضوعا يتجاهله العديد على رغم المطالبة والإلحاح الشديدين من قبل عائلته والمجتمع للإهتمام والنظر بهذه القضية.

وما عساني أقول وسط هذه المعاناة أن الإبنة التي لطالما حلمت بلقاء الأب الغائب، كيف عساي أشرح الألم والقهر اللذين أحس بهما. فها قد بلغت الثامنة عشرة من عمري وتخرّجت من المدرسة وأهُمّ لدخول مرحلة جديدة من حياتي وكل ما تمنيته في تلك اللحظات هو أن يكون والدي حاضرًا لتكتمل الفرحة.

إلا أن الظلم والإستخفاف بعظمة هذه القضية وأهميتها، على الأقل بالنسبة لي، بات يغلب السكوت وأتأمل بأن يكون لكلماتي الحزينة والمجروحة صوت لا بل أصوات تساعدني في النداء ليس فقط لتحرير بطرس خوند من الأسر بل لتحرير كل سجين مظلوم.

نلاحظ اليوم أن قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية تُطرح بقوة وذلك بعد الحرب والأحداث الأليمة التي ألّمت بلبنان، فأطرح على نفسي السؤال التالي: هل الحرب التي اضطررنا على احتمالها كانت لتفيد هذا الموضوع وتعطيه أهميته؟ ألا تُعتبر نزاعاتنا طيلة هذه الأعوام واعتصاماتنا وتضحياتنا المعنوية والنفسية حربًا سلمية وحافزًا وجيهًا وعادلاً للنظر ولو لقليل بقضية المخطوفين الذين أذكر بأنهم من الجنسية اللبنانية أيضًا في السجون السورية؟

لم يعد السؤال اليوم سؤالاً أطرحه على نفسي فحسب، إلا أنني أوجهه مباشرة الى المسؤولين والرأي العام والمجتمع لأن قضية بطرس خوند خصوصًا والمتقلين في السجون السورية لم تعد تحتمل الإنتظار.

 

رسالة رنا بطرس خوند الى والدها في العام 2008

لقد غابت الحقيقة والعدالة في شأن مصير والدي بطرس خوند ومصير كثر من اللبنانيين، ليصبح تعبير «ضحايا الإخفاء القسري» شائعًا يخفي صغائر لا تُحصى. فالمعتقلون لا أحياء هم ولا أموات. «ليش طوّل البابا؟» سؤال كنت أطرحه على والدتي. وبعد 16 عامًا أصبح هذا السؤال أنضج وأوعى: «لماذا نترك القضية في دوامة المتاهات؟»

عشت طفلة تختبئ في الصمت والشرود والحزن. تسكت حين ترى صورة والدها وتعتب عليه ظناً منها بأنه تركها. لم يتركني والدي بل سُلِب مني. لقد هويت الصمت صغيرة، لأحترف المطالبة شابة، فأصبح الحق والكلمة والقوة أسلحتي، وصرت أعني ما أقول وأقول ما أعني.

من أفظع الفظاعات أن تترك قضية إنسانية تتخبط سنوات عدة من دون دفاع وحلول.

غاب أبي عن عيوني ليرتسم صورة في كياني، رجل مناضل، رمز للحرية المسلوبة، ثابر وعمل لوطن على قدر أحلامه الحرة. لم يستند الى الوعود الكاذبة، بل جاهد في سبيل قضية نبيلة. حمل والدي الصدق سلاحًا في وجه من يتصدى للحقيقة والحرية، فخطفوه وخطفوا فرحة أولاد طالما حلموا بوجوده قربهم، أولاد عاشوا على حافة الإنتظار والشوق، وعلى أمل اللقاء، وتعلموا النضال والحرقة في قلوبهم.

لا يسعني إختصار معاناة عائلة دامت 16 عامًا ببعض السطور والكلمات، لكنني عبرها أتوجه الى أصحاب الوعي الحقوقي، وكل قارئ يتمتع بالضمير الحي، وكل لبناني يعتز بوطنيته، والى من يناصرون الحقيقة من دون مواربة وخوف، لنسعى معًا الى تحرير بطرس خوند وضحايا الإخفاء القسري الآخرين. فبصرف النظر عن الأصل أو الطائفة أو المنطقة أو الحزب الذي ينتمون إليه، لبنانيون هم في الغياب والعذاب، وهم لبنانيون في الحق بالحياة وبالحرية على حد سواء.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل