بين ” الأنا” ولبنان

البلد ” مش ماشي”. لكن ما لم نفهمه بعد حتّى هذه السّاعة، كيف يسمح البعض بتعطيله لمصالحه الشخصيّة، بينما الكلّ يئنّ ويعنّ وينوء تحت وطأة الضّغوط الاقتصاديّة والأمنيّة والسياسيّة؟ فهل هذا ما يسمّونه عملا سياسيًّا؟ وهل تقتضي السياسة أن تضرب بعرض الحائط النّصائح الدّوليّة الاقتصاديّة كلّها، كرمى عيون الحبيب الأصفر؟ وهل صارت معاداة المجتمع الدّولي والاستحصال على العقوبات الأميركيّة شرفًا يرتجى؟

على ما يبدو أنّ الأمر قد صدر من الباب العالي في إيران والشّام برفع سقف تعطيل لبنان، وإزاحته عن الخارطة الدّوليّة. وهذا ما لا يحتمله أكثر من نصف اللبنانيّين. النّظامان الايراني والسّوري يمارسان عمليّة ابتزاز على المجتمع الدّولي لتحقيق مكاسب لهما. وبعض اللّبنانيّين فرحين بارتهانهم لهذين النّظامين، والأكثر من ذلك كلّه، يراهن هؤلاء على قدرتهم في التغلّب على المجتمع الدولي. فهل أخذوا بعين الاعتبار مصلحة لبنان في ذلك؟

لقد صدر الأمر بالانقضاض على القوى السياديّة اللبنانيّة بشتّى الطرق. وها هم العملاء الأوفياء يتنافسون في تنفيذ أجندة أوليائهم على حساب أجندة الوطن. نحدّثهم عن سيدر ونتائجه المرجوّة فيجابهوننا بشرف نيلهم عقوبات اقتصاديّة. والأكثر من ذلك، لقد حذّرت وزارة الخزانة الأميركيّة الحكومة اللبنانيّة من التّعاطي مع الذين تمّ فرض عقوبات عليهم. ماذا لو تحوّلت هذه العقوبات بسبب هؤلاء إلى عقوبات على الدولة اللبنانيّة؟

تعطيل مجلس الوزراء يعني تعطيل السلطة التنفيذيّة. وفي هذا التّعطيل المزيد من تراكمات الخسارة الاقتصاديّة. ناهيك عن كشف البلد أمنيًّا. وذلك في ظلّ التوتّر الأميركي ـ الايراني الآخذ بالتّزايد يومًا بعد يوم. فإيران تزيد من نسبة تخصيب اليورانيوم ضاربة بعرض الحائط القوانين والاتّفاقات الدوليّة كلّها. وما عمليّة العقوبات التي فرضت على قياديّين من حزب الله الا للردّ على التصرفات الايرانيّة الجامحة. فهل يحتمل لبنان التردّدات السياسية لهذه العقوبات؟

وسط هذه الحالات غير المنطقيّة التي يُجَرُّ إليها لبنان، تبقى علاقة حزب الله وحلفاؤه علاقة نتجت عن شرعنة وجوده في الدولة بعد الانتخابات النيابيّة وتأليف الحكومة، إذ يشكّل الحزب وزنًا فاعلا في توجيه العجلة القياديّة في الدولة اللبنانيّة. لكن لا يظنن أحد أنّ البلد سائب ولا قوى سياديّة فيه. يبقى أنّ رفع سقف قوى العمالة سيقابله رفع سقف القوى السياديّة. هم يدّعون بأنّ العهد عهدهم فليتحمّلوا إذًا نتائج التّعطيل. وبرغم ذلك، تستطيع الولايات المتّحدة ومعها المجتمع الدّولي أن تفصل بين طرفي النّزاع في لبنان. وذلك جليّ من خلال دعمها المستمرّ لقوى الشرعيّة اللبنانيّة، عبر دعمها للمؤسسات العسكريّة والأمنيّة، فضلا عن الانسانيّة منها. فهل سيستمرّ هذا الدعم في ظلّ التعنّت في المواجهة طاعة لأمر الوليّ الفقيه؟

أمّا إذا راقبنا بعض تحرّكات هذه القوى، فنفهم لماذا بدأوا بطرح قانون انتخابات جديد على أساس القاعدة النسبيّة ولبنان دائرة واحدة. ففي ذلك محاولة لجرّ البلد إلى عمليّة إعادة لهيكلة السلطة لتثبيت الهيمنة الايرانيّة ـ السّوريّة أكثر على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وهذان النّظامان يلعبان وفقًا لقواعد المجتمع الدّولي. ففي نهاية المطاف، إذا أفرزت الديمقراطيّة هكذا نظام فعندها لن يستطيع المجتمع الدّولي إنقاذ الوضع اللبناني برمّته. فهل ستكون الحرب بالديمقراطيّة هي حرب المرحلة المقبلة؟

هذه ليست تكهّنات ولا حتّى مخاوف، إنّها استنتاجات عسى أن تكون خاطئة. لكنّ الواقع يؤشّر غير ذلك. يبقى أنّ المطلوب اليوم في لبنان واحد. يجب على القوى السياديّة أن تضع مصالحها الشّخصيّة جانبًا ولا تحاول اللعب على حافّة الهاوية، وذلك لرصّ صفوفها أكثر لأنّ المواجهة ستصل إلى ذروتها. ومن مِن هذه القوى يستطيع أن يؤمّن وحدة صفّه أكثر سيستطيع أن يفرض نفسه في الساحة اللبنانيّة أكثر. فهل ستستطيع القوى السياديّة أن تستغلّ الضغط الدولي على عملاء النظامين لصالحها؟

في الملف الاقتصادي، لا يأبه حلفاء النّظامين لأيّ مسألة اقتصادية. بالنسبة إلى هؤلاء ” البلد ماشي”. والحقيقة غير ذلك كليًّا. لا نقول إنّ اللبنانيّين فقدوا القدرة على السيطرة الاقتصاديّة. بل العكس صحيح تمامًا. اللبنانيّون اليوم لا يزالون قادرين على التحكّم بالملفّ الاقتصادي وإصلاح ما تهدّم منه. لو أنّ الاجراءات المطلوبة هي اجراءات قاسية لكنّها ليست مستحيلة أبدًا، بل تحتاج إلى قرارات جريئة. فهل ستستطيع الحكومة اللّبنانيّة أن تتجاوز التّعطيل المفروض لتعود إلى العمل؟

أما أمنيًّا وسياسيًّا، فلا يستطيع بعض اللبنانيّين الذين يفاخرون بعدائهم للمجتمع الدولي أن يجرّوا لبنان كلّه إلى مخطّطاتهم. ولن نسمح لأحد في ظلّ هذه الممارسات السياسيّة الضاغطة أن يأخذ لبنان إلى عمليّة تغيير في الصيغة بعدما فشل في تغيير النّظام. وإن كان هذا الفشل محتوم أيضًا لن نسمح لهؤلاء البعض بأن يغيّروا الكيانيّة اللبنانيّة نحو كيانيّة جديدة لا تشبه اللبنانيّين كلّهم. في ظلّ ذلك كلّه ماذا ينفع البعض إن ربحوا أنفسهم وخسروا لبنان؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل