العقوبات الأميركية: من حزب الله إلى ما هو أعظم

يشبه وضع الحكومة الأسير المقيّد في غرفة تعذيب مظلمة، يتلقى ضربات سجّانيه من كل حدب وصوب. فالحكومة المعطلة والمحاصرة بالوضع الاقتصادي الخطير، والتي تحاول لملمة ذيول حادثة قبرشمون وتتعثر حتى الساعة، فاجأتها بالأمس العقوبات الأميركية الجديدة على حزب الله ، التي طاولت في إجراء غير مسبوق رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والنائب أمين شري ، إضافة إلى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا.

وتختلف القراءات لهذا التطور الأميركي، بين من يضعه في سياق الضغوط المعروفة على إيران وحلفائها، وبين من يراه تطوراً خطيراً سيتمدد ويتوسع ليطاول حلفاء الحزب في كل البيئات الطائفية والسياسية. علما أن رئيس الجمهورية ميشال عون اعتبر أن هذا التدبير يتناقض مع مواقف أميركية سابقة تؤكد التزام لبنان ومصارفه اتفاقيات مكافحة تبييض الأموال ومنع استخدامها في الإرهاب، مؤكدا أنه سيلاحق الموضوع مع السلطات الأميركية. في حين اعتبر رئيس الحكومة سعد الحريري من جهته أن العقوبات على حزب الله تدل على توجه جديد، لكنها لن تؤثر على عمل الحكومة. فيما رأى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن هذا الإجراء اعتداء على كل لبنان.

الكاتب والمحلل السياسي المقرب من حزب الله، الصحافي قاسم قصير، يقلل من تأثير العقوبات الجديدة. ويعتبر في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنها “عقوبات معنوية، وليس لها أي بعدٍ عملاني”. ويشير إلى أن “النائبين رعد وشري أو الحاج وفيق، لا يملكون أسهماً أو شركات في الولايات المتحدة كي يتأثروا”.

ويرى قصير أن “الأميركيين يقومون بخطوات تصعيدية لافتقارهم إلى بنك أهداف إضافي، وقد يصلون في وقت ما إلى أبناء وأحفاد المسؤولين في حزب الله ويضعونهم على لوائح الإرهاب. لكن عملياً، هذه القصة لا جدوى عملانية لها، بقدر ما هي نوع من تصعيد للقول إن الأميركيين مستمرون في الحرب على إيران وحلفائها”.

لكن للمحلل السياسي الصحافي علي حماده، موقفا مختلفا تماما، إذ يعتبر في حديث لموقع “القوات”، أنه “ليس سراً أن هذه الحزمة الأخيرة من العقوبات الأميركية، التي تطاول للمرة الأولى المستوى السياسي المعلن في حزب الله عبر هذه الشخصيات الثلاث، تأتي من ضمن العقوبات المتدرجة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ نحو سنتين، باستمرار ومن دون توقف”.

ويشير حمادة إلى أنه “منذ سنتين، لا يمر بضعة أسابيع إلا ونشهد على المزيد من العقوبات الأميركية على حزب الله، التي تأتي متزامنة مع عقوبات على إيران والحرس الثوري الإيراني، لكن من الواضح أن الإدارة الأميركية تخصّص حزب الله بحزمة عقوبات كما يقال (على القياس)، لاعتباره تنظيماً ذي فعالية وتأثير كبيرين على واقع الأمور، ليس في لبنان فقط، إنما في سوريا وعلى الحدود مع إسرائيل”.

ويرى أنه “مما لا شك فيه، هذه العقوبات تشكل مزيداً من الضغط على الواقع اللبناني، ولا يمكن تجاهل ثقلها، لا سيما أنها ستنعكس معنوياً وربما على المسألة الاقتصادية، لأن الجميع في لبنان بات في انتظار حزمات جديدة من العقوبات، التي ستطاول، ليس فقط شخصيات غير عسكرية من حيث المبدأ في حزب الله، وإنما شخصيات غير منتمية للحزب لكنها تنتمي إلى بيئة حليفة له، لا سيما في البيئة المسيحية والبيئة السنية، إضافة إلى البيئة الشيعية غير الحزبية”.

ويلفت حمادة إلى أن “المراقبين يتوقعون أن تطاول العقوبات أسماء في عالم الاقتصاد والأعمال والمال، تُعتبر أنها تغطي أو تسهم في تغطية أعمال حزب الله المالية، أو تسهم بشكل أو بآخر في تمويل هذا التنظيم”. ويلفت إلى أنه “إذا نظرنا نظرة شاملة، نرى أن كل ذلك هو تدرج في تصعيد مستمر ومتواصل من الإدارة الأميركية”.

في المقابل، يعرب قصير عن اعتقاده أن “الحكومة لن تتأثر بالضغط الأميركي والطلب منها عدم التعاطي مع من طاولتهم العقوبات”، مذكرا أن “السفيرة الأميركية إليزابيت ريتشارد حذرت عند تشكيل الحكومة من أن بلادها لن تتعامل مع الوزارات التي يتسلمها وزراء من حزب الله، ولم يحصل شيء كما نلاحظ. ويسأل: ماذا يمكن أن تفعل الحكومة؟ هل (تزعب) وزراء ونوابا منتخبين؟

وعن مطالبة النائب علي فياض الحكومة بالرد على واشنطن، يقول قصير: “الحكومة لن ترد”، مضيفا أن “الأميركيين يفصلون، مع البريطانيين، العلاقة مع الحكومة والإدارات اللبنانية عن موضوع حزب الله. فالبريطانيون مثلا اتخذوا موقفا من حزب الله واعتبروه حزباً إرهابياً، لكن على الرغم من ذلك، التنسيق ما بين بريطانيا ولبنان يزداد والمشاريع المشتركة مستمرة”.

ويضيف أن “الأمر ذاته يحصل مع الأميركيين. العلاقة اللبنانية الأميركية قائمة، والجيش اللبناني أحد أهم المتعاونين مع الأميركيين، فهل سيقطعون علاقتهم بالدولة اللبنانية؟ لن يفعلوا ذلك. وهذه العقوبات لن تؤثر، لا عمليا ولا سياسيا، مجرد قضية إعلامية في إطار الضغوط على إيران وحلفائها”، مذكرا بـ”العقوبات السابقة التي أدت إلى دفع معاشات نواب حزب الله بالليرة اللبنانية كمخرج للحل، ومصرف لبنان يتعاطى مع الموضوع بشكل طبيعي”.

انعكاس رفع منسوب العقوبات الأميركية نحو مستويات سياسية نيابية من حزب الله على الوضع الداخلي، والحكومي بشكل خاص، قاربه المحللان السياسيان من زاويتين مختلفتين.

قصير يعتبر أن “موقف النائب علي فياض الذي طالب فيه الحكومة باتخاذ موقف حازم، هو موقف معنوي لا أكثر، إذ لا الحكومة ستسائل الأميركيين، ولا حزب الله سيصعّد الموقف تجاه الحكومة”، مضيفا أن “الحزب يهمه منذ تشكيل الحكومة تثبيت استقرار الوضع اللبناني، وهو الأكثر حرصا في الوقت الراهن على حماية هذا الوضع”.

ويرى أن “موقف الوزير محمود قماطي غداة حادثة قبرشمون، كلام عام وموقف مبدئي مع حلفائه، إذ لن يتخلى عنهم. لكن في المقابل وعلى المستوى العملاني، حزب الله يحاول حفظ الوضع الداخلي ومنع انفجار الحكومة”. ويؤكد أن “الحزب حريص على حماية حلفائه، لكن يهمه في الوقت ذاته الاستقرار الداخلي كأبرز عنوان راهنا، ولا يقبل بالوصول إلى حد تطيير أو تفجير الحكومة”، لافتا إلى أن “حزب الله يعوّل على مساعي رئيس مجلس النواب والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم في هذا الإطار”.

لكن حمادة يحذر من أن “التصعيد الأميركي المتدرج والمتواصل، سيصل ربما في لحظة ما إلى التأثير على الواقع الحكومي في لبنان. لا سيما أننا نعلم أن الأوروبيين بدأوا شيئاً فشيئاً بالانضمام أو التقرب من الموقف الأميركي. بدأ الأمر في بريطانيا، أما ألمانيا التي لم توافق حتى الآن على فكرة الدمج بين ما يسمى بالجناحين السياسي والعسكري في حزب الله، باعتقادي أن الأمر لن يطول كثيراً قبل أن يتم إدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في أوروبا بمستوييها السياسي والعسكري. وهذا الأمر يزيد الضغط على لبنان، ويضع الواقع اللبناني محط اختبار قاس في المرحلة المقبلة”.

أما عن وقوف حزب الله نسبيا في المقاعد الخلفية إزاء حادثة قبرشمون من دون موقف علني حاسم، فيعرب حمادة عن تقديره “أن التكتيك الذي يتبعه حزب الله يقضي بالا تُحسم الأمور. وهو ينظر إلى الاستحقاق الآتي في تشرين الأول المقبل موعد صدور الحكم النهائي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عن المحكمة الدولية، وبدء صدور القرارات الاتهامية المتعلقة بمروان حمادة والياس المر وجورج حاوي، إضافة إلى مسلسل العقوبات المتواصل والمتدرج والمؤذي، ليس فقط لحزب الله إنما لراعيه الأساسي إيران”.

ويرى حمادة أن “هذا كله يدفع حزب الله إلى عدم الذهاب في اتجاه حسم الأمور مع هذا الطرف أو ضد ذاك، إنما مصلحته هي بترك الأمور قيد الاهتراء. أي أن الدولة يجري تفريغها من الداخل، وإغراق القوى السياسية اللبنانية المصنَّفة سيادية في مزيد من المشاكل والتحديات الداخلية، كما يحصل للحزب التقدمي الاشتراكي، واستهداف للقوات اللبنانية، وصولاً إلى استهداف تيار المستقبل عبر استهداف موقع رئاسة الحكومة بشكل متواصل ومستمر”.

ويشير إلى أن “حزب الله يستخدم في هذا الإطار حليفه الأساسي والدائم التيار الوطني الحر، ممثَّلاً برئيس الجمهورية أو بوزير الخارجية، الذي لا يبخل على حزب الله بأي تحرك يمكن أن يصبّ في مصلحته، وذلك في إطار المبادلة التاريخية ما بينهما: مكاسب في الداخل، مقابل موقف داعم في الموقف الاستراتيجي العام. وبالتالي، سيبقى حزب الله على هذا الموقف غير المحسوم، تارة يصب الماء البارد وطورا يصب الماء الساخن، بانتظار المحكمة الدولية والصراع الاقليمي وترك الأمور للاهتراء في البلاد”.

وعن موقف الرئيس بري، يقول حمادة إن “بري يمارس صلاحياته في إطارين: الإطار القانوني، إذ هناك نائبان طاولتهما العقوبات في البرلمان الذي يرأسه، وهذا مفهوم. لكن الأهم من ذلك الموقف السياسي، فالرئيس بري لا يستطيع إلا أن يبدي موقفاً سلبياً ومعارضاً للعقوبات كما أبداه، ولا سيما في إطار التحالف القائم ما بين حركة وأمل وحزب الله في إطار الثنائي الشيعي”.

لكن حمادة يلفت إلى أن “موقف بري له مفاعيل داخلية لحماية حزب الله في الاطار الداخلي، لكي يتمكن الحزب من أن يبقى دائما واقفاً خلف الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية. لكن في الإطار الأميركي هذا لا يقدّم ولا يؤخّر، العقوبات متدرجة ومستمرة، وسنستفيق ذات يوم على عقوبات ستطاول شخصيات في عالم المال والأعمال والاقتصاد من الطائفة الشيعية ومن المسيحيين ومن السنّة، وربما من الدروز من حلفاء حزب الله”.

ويضيف: “من الواضح أن هناك شبكة من ضمن البيئة الشيعية تعمل لصالح حزب الله، وهذا معروف وكل الناس يعلمون ذلك وقد بدأ الاستهداف في دول الاغتراب في أميركا اللاتينية وأفريقيا. ومعلوم أيضا أن هناك شخصيات في البيئة المسيحية المقربة من التيار الوطني الحر، هي جزء من شبكة حماية وتمويل حزب الله على الصعيد المالي، وهذا أمر يعرفه الجميع، والأميركيون يعرفونه أكثر من الجميع. والعقوبات التي ستطاول هؤلاء آتية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل