“المبسوط” قاتل طرابلس وقتيلها: سيرة الاضطراب بين الدين والمخدرات

مات عبدالرحمن مبسوط، ومات سرّه معه. أكثر من شهرٍ مضى على العمل الإرهابي الذي نفذه، ليلة عيد الفطر في 3 حزيران 2019، في طرابلس، وذهب ضحيته أربعة شهداء من عناصر قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني، قبل أن يسقط في شباك عمله، ويقتل نفسه.

أين دُفن؟

لم تكن هذه المدّة كفيلة حتّى يلتئم جُرح عائلته، من “عارٍ” يلاحقها مدى العمر. والده، زوجته مريم وشقيقه، يتوارون عن الأنظار، يتفادون أي حديث في القضية، منذُ أن أُفرج عنهم، بعد أن كانوا موقوفين رهن التحقيق. لا أحد منهم يعرف “أين دُفن المبسوط”. ولدى سؤال والده وشقيقه يجيبان: “كنّا موقوفين للتحقيق، لم نستلم جثّته، ولم نتبلغ أيّ معلومة عن مكان دفنه”. يكتفيان بالإجابة عن هذا السؤال لـ “المدن”، ويرفضان الحديث عن عبد الرحمن: “لقد تعبنا من قصّته، ودفعنا ثمنها غاليًا، ولم يعد لدينا ما نقوله في شأنها”.

طليقته وطفلاه

وحدها شذا، طليقته الأولى، وأمّ ابنه وابنته، اللذين يبلغان أربع وخمس سنوات، كانت الجزء المنسيّ من قصّة ملطّخة بالدم وصبغة الإرهاب. ترفع والدتها صوتها عبر “المدن”، وتسأل: “أين وثيقة وفاته؟ لماذا لم نحصل عليها بعد؟”. تحكي “حماة” المبسوط السابقة، عن معاناة ابنتها مع طفليّها وهم يدفعون ثمن ذنبٍ لم يقترفوه. هذه المرأة، التي طلقها المبسوط منذ فترة بعيدة سبقت زواجه من مريم، استفاقت صباح العيد في 4 حزيران، ووجدت نفسها فجأة أمًا لطفليّ والدٍ إرهابي أصبح ميتًا، واصبحا يتيمين. طفلها الأكبر (5 سنوات)، يروي قصّة والده عن ظهر قلب، من دون أن يدرك ما ينتظره في المستقبل مع شقيقته. فـ”لا أحد من الجمعيات يقبل أن يقدّم لهما أيّ مساعدة، الكلّ يتبرأ منهما، ويتحججون بعدم وجود وثيقة وفاة، لم يُسمح لنا بالحصول عليها بعد. حتّى ابنتي، لم تعد تستطيع العمل، بسبب التضييق والتنمر الذي تتعرض له بسبب ما فعله طليقها”، تقول الوالدة المفجوعة على مصير حفيديّها، وتتابع: “والد المبسوط هو سبب ضياعه ومصيره، وذنب طفليّه اللذين لا يسأل عنهما في رقبته، وقد نضطر أن نضعهما في مدرسة داخلية إذا استمر الوضع على هذا الحال، من دون أن يبادر أحد لحمايتهما من كلّ ما ينتظرهما لاحقًا”.

محاضر الاستخبارات

منذ أن سقط المبسوط قتيلًا، بعد ملاحقته إلى إحدى الشقق السكنية التي خلعها للتمترس داخلها، في شارع التوليد في طرابلس، بدأت التحقيقات. ويبدو أنّ مسارها بات يصبّ في خانة “العملية المنفردة”، من دون ارتباط مباشر أو غير مباشر لداعش أو أي تنظيم إرهابي متطرف آخر.

هذا المسار، يذكرنا بصباح عيد الفطر، حين زارت وزيرة الداخلية ريا الحسن طرابلس لتفقدها، ووصفت جريمة المبسوط بـ “الحادثة الفردية”، وأردف المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان أنّ “منفذ العمليات كان في حالة نفسية غير مستقرة. وما حصل هو حادث فردي”. حينّها، نتج عن هذين التصريحين، سجال كبير أخذ منحى التسييس، واُتهمت الحسن ومعها عثمان بـ”الاستعجال” في استنتاجهما، لا سيما في ظلّ وجود فريقٍ “حكومي” آخر، كان يدفع نحو نظرية ارتباط المبسوط بداعش، التي تستعيد إرهابها في لبنان. وحينها أيضًا، تجددت موجة “التخويف” من عودة التنظيمات الإرهابية، ومن خطر تمدد “ذئابها المنفردة” وأذرعتها الإسلامية في بعض المناطق اللبنانية.

بيع الأثاث وشراء السلاح

وما بين التشكيك في المواقف والتهويل على المواطنين، بقيت علامات استفهام كبيرة عالقةً حول التناقضات “الغريبة” في قصّة المبسوط، قبل أن ينفّذ عمله الأمني، لا سيما بعد أن سُرّبت الأسبوع الماضي محاضر التحقيق لدى استخبارات الجيش، ليبقى الجواب عن السؤال مجهولًا: ما هي الأسرار المخبأة؟

في محاضر تحقيقات استخبارات الجيش، والتي سبق أن سُرّبت لبعض وسائل الإعلام، صنفت المبسوط “ذئبًا منفردًا” نفذ عمليته الإرهابية بعد تبنيه الفكر التكفيري، ولم يتبيّن تلقيه أوامر قيادية مباشرة أو غير مباشرة من تنظيم داعش لتنفيذ العمل الأمني في طرابلس. وأشارت أنّ هناك 12 موقوفًا من أصل 32 كان مشتبهًا بهم، وتبين أن بعض الموقوفين ساعدوا المبسوط في بيع أثاث منزله لشراء السلاح والذخيرة والقنابل، وأن أحدهم كان على علم كامل بنيته في تنفيذ العملية، وسهّل “مهمته”، وهو من آل القطمة ملقب بـ”أبو تراب” يؤمن بالأفكار الدينية المتطرفة لتنظيم داعش.

عرضت التحقيقات خريطة مسار العمل الإرهابي للمبسوط في ليلة العيد، التي بدأها من منزله في باب الرمل، وكان في حوزته 5 قنابل يديوية وبندقية من نوع كلاشينكوف مع 8 مماشط. ولدى وصوله إلى سرايا المدينة، بحسب المحاضر نفسها، رمى قنبلة قرب مدخله ثمّ انتقل إلى سنترال الميناء، وهناك ترجّل عن دراجته مطلقًا عيارات نارية عدّة باتجاه آلية تابعة لمفرزة طوارئ طرابلس وأصاب عنصرين كانا فيها. بعد ذلك، انتقل بدراجته إلى المرفأ، وصادف مرور آليه للجيش اللبناني، فترجّل مطلقًا النار باتجاهها، ما أدى إلى استشهاد عريف في الجيش اللبناني، ثم ترك درجاته النارية واتجه مسرعًا نحو محطة محروقات، واستولى على دراجة نارية كان سائقها قد تركها وفرّ، فاستقلها إلى داخل شارع التوليد، قبل أن يدخل إلى المبنى السكني ويخلع إحدى أبواب الشقق للتمترس في داخلها. حينها، طوّقت استخبارات الجيش المبنى، ففتح النار باتجاه وحداتها، وأصاب الملازم الأول حسن فرحات فاستشهد، ثمّ داهمت القوة الخاصة للجيش المبنى حيث دار اطلاق النار مع المبسوط، قبل أن يقتل نفسه.

الحقيقة الضائعة

اللافت في محاضر التحقيق، هو ما حُكي عن مريم العبدالله زوجة المبسوط، وقيل أنّها تزوجت  منه قبل نحو عام، وأنّها علمت حين ذاك أنّ زوجها كان يقاتل في سوريا إلى جانب داعش وأنّه أوقف بهذا الجرم، قبل أن تتزوجه ويسكنا سويًا في منزل والد المبسوط في باب الرمل. ذكرت المحاضر أيضًا أنّ المبسوط كان يعامل زوجته مريم معاملةً سيئة، وأنه لم يكن ملتزمًا دينيًا، وأنّ إلتزامه الديني ومعاملته الحسنة لها عادا وتجددا قبل أسبوعين من تنفيذ عمله الأمني، أيّ خلال شهر رمضان، ثمّ عاد إلى خلافه معها ومحاولة تعنيفها وترهيبها في تلك الليلة، بعد أن كشف لها عن نيتّه بتنفيذ العملية.

لكن، ومن باب الاستفهام، يبقى ملتبسًا ما ذُكر عن المبسوط في محاضر التحقيق حول مسألة إلتزامه الديني على طريقة داعش. فإذا كان قد عاد من سوريا بعد القتال مع داعش وسُجن في لبنان على إثر هذه التهمة، لماذا لم يكن ملتزمًا دينيًا في تلك المرحلة باستثناء آخر 20 يومًا قبل تنفيذ العملية؟ وعلى أيّ أساس إذن كان ينوي ويسعى للإلتحاق بداعش من دون “عقيدة” دينية تشدّه نحوها؟

لم يذهب إلى سوريا؟

تواصلت “المدن” مع عددٍ من المحامين المطلعين على تفاصيل ملف توقيف المبسوط في المحكمة العسكرية حين كان مسجونًا. وخلافًا لكل ما سُرّب وجرى تداوله، فإنّ المعطيات الأكيدة التي توصلنا لها، هو أنّ المبسوط لم يدخل اطلاقًا إلى سوريا للقتال في صفوف داعش، رغم سعيه لذلك. وحسب معلومات خاصة، فإنّه حين سافر من لبنان إلى تركيا، كان يحاول التواصل مع داعش للانضمام إلى صفوفها، وبقي على هذه الحال نحو 7 أيام. لم تثق داعش بالمبسوط، ولم تقبل به في صفوفها  لنقله إلى سوريا. لم ييأس في سبيل تحقيق رغبته، فعاد وتواصل معه أحد “أصدقائه” في جبهة النصرة، لكنهم أيضًا لم يثقوا به. وجد المبسوط نفسه عالقًا وحيدًا في منطقة أعزاز. ألقى الأمن التركي القبض عليه، سُجن هناك حوالى 6 أشهر، قبل أن تسلمه لقوى الأمن في لبنان، نتيجة الضغوط من قبل عائلته، فسجن لمدة سنة ونصف السنة بجرم الانتماء إلى “مجموعة إرهابية”، وخرج قبل فترة من تنفيذ عمله الإرهابي في طرابلس .

لا شكّ أنّ مسارعة تنظيم “داعش” لإصدار بيانٍ يتبنى فيه عملية المبسوط، بوصفه واحدًا من “جنودها”، لا يتجاوز كونه محاولة للتذكير بوجوده، عبر تبني عمليات إرهابية “لقيطة” لم تلطخ يدها الطولى فيها. وهذا أيضًا، أكدته محاضر التحقيق، على تناقضها، أنّ عملية المبسوط التي وضعتها في خانة “الذئب المنفرد”، هي عمل “فردي” غير مرتبط بأيّ تنظيم متطرف، وإن كان يؤيّد فكره. وحسب المعلومات، فإنّ الموقوفين حاليًا في قضية المبسوط، وهم نحو 12 موقوفًا، من بينهم من آل ح.، ك.، ر.، ه.، م.، ح.، خ.، ليسوا جميعهم على ارتباط مباشر في قضيته. فبعضهم متهم أنّه سهل عمليته، وبعضهم الآخر بتهم آخرى مرتبطة بالإرهاب أو وجدوا أرقامهم في هاتفه. ورغم أنّ فرعي المعلومات والمخابرات ألقيا القبض عليهم، وتبادلتهم الأجهزة للتحقيق، لم تُحل ملفاتهم بعد إلى قاضي التحقيق للبتّ في أحكامهم.

المبسوط المضطرب

في ملفه، حين كان المبسوط داخل السجن، وبشهادات “رفاقه”، كلّ المؤشرات تصبّ في خانة أنّ عبد الرحمن المبسوط البالغ 27 عامًا (1992)، كان شابًا مضطربًا وليس طبيعيًا، لا سيما نتيجة تعاطيه الحبوب المهدئة. يروي أحد المقربين من أجواء المبسوط، أنّه أثناء قضاء محكومتيه في السجن، كان يهوى أن يُمسك بالحشرات ويلعب بالعنكبوت، ثمّ ينقلب ضاحكًا. وإن طلب شيئًا في زنزانته أو من إدارة السجن وجرى رفضه، كان سريع الغضب، يفقد أعصابه على الفور، ويقوم بتشطيب يديه بواسطة آلة حادة. وبعد انتهاء محاكمته بسنة ونصف، في كانون الأول 2016، نوى أن يبدأ حياةً “مستقيمة” بعيدًا من المشاكل، لكنه لم يستطع الاستمرار. ففي العام 2017، أوقفته الأجهزة الأمنية في الكورة، أثناء اعتدائه على إحدى الصيدليات كي يأخذ عنوةً بعض الحبوب المخدرة، فألقي القبض عليه مجددًا بجرم تعاطي المخدرات.

حين خرج من السجن، عمل في رشّ المبيدات في اتحاد بلديات الفيحاء، من دون أن تصلح طباعه، فكان إذا طلب سلفةً من المال ولم يتجاوبوا معه، يُسارع إلى “هوسه” في تشطيب يديه. بعد ذلك، قدّم طلب توظيف في مرفأ طرابلس للعمل كـ”عتال”، ولم يفلح. وفي آخر مراحله، نقلًا عن أحد أصدقائه، كان المبسوط يكتب على حسابه في فايسبوك (هو مغلق حاليًا) عن معاناته التي يعيشها وعدم قدرته على إيجاد أيّ فرص عمل. ينقل المحيطون بالمبسوط أنّ سلوكه ونمط عيشه وطريقة تعاطيه للمخدرات، لم يدل يوماً على خلفية دينية أو عقائدية، وأنّ هذه “الطفرة” الدينية العصبية والمتطرفة بعماء، كانت تظهر عليه بين فترة وأخرى بشكلٍ هستيري وعصبي، فيما هو أقصى طموحه أن يجد فرصة عمل يسدّ فيها حاجاته بعد تخلي والده عنه. إذ لم تكن علاقة المبسوط مع عائلته ومحيطه سليمة على الإطلاق، وقد سبق لوالده أن طرده من منزله عدّة مرات.

الكيل بمكيالين

في حديث لـ”المدن”، يطرح محامي الموقوفين الإسلاميين محمد صبلوح علامات استفهام حول ما سبق أن صرّح به وزير الدفاع الياس بو صعب، أنّ مخابرات الجيش كانت على علم بعملية المبسوط قبل نصف ساعة من تنفيذها. فـ”المبسوط تنقل في مسافة طويلة جدًا داخل طرابلس، بين باب الرمل وقهوة موسى ومصرف لبنان والسرايا وسنترال الميناء والمرفأ”، ويسأل: “لماذا لا نريد أن نعترف بالتقصير الأمني الواضح طالما أنهم عرفوا بالعملية قبل نصف ساعة، وتحديدًا في ليلة العيد، التي من المفترض أن يكون فيها الاستنفار الأمني على أعلى جهوزيته؟ ومن أعطى الضوء الأخضر للمبسوط قبل انطلاقه إن لم تكن لداعش يد في العملية؟”.

لا مبرر لجريمة المبسوط بكلّ المقاييس، التي دفع ثمنها شهداء من المؤسسة الأمنية والعسكرية. هذا ما يؤكد عليه صبلوح، لكنّه يصر على ضرورة المصارحة بعيدًا عن التكابر والهروب من الواقع، ويشير إلى أهمية إعادة النظر في آلية التعاطي مع الموقوفين الإسلاميين، “إن كنّا نريد حلًا جذريًا لهذه الظاهرة التي يدفع المواطنون والعسكريون ثمنها غاليًا بأرواحهم وأمنهم”. في لبنان “لا تزال الدولة والأجهزة الأمنية والقضاء يتبعون سياسة الكيل بمكيالين. وفيما يُعاملون مقاتلي حزب الله العائدين من سوريا معاملة الأبطال، ويبقى سجلهم نظيفًا، ثمّة من تُدمّر حياته بسبب وثائق الاتصال وهي تتجاوز 11 ألف وثيقة سجلتها مخابرات الجيش”.

مصير أولاد المبسوط على المحكّ، في بلدٍ ينأى بنفسه وبمنظومته المعقدة عن إيجاد مسلك للتعاطي مع ذوي الضحايا و”المجرمين” على حدٍّ سواء، يقول صبلوح: “إذا لم يُعاد النظر في معالجة ملف الإرهاب، وطريقة التعاطي مع الموقوفين داخل السجون وأثناء توقيفهم ومع ذويهم، وإذا لم تتجرأ الدولة والأجهزة الأمنية على محاسبة بعض العناصر على سلوكهم الشخصي (يشدد على الشخصي) في تعنيف الموقوفين بطريقة مذلة، بدل العمل على إعادة تأهليهم، سنبقى مستقبلًا رهن مئات مستنسخة من عبد الرحمن مبسوط”.

المصدر:
المدن

خبر عاجل