من تاريخ المخابرات السورية في لبنان – 1

نشرت “المسيرة” من كتاب سامي جمعة أوراق من دفتر الوطن (1946 ـ 1961) – العدد 1696

من تاريخ المخابرات السورية في لبنان: 

• إغتيال أبو الحن وغندور كرم

• تذويب فرج الله الحلو بالأسيد

• ثوار 1958 مال وسلاح وفشل

• تفجير بغل مفخخ في زحلة (1)

 

لم يبدأ عمل المخابرات السورية في لبنان في العام 1976 مع ناجي جميل ومحمد الخولي ثم مع غازي كنعان ورستم غزالة ووليد حسناتو وجامع جامع وابراهيم حويجي وغيرهم ممن حفرت أعمالهم جراحًا كثيرة في أجساد اللبنانيين وعقولهم على فترة طويلة إمتدت حتى نيسان 2005.

قبل الحرب كان للمخابرات السورية حضور دائم على الساحة اللبنانية ودائمًا بكمية من الأفعال التي تهواها وتجيدها وتدخل ضمن إطار التفجيرات والإغتيالات وتوزيع الأسلحة ومحاولة قلب نظام الحكم والخطف والإعتقال والتذويب بالأسيد.

قليلاً ما خرج بعض من تولى أدواراً في المخابرات السورية ليلقي الضوء على أفعالها. سامي جمعة واحد من هؤلاء المسؤولين في تلك الإستخبارات الذين نفذوا مهمات قذرة في لبنان، خصوصًا في مرحلة ما قبل أحداث 1958 وخلالها وما بعدها. من بين الأسماء التي اشتهرت في تلك المرحلة على عهد رئيس الشعبة الثانية في سوريا العقيد عبد الحميد السرّاج، كان عبد الوهاب الخطيب وبرهان أدهم وغيرهم.

سامي جمعة دوّن بعض مذكراته ونشرها في كتاب تحت عنوان «أوراق من دفتر الوطن 1946 ـ 1961» نشره في العام 2000، وهو يروي بعض ما قام به مع المخابرات السورية في تلك المرحلة التي لعب فيها دورًا مسؤولاً في الشعبة الثانية السورية قبل أن يحصل الإنقلاب على دولة الوحدة المصرية ـ السورية ويدخل الى السجن.

مقارنة مع ما كانت تقوم به تلك الإستخبارات في مرحلة نهاية الخمسينات، وبين ما واظبت على القيام به في السبعينات والثمانينات والتسعينات، نمط واحد في العمل ينبع من مدرسة واحدة وأسلوب واحد أيًا يكن حاكم دمشق، قبل أن يتولى حافظ الأسد السلطة في العام 1970 ومعه وبعده.

في أوراق سامي جمعة إتهام مباشر للرئيس المصري جمال عبد الناصر باغتيال الصحافي اللبناني في جريدة «العمل» فؤاد حداد (أبو الحن) ورواية لقصة خطفه الى سوريا ثم إعادته الى لبنان وقتله بعدما كان عملاء للنظام السوري قاموا بتصفية الصحافي غندور كرم.

في أوراقه أيضًا، قصة تفجير بغل محمّل بالمتفجرات قرب بيت الكتائب في زحلة، وكيفية دعم «الثوار» وزعماء الثورة عام 1958 بالمال والسلاح، ليستنتج أن تلك الثورة كانت فاشلة وأن الثوار كانوا مجموعة ينخرها الفساد، وقد كلفت الثورة سوريا خمسين مليون ليرة.

وفي أوراق سامي جمعة أيضًا، قصة إعتقال القائد الشيوعي فرج الله الحلو (أبو فياض) في أحد المقرات السرية في دمشق وقتله خلال التحقيق معه، ثم دفنه ثم نبش جثته وتقطيعها وإذابتها بالأسيد لإنكار التهمة من أساسها وإنكار أن يكون تم اعتقاله في سوريا.

من تلك الأمثال الواردة في أوراق سامي جمعة لا يمكن إلا الإقرار بأن أسلوب الإستخبارات السورية لم يتبدّل، وأن محاولات الإنكار لن تفيد في إخفاء الحقيقة، تلك الحقيقة المتعلقة بمئات المعتقلين المفقودين في المعتقلات السورية.

 

بدايات الثورة في لبنان

خلال عام 1957 شهد الوضع السياسي اللبناني إنقسامًا حادًا حول السياسة الخارجية. هذا الخلاف كان مرده الى التباين الشديد في رؤية ما يجب أن تكون عليه هوية لبنان وبالتالي سياسته العربية والدولية. وكان المجلس النيابي اللبناني الذي يضم غالبية موالية لكميل شمعون رئيس الجمهورية قد أقرّ إنضمام لبنان لمبدأ أيزنهاور، فأدى لاستقالة سبعة من النواب الوطنيين من عضوية المجلس النيابي إحتجاجًا على سياسة شمعون الموالية للغرب والمعادية لمصر وسورية وهم: صائب سلام، كمال جنبلاط، حسين العويني، نسيم مجدلاني، علي بزي، الياس الخوري وفيليب تقلا. هؤلاء النواب شكّلوا بالإشتراك مع بعض السياسيين والأحزاب جبهة موحدة باسم جبهة الاتحاد الوطني التي انتمى أعضاؤها لمختلف الطوائف الإسلامية والمسيحية، أي أن المعارضة اتخذت طابعًا وطنيًا، وظل بعض من قادة المعارضة خارج هذه الجبهة مثل البطريرك المعوشي، ثم انضم الى الجبهة كل من حزب النجادة والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب النداء القومي والدستوري وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الهيئة الوطنية وحركة القوميين العرب والحزب الشيوعي، أما الأحزاب التي كانت تقف الى جانب شمعون فكانت: حزب الكتائب وحزب الكتلة الوطنية وهما حزبان مارونيان، أما الحزب السوري القومي (جماعة عبد المسيح) الذي كانت تربطه بشمعون علاقة خاصة فقد كان على خصومة تقليدية عقائدية وسياسية مع حزب الكتائب ولكن تمكن شمعون من رأب الصدع بينهما في تلك المرحلة خدمة لأهدافه.

وفي الثلاثين من أيار 1957 تداعى قادة المعارضة ومؤيدوهم الى التجمع والتظاهر فتصدت قوى الأمن الداخلي للمتظاهرين بالقوة وأطلقت النار عليهم فسقط عدد من القتلى والجرحى وكان من الجرحى كل من صائب سلام ونسيم مجدلاني، كما اعتقل حوالى ثلاثمئة شخص من المتظاهرين.

تتابعت الاحداث بعد ان عمد شمعون وجماعته الى تزوير الانتخابات النيابية التي جرت في حزيران من العام نفسه حيث حازت جماعة شمعون على أكثرية مقاعد المجلس النيابي تمهيدًا لتجديد ولايته لرئاسة الجمهورية مرة ثانية، ونتيجة لهذا التزوير أخفق في الانتخابات عدد كبير من الشخصيات الوطنية وفي مقدمتهم كمال جنبلاط وصائب سلام وعبدالله اليافي وأحمد الأسعد. إثر ذلك انفجر الوضع الداخلي وعمّت المظاهرات المدن اللبنانية كافة وكانت الإصطدامات بين المتظاهرين وقوى الأمن تسفر يوميًا عن وقوع العديد من الإصابات بين قتيل وجريح. خلال ذلك اغتيل الصحفي نسيب المتني على أيدى جماعة شمعون، وكان المتني بالإضافة لكونه من كبار القادة العماليين في لبنان صحفيًا لامعًا ومن أشد الصحفيين شراسة في مهاجمة شمعون وسياسته وكان يتهمه باستمرار بالعمالة للقوى الإستعمارية. تلى ذلك قيام قوى الأمن اللبنانية بالإشتراك مع جماعة شمعون وبقيادة النائب الشمعوني نعيم مغبغب بمهاجمة قصر المختارة مكان إقامة الزعيم كمال جنبلاط بحجة القبض على بعض المطلوبين فأدى ذلك الى وقوع صدام مسلح أسفر عن إصابات بين الطرفين، وانطلقت الثورة بادئ ذي بدء من الشوف، ثم ما لبثت أن عمّت المناطق اللبنانية كافة من الشمال الى الجنوب الى البقاع الشرقي والغربي، وكان من الطبيعي أن تقوم سورية بمد يد المساعدة لتلك الثورة بالسلاح والمال بشكل خاص، وتحقيقا لهذا الغرض تم إنشاء مستودعات لتخزين السلاح وتوزيعه في بعض المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية، وكانت هذه المستودعات في حلبا وعكار وتلكلخ وطرطوس لإمداد مناطق الشمال، وأُنشئ للشوف وبيروت مستودعان عهدت إليّ مهمة الإشراف عليهما، كان أحدهما في دمشق وخصص لبيروت والبقاع والآخر في سرغايا يستخدم طريق بريتال والطفيل لتسريب السلاح لثوار الشوف.

 

تفجير بغل ملغوم في زحلة

بعد أن فشلت عملية تهريب الأسلحة بواسطة صهاريج المحروقات وضبطها رجال الأمن اللبناني، طلب مني إحضار عدد من البغال لاستخدامها بنقل الأسلحة عبر المسالك الجبلية انطلاقا من دير العشائر لتزويد مقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط بها، وقد تم إيداع هذه البغال التي كان عددها يربو على الخمسين في منطقة السنانية بدمشق.

كان عبد الحميد السرّاج قد وعد برهان أدهم بحال نجاحه في إفشال المؤامرة الكبرى بإعادته الى الجيش برتبة عقيد بعد أن انقلب الأخير على شركائه في هذه المؤامرة (الأتاسي والعجلاني وصفا والسوريين القوميين وغيرهم)، وقد برّ السرّاج بوعده لبرهان وعهد إليه بإدارة مكتب شؤون لبنان في الشعبة الثانية، وتبعًا لذلك كان برهان يتولى مسؤولية إرسال قوافل من البغال المشار إليها آنفا محمّلة بالأسلحة، وكانت كل قافلة تتألف من عشرة بغال يقودها مكارية متخصصون بالمسالك الجبلية لإيصالها الى معاقل الحزب التقدمي الاشتراكي.

وذات يوم في تلك المرحلة إتصل بي برهان أدهم وطلب مني تسليم أحد هذه البغال لمندوب سوف يرسله إليّ فلبّيت طلبه، ولدى لقائي به في اليوم نفسه استفسرت منه عن سبب طلبه بغلاً واحدا فضحك وقال لي إن السفير المصري عبد الحميد غالب إتصل بالمقدم عبد الحميد السرّاج وأبلغه أن القاهرة ممتعضة بشدة من قيام الكتائبيين والسوريين القوميين في زحلة يوميًا بإطلاق أعداد كبيرة من الكلاب في شوارع المدينة وقد علّقت في رقابها صور للرئيس جمال عبد الناصر، وأن السراج اتصل به (أي ببرهان) وطلب منه تكليف بعض العناصر بزرع كمية من المتفجرات في تلك المدينة، ونتيجة استحالة إدخال أي كمية من المتفجرات إليها بسبب الإجراءات المشددة وعمليات التفتيش الدقيقة للسيارات والأفراد التي كان الكتائبيون يطبقونها على مداخل المدينة، فقد قرر (أي برهان) إرسال بغل ملغوم لتفجيره داخل المدينة وذلك باستبدال حشوة بردعته من القش والتبن بكمية كبيرة من البلاستيك المتفجر، وأردف برهان قائلا إنه أنجز هذه العملية وسيدخل أحد العناصر العاملين معه البغل الى المدينة صباح اليوم التالي.

في ظهيرة اليوم التالي جاءني أحد المقاومين العاملين في منطقة البقاع ليتسلم بعض الأسلحة وأخبرني أن إنفجارا هائلا قد وقع صبيحة اليوم في زحلة أدى لوقوع بعض الضحايا وتسبب بدمار كبير، وعندما استوضحته قال لي: لقد انفجر حمار قرب بيت الكتائب، فتذكرت البغل الذي طلبه برهان في اليوم السابق واستوضحته قائلاً: هل أنت متأكد أن الذي انفجر كان حمارا؟ فأجابني: لقد كنت أتناول الطعام في مطعم فتوش في المدينة حيث سقط رأس الحمار في حديقة المطعم وقد رأيته بأم عيني.

لدى لقائي ببرهان أدهم بعد ذلك وكنت قد نسيت موضوع انفجار الحمار، قدّم أحد الأشخاص الموجودين في مكتبه بالقول: أقدم لك هذا (القبضاي) الذي قام بعملية تفجير البغل في زحلة، فضحكت طويلا وقلت له: لقد تناهى الى علمي أن هذا البغل تحول بقدرة قادر الى حمار، قلت ذلك وعيناي مسمرتان في وجه ذاك المقاوم الذي أخذ يتصبب عرقاً، فاستوضحني برهان عما أقوله، فرويت له ما أخبرني به الرجل البقاعي الذي شاهد رأس الحمار، عندها التفت برهان الى الرجل وقال له: شو القصة؟ فرد وهو يتلعثم: سأخبرك الحقيقة، بعد استلامي للبغل قلت في نفسي إن البغل غالي الثمن وقوي وهو يصلح للفلاحة في أرضي وطالما أنه سوف يموت فلماذا لا أستبدله بحمار؟ وبالفعل فقد قمت بشراء حمار بمبلغ زهيد وحملته بكيس من الفول الأخضر وذهبت به الى زحلة حيث سمح لي حاجز الكتائب بالدخول بعد تفتيشي، وفي زاروب ضيق الى جانب بيت الكتائب ربطت الحمار ووضعت قلم التوقيت في المكان المخصص في البردعة وانطلقت عائدا الى بلدتي جب جنين، وقبل وصولي الى البلدة سمعت صوت إنفجار مدوٍ عرفت إثرها أن المهمة قد نجحت، إلا أن البغل ما زال بحوزتي وأنا على إستعداد لإعادته إليكم، فضحكنا أنا وبرهان طويلاً وقال له برهان حلال عليك البغل، بعد هذه العملية أحجم الكتائبيون عن عملية إطلاق الكلاب في شوارع زحلة بالصورة التي ذكرت، نهائيًا.

 

فرنجية يطلب مسدسًا لمعوض

بعد أن عمّت الثورة أنحاء لبنان بدأ تدفق اللاجئين السياسيين الى دمشق، كان أول الوافدين إليها المرحوم صائب سلام ثم تبعه المرحومان سليمان فرنجيه ورينيه معوض والصحفيون سليم اللوزي وسعيد فريحه وأسعد المقدم وغيرهم، ثم توافدت أعداد من زعماء الحركات الوطنية يطلبون إمدادهم بالسلاح والمال، وكان من بين هؤلاء الكثير ممن ليس لهم علاقة بالثورة أو الثوار ومع ذلك كانت دمشق تفتح ذراعيها وتستقبل الجميع وتعطي وتدعم الجميع.

المرحومان فرنجيه ومعوض أقاما فترة في فندق أمية بدمشق، فكلّفني السرّاج بتلبية طلباتهما، وما لبثا أن انتقلا للإقامة والتنقل بين حمص وطرطوس للإشراف على سير المعارك الدائرة في شمال لبنان مع حليفهما المرحوم رشيد كرامي الذي بقى متواجدًا هناك، وقبيل انتقالهما من دمشق طلبني المرحوم فرنجيه وقال لي: بالأمس كنت مجتمعا بالمقدم عبد الحميد السرّاج وطلبت منه مسدسًا من طراز معين فاعتذر لعدم وجود مثل هذا النوع في المستودعات، وقد قيل لي إنه قد يكون متوفرًا لدى باعة الأسلحة المهرّبة، فهل تستطيع أن تتدارك لنا ذلك؟

فقلت له: من المعروف أنك يا سليمان بك من أشهر الشخصيات التي تقتني أندر أنواع السلاح، فأجابني: لا أريد المسدس لي فلديّ سلاحي الشخصي ولكني أريد تقديمه للأستاذ رينيه معوض.

تلبية لهذا الطلب إتصلت بأشهر مهرّبي السلاح في دمشق، وبعد جهود أفادني المهرّب أنه قد باع منذ أسبوع مسدسًا من النوع المطلوب لأبي عبده العشي (المرحوم أحمد العكاوي) وكان بيني وبين المرحوم العشي ود واحترام متبادلان، فهو من قدامى المجاهدين الذين قاتلوا الإحتلال الفرنسي وكان في الوقت نفسه أحد وجهاء دمشق وزعيمًا لأحد أحيائها، إضافة لكونه من الأصدقاء المقربين من الرئيس شكري القوتلي، ذهبت إليه في حانوته الكائن بمحلة العمارة ورويت له قصتي مع سليمان فرنجيه فما كان منه إلا أن هبّ واقفاً وأحضر لي علبة وبداخلها المسدس المطلوب (كان من نوع سميث ويسون بكر ماسورة قصيرة) قائلاً هذا هو المسدس وهو لا يغلى عليك.

كنت قد سمعت من المهرّب أن أبا عبده قد دفع مبلغ ألفي ليرة ثمناً للمسدس فمددت يدي لأعطيه المبلغ الذي دفعه، فقال لي بلهجته المحببة معاتبًا: «شو هاد خالي.. عيب عليك هادا سليمان بك قبضاي ومجاهد مثلنا.. وهادا الفرد هدية مني إلو»، حاولت معه المستحيل ليقبل الثمن ولكنه ظل مصرًا على الرفض، وقبيل انصرافي إستدرك بالقول «خالي أنا ما أخذت الفرد بدون ذخيرة»، ومد يده ليسلمني خمس علب ذخيرة قائلاً: هدية مني لسليمان بك.. سلم لي عليه. رويت القصة كما حدثت للمرحومين فرنجيه ومعوض عندما سلمتهما المسدس وذخيرته، فقال لي المرحوم فرنجية: في هذا الزمن هذا النوع من هؤلاء الرجال نادر وقليل.

 

إغتيال فؤاد حداد وغندور كرم

في ذاك الوقت أصبح الوضع في لبنان على النحو التالي: مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة جنبلاط يقاتلون في الشوف، ومقاتلو معروف سعد يقاتلون في صيدا وبعض بلدات الجنوب، وفي الشمال كانت الثورة بقيادة كرامي ومعوض وفرنجيه، أما في بيروت فقد اقتصر الوضع على قيام المظاهرات الصاخبة التي كانت تصطدم بقوى الأمن مؤدية لوقوع الإصابات بين الجانبين وعلى الأخص عندما بدأ المتظاهرون يستعملون بعض الأسلحة الفردية الصغيرة، في حين كانت الصحف الموالية لشمعون تشن حملة إعلامية مكثفة ضد سوريا وتخص الرئيس جمال عبد الناصر بأقذع السباب والشتائم، رغم أن الوحدة بين مصر وسورية لم تكن قد حصلت بعد.

وكان يحمل لواء تلك الحملات البذيئة إثنان من الصحفيين هما فؤاد حداد وغندور كرم، وكان الأخير يكتب زاويتين في جريدتي «النهار» و«البناء» مادتهما كلها ضد سورية ومصر، بينما كان الأول يكتب زاوية في جريدة «العمل» الكتائبية يوقعها باسم (أبو الحن)، وكانت هذه الزاوية سليطة ومبتذلة لدرجة لا تصدق، فقد كتب مرة بمناسبة انتخاب شارل مالك (ألد أعداء القومية العربية) لرئاسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة: إن المائة والسبعة والخمسين صوتاً التي حصل عليها مالك في انتخابات الجمعية العمومية هي بمثابة مائة وسبعة وخمسين بصقة في وجه جمال عبد الناصر.

 

زعيمان يقبضان

في تلك الفترة عاد الى بيروت من المهجر السيد رشيد شهاب الدين وكان من المؤمنين بسورية وبعبد الناصر وبالقومية العربية، فجن جنونه عندما اطلع على ما يكتبه فؤاد حداد وغندور كرم، وقرر قتلهما، بدأ بغندور كرم حيث استدرجه الى المدينة الرياضية وهناك قام بتصفيته بإطلاق النار على رأسه، ثم برزت بعض العقبات التي حالت دون إجهازه على فؤاد حداد واضطر للتواري عن الأنظار.

سمعنا الخبر في سورية ولا أنكر أننا سررنا به، وبعد بضعة أيام من اغتيال كرم جاءني الصديق السيد رجا الشربجي وأخبرني بأن السيدين صائب سلام وعبد الله اليافي أخبراه أن السيد شهاب الدين موجود في دمشق وكلفاه أن يتوسط لدى السلطات فيها لتأمين رعايته، وأعطاني عنوان المكان الذي يقيم به، فذهبت إليه وتعرفت عليه ورحّبت به وروى لي تفاصيل العملية التي قام بها، فقلت له: كان من الواجب أن تتصل بالسلطات السورية فور وصولك الى دمشق لتقوم بالواجب نحوك، فقال لي إنه ميسور وليس بحاجة لأية مساعدة، ولما سألته عن السلاح الذي نفّذ به عملية اغتيال غندور كرم أبرز مسدسًا صغيرًا من عيار 6 ملم، ومن المعروف أن سلاحا من هذا العيار ليس مجديًا إلا إذا أطلق على قلب الضحية أو رأسه من مسافة قريبة جدًا، أخذت منه المسدس وأعطيته بدلاً عنه مسدس هيرستال سريعًا عيار 9 ملم وقلت له هذه هديتنا لك، كما أعطيته رقم هاتفي وطلبت منه الإتصال بي عندما يحتاج أي شيء.

أخبرت رئيس الشعبة بأمر السيد رشيد شهاب الدين فقال لي: إننا نحتاج لشخص من هذه النوعية، وطلب مني أن آخذ السيد شهاب الدين وأعرّفه على برهان أدهم رئيس فرع شؤون لبنان، وتم ذلك، وبعد عدة إجتماعات عقدت بين الرجلين بإشراف رئيس الشعبة تقرر إنشاء قوات المقاومة الشعبية في بيروت وعهد بقيادة تلك القوات للسيد شهاب الدين الذي استدعى بدوره بعض شباب بيروت المعروفين باتجاههم الوطني أذكر منهم محمود وهبي وجميل دعبول وأحمد المغربي، بالإضافة الى آخرين بعضهم من محبي المقامرة وبعضهم مرتزق، وتم إنشاء تلك المقاومة وبدأ النضال المسلح في بيروت.

كنت مكلفاً في ذلك الوقت بتسليم بعض الأموال لبعض الزعماء اللبنانيين الذين كانوا يتوافدون على دمشق لطلب المساعدة لمساندة الثوار بالمال وكان من بينهم الكثير من الأدعياء، وعلى رغم ذلك فقد كانت سورية تدفع لهم ثمن أتعابهم وزعامتهم في المناطق اللبنانية ومن بين هؤلاء زعيمان أحدهما جنوبي والآخر بقاعي يمتان لبعضهما بصلة النسب، لم تطلق في مناطق زعامتيهما طلقة واحدة، فالبقاعي كانت منطقته وجوارها خاضعة لسيطرة السوريين القوميين، أما الجنوبي فإن الثورة لم تتجاوز في قطاعه الجنوبي منطقة صيدا التي كان المناضل معروف سعد وجماعته يقاتلون فيها.

كان البقاعي يغيظني جدًا عندما كنت أسلمه مخصصاته الشهرية، وكانت تبلغ مئة ألف ليرة سورية فقد كان يطلب مني بذلّ ورجاء التوسط لدى عبد الحميد (بك) السرّاج ليدفع له مبلغاً إضافيا يوازي الفرق بين العملتين السورية واللبنانية وكان يقول إن مئة ألف بالليرة السورية تعادل خمسة وسبعين ألف ليرة لبنانية، وإنه حتى لو دفع له الفرق فستبقى الخسارة قائمة لأن هناك فرق الفرق أيضًا.

كان الزعيمان الآنفا الذكر يفدان الى دمشق أول كل شهر وينزلان في فندق سمير في ساحة المرجة ويحرصان على إخفاء علاقة كل منهما بالشعبة الثانية في سورية ويرجواني مراعاة هذه الناحية وعدم تسليمهما المال أمام بعضهما، وعلى رغم ادعاء كل منهما بأن المال الذي يتسلمانه يذهب برمته للمناضلين اللبنانيين، إلا أنني كنت متيقناً أنهما كانا يحتفظان بالمال بل يبيعان السلاح الذي يحصلان عليه للطرف الآخر المعادي.

إزاء إلحاح البقاعي للحصول على فرق العملة المطلوب قررت أن أفضح النسيبين أمام بعضهما وليكن ما يكون، ففي آخر الشهر وضعت مبلغ المئة ألف ليرة السورية في حقيبة من حقائب شركة الطيران وذهبت الى فندق سمير بعد أن علمت بوجودهما فيه، وعندما دخلت صالة الفندق شاهدتهما يتصدران الصالون وحول كل منهما لفيف من جماعته. ما أن شاهداني قادمًا حتى هبّا واقفين، كان البقاعي ينظر إليّ وأنا أتقدم باتجاهه ويشير بحاجبيه الى الأعلى، فتصنّعت الغباء وتظاهرت بعدم فهم إشارته وجلست بينهما وبعد التحية التفت نحو البك البقاعي وقلت له وأنا أحرص على إسماع نسيبه الحديث: هذا هو المبلغ في الحقيبة وهو مئة ألف ليرة سورية، أرجو أن تحصيه للتأكد، وأخذ وجه الزعيم يتصبب عرقاً، ثم قمت مودعًا وانصرفت، إثر ذلك شكاني ذاك الزعيم للسرّاج مدعيًا بأنني تسببت بفضيحته أمام نسيبه الجنوبي.

* من كتاب سامي جمعة أوراق من دفتر الوطن (1946 ـ 1961)

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل