#adsense

كميل أبو سليمان… وزير الكفاءة و”العمل”

حجم الخط

من الأشرفية إلى المشرّفية، طريق يسلكه يومياً وزير العمل كميل أبو سليمان. قد يبدو الأمر غريباً عندما يكون وزير القوات اللبنانية هو الذي يدخل إلى قلب الضاحية الجنوبية، لكن الوزير الذي نُصح مراراً أن يداوم في مبنى اللعازارية لاعتبارات أمنية، أصرّ على الحضور إلى مكاتب وزارته في المشرّفية ليبعث برسالة مفادها  أنه “لا يجوز أن تكون هناك منطقة محظورة على أحد في لبنان”، وهكذا كان، وها هي الأمور تسير اليوم بشكل عادي وروتيني كما يقول الوزير المقتنع بأن ليس بإمكانه القيام بعمل سليم أو مراقبة عمل الموظفين بدقة ما لم يكن حاضراً في المبنى الرسمي لوزارته، وإن كان ذلك المبنى “المهمل” لا يشبه على الإطلاق أناقة أبو سليمان الشخصية والفكرية.

فالوزير المترفّع الذي لا يرضى إلا بأن يسافر على حسابه الخاص في المهمات الرسمية (من زيارات وحضور مؤتمرات عربية ودولية)، والذي يموّل حملة تشريع العمالة غير الشرعية من جيبه الخاص وبمساعدة رفيقين له لأنه مؤمن بأن”ما بيحرّك شغلك إلا إبن بلدك”، ليس غريباً عليه أن يقوم بسابقة فيخضع لقانون الإثراء غير المشروع ولكن ليس بالـ”الطبعة اللبنانية” لأنها غير موثوقة برأيه، بل من خلال مكتب عالمي استعان به أبو سليمان ليدقّق في حساباته الشخصية وحسابات زوجته طيلة فترة توليه الوزارة.

قد لا يعرف كثيرون أن وزير العمل، كما روحه، رياضي بإمتياز ويهوى رياضة المشي والتزلج على الثلج وعلى الماء وقد نجا من “زحطات” عدة كادت تكون مميتة، لكنه لا يخاف “الزحطات” في السياسة ويقول: “طالما أعمل  وفق ضميري، فلا شيء يخيفني ومش فارقة معي”.

بفضل أسلوب الوزير أبو سليمان الشفاف وطريقته الجدية في العمل تبدّلت النظرة إلى وزارة العمل الذي يربطه بها نوع من “النوستالجيا”… كيف لا وهي الوزارة الوصية على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي كان والده شاكر أبو سليمان الوكيل القانوني له على مدى 20 عاماُ.

سبق للوزير الآتي من خلفية قانونية دولية أن وعد بـ”نفضة” لوزارة العمل شكلاً ومضموناً، فهل وُضع قطار الإصلاح على السكة الصحيحة، أم أن العين بصيرة واليد قصيرة؟ يؤكد أبو سليمان أن سمعة الوزارة تتحسّن شيئاً فشيئاَ ويقول: “إننا في ورشة، فمن حيث الشكل نحن بانتظار الموازنة، أما من ناحية المضمون، فيمكن للجميع أن يلاحظ بأن طريقة التعامل أصبحت مختلفة وجيدة جداً والمواطنون مرتاحون لها وللسرعة في بت الطلبات”.

لن أحرق أصابعي

وزارة العمل التي تُطرح حول سمعتها أكثر من علامة استفهام قد تكون بمثابة كرة نار بين يدي الوزير، لكن أبو سليمان لا يخاف أن يحرق أصابعه “لأن لا طموح سياسياً وشخصياً لدي، وأنا تركت أشغالي في الخارج وعدت إلى هنا لخدمة بلدي ليس إلاّ، فلا حسابات عندي سوى العمل لمصلحة لبنان واللبنانيين وبما يمليه عليّ ضميري ووفق طاقتي وإمكاناتي”.

لا شك في أن ثمة إجماعاً حول أن الوزير الراقي والكفوء لم يأتِ إلى الوزارة للمناصب والوجاهة بل لتوظيف خبرته في بلده، ولكن إلى أي مدى يمكن أن تعطيه وزارة العمل هذه الفرصة ليخدم بلده؟ يرى الوزير الطموح أن نطاق وزارة العمل واسع جداً وعليها مسؤوليات كبيرة وبالتالي فإن من يريد أن يعمل بجدية سيجد أمامه المجالات واسعة.

تشريع العمالة الأجنبية

بُعيد تعيينه صرّح أبو سليمان انه سيذهب إلى أماكن حيث لا يجرؤ آخرون في بعض الملفات، فهل تجرّأ وأين؟ يجيب “نعم تجرّأت عندما لم أكتفِ بالكلام عن العمالة الأجنبية غير الشرعية وفي مقدمها العمالة السورية. وعليه، باشرت بتنفيذ خطة الوزارة في مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية، لأن عدم المعالجة يترك تداعيات سلبية كبيرة على الأمن الاجتماعي والاقتصادي ويخيّر شبابنا بين البطالة والهجرة”.

خطة وإجراءات

وإذ يرى أن مكافحة العمالة غير الشرعية هي في صلب دور وزارة العمل وصلاحياتها، وهي الخطة الأولى المتكاملة في هذا الإطار، يتحدث أبو سليمان عن الإجراءات التي ترتكز عليها الخطة بخطوطها العريضة وأبرزها:

1- إعطاء مهلة شهرٍ للمخالفين لتسوية أوضاعهم، تبدأ في 10 حزيران. (وهنا ينصح الوزير كل المؤسسات التي لديها عمال اجانب غير مسجلين في وزارة العمل ان يبادروا الى تسجيلهم لأن الرسوم سترتفع بعد إقرار الموازنة في مجلس النواب).

2- تفعيل جهاز التفتيش في الوزارة الذي يضم 30 مفتشاً فقط.

3- تشكيل لجنة مشتركة من ممثلين عن الوزارات التي لديها جهاز تفتيش للتنسيق وتبادل المعلومات في شأن المخالفات المتعلقة بالعمالة الأجنبية.

4- إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين وزارة العمل وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة وسائر الوزارات عند الحاجة إلى التنسيق ومواكبة ومؤازرة مفتشي وزارة العمل.

5- تحرير محاضر ضبط في حق صاحب العمل المخالف.

6- إقفال المؤسسات المملوكة أو المستأجرة من أجانب لا يحملون إجازة عمل.

وفي هذا المجال، يؤكد أبو سليمان “أن هذه الخطة بعيدة كل البعد عن أي عنصرية ، وإذا كان الهدف إعطاء الأولوية للعامل اللبناني، فلا يعفينا ذلك من الحرص على التعامل مع اليد العاملة الأجنبية بكل احترام وإنسانية بما يعكس صورة لبنان الحضارية. فالمسؤولية وطنية في لحظة حرجة اقتصادياً واجتماعياً”.

انتهت “المزحة”

ولكي تسلك الخطة مساراً عملياً، ولوضع حدّ لـ “مزحة” أن اللبناني لا يريد أن يعمل، والتي يلجأ اليها البعض لتبرير عدم تشغيل اللبنانيين، شدّد الوزير على ضرورة التعاون بين أرباب العمل والعمال، ولهذه الغاية، عُقد في الوزارة اجتماع بين نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري ورئيس اتحاد نقابات موظفي وعمال الفنادق والمطاعم والتغذية ومدير مكتب الوزير لمتابعة تطبيق الخطة، وتمّ الاتفاق على فتح  الموقع الإلكتروني لاتحاد نقابات موظفي الفنادق والمطاعم واللهو والتغذية أمام اللبنانيين لنشر السير الذاتية لهم، وفي المقابل بريد الكتروني تعرض فيه المؤسسات السياحية الوظائف الشاغرة والمطلوبة. ويكشف الوزير أبو سليمان أنه في خلال 48 ساعة تلقى الموقع الإلكتروني 18 ألف طلب عمل من لبنانيين يحتاجون الى وظيفة… ما يدحض مقولة أن اللبناني لا يريد العمل في هذا القطاع أو ذاك، مع الإشارة إلى أن الخطة أوردت أيضاً انه سيُفرض على المؤسسات تشغيل نسبة معينة من اللبنانيين وذلك وفق كل قطاع واحتياجاته.

إجماع لبناني

يميّز وزير العمل في ملف النازحين السوريين بين دور الوزارة لناحية تطبيق القانون اللبناني وتأمين مصالح اللبنانيين وفي نفس الوقت معالجة العمالة السورية بطريقة هادئة وعلمية، وبين الشق السياسي للموضوع. فمن الزاوية السياسية، يؤكد “أن ثمة إجماعاً لبنانياً على ضرورة أن يعود النازحون السوريون إلى بلادهم وبطريقة آمنة، وعلى الجميع التعاون ومن لديه علاقات مع النظام فليسأل لماذا لا يتم تسهيل عودتهم؟” ولكن موقف حزب القوات اللبنانية معروف برفض التطبيع مع النظام؟! يردّ أبو سليمان ” صحيح لا نريد استخدام ملف النازحين للتطبيع مع النظام، لكن هناك جهات لبنانية وتحديداً أجهزة أمنية يمكنها أن تنسّق في هذه القضية”. ويسخر الوزير من بعض الذين يتهمون الحزب الذي يمثله بعرقلة عودة النازحين ويقول “إنها اتهامات غير منطقية بل مضحكة، إذ كيف لعاقل أن يُصدّق بأننا نريد إبقاء السوريين في أرضنا”.

ورشة للإصلاح

في أي حال، إن قضية تشريع العمالة الأجنبية هي جزء من ورشة الإصلاح التي وعد بها الوزير أبو سليمان وانطلقت من خلال خطة طموحة عناوينها الأساسية هي التالية:

1- تحديث قانون العمل، الذي يفوق عمره الـ 60 عاماً، ليتماشى مع احتياجات سوق العمل ومع معايير العمل الدولية، وقد تمّ إنشاء لجنة للتحديث تعمل على أكثر من ملف مثل تغيير نظام الكفالة وتنظيم وضع العمالة الأجنبية وغير ذلك.

2- الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المطلوب تطويره وإعادة هيكلته، لقد وعد الوزير بوضع حدّ لإذلال المواطنين على أبواب الصندوق وتسهيل تقديم الطلبات وعدم التأخير في قبض المستحقات وتسهيل قبضها. فماذا تحقق من هذه العناوين؟ يردّ الوزير مؤكداَ أن الضمان هو الملف الأصعب، مشيراً إلى أنه سيطلب من مجلس الوزراء اتخاذ تدبير استثنائي للسماح بزيادة عدد الموظفين في الصندوق الذي يعاني من شغور بنسبة 50 في المئة، علماً أن عدد موظفي الوزارة 120 فقط مع المفتشين ( 30 مفتشاً ) في حين هي تحتاج إلى 220 موظفاً على الأقل، هذا لناحية التوظيف، أما بالنسبة إلى الديون المستحقة له على الدولة، فاقترح أبو سليمان جدولة هذه الديون التي تفوق الملياري دولار وذلك على عشر سنوات ابتداءً من العام الحالي، باعتبار انها الطريقة الوحيدة لإعادة الأموال إلى صندوق الضمان خصوصاً انها أموال الشعب اللبناني، ويرى الوزير أنه من غير المسموح استعمال أموال صندوق التقاعد لتغطية فواتير الضمان الصحي لأنها أمانة.

3- تفعيل المكننة والخدمات الإلكترونية لتعزيز العلاقة بين المواطن والوزارة وتبسيط وتسهيل الإجراءات على المواطنين، وقد اُعيد تحريك مشروع المكننة المتوقف منذ 5 سنوات. ويكشف الوزير عن إنشاء مركزين نموذجيين للضمان الاجتماعي يعتمدان المكننة والخدمات الإلكترونية، كما سيتم العمل على تغيير مجلس إدارة الضمان بعد أن بات نصفه شاغراً، وهذا يتطلب مرسوماً من مجلس الوزراء.

4- تفعيل المؤسسة الوطنية للاستخدام، التي مضى على إنشائها 42 عاماً، والمطلوب بالتالي تجديد شبابها كما يؤكد الوزير الذي يعتبر أن الهدف منها هو رسم سياسة الاستخدام في لبنان وتأمين فرص العمل للشباب اللبناني.

إضافة إلى هذه العناوين يكشف أبو سليمان انه سيطرح لاحقاً قضيتيْ وضع النقابات في لبنان ومجالس العمل التحكيمي.

مفاتيح الحل

الإصلاح والشفافية والكفاءة هم مفتاح الحل للوضع في لبنان، بهذا يجيب أبو سليمان عندما نسأله عن قضية التعيينات، فالمحاصصة برأيه هي نوع من الفساد والتعيين لا يجوز إلا أن يكون وفق معيار الكفاءة فقط ووفق آلية واضحة وشفافة لا تكون مفصّلة على قياس أشخاص ومحسوبيات، أما في موضوع الموازنة فكان يتمنى وزير العمل أن تكون أفضل وأكثر جرأة على حدّ تعبيره، ولكن ما تحقق ليس عاطلاً  كما يقول داعياً إلى “استكمال الإجراءات المتفق عليها مثل التهرّب الجمركي والتهرّب الضريبي وتشركة قطاع الاتصالات والمرفأ، فضلاً عن الوضع النقدي، لأن كل ذلك يتطلب سرعة في المعالجة واتخاذ التدابير اللازمة والقرارات الصعبة أحياناً”.

ولكن ما الذي يعيق السرعة في بت هذه الأمور الحيوية ولا سيّما أن استحقاقات ضاغطة تدهمنا وأبرزها “سيدر”؟  يعزو أبو سليمان السبب إلى عدم الوعي والإدراك لخطورة ودقة الحالة الاقتصادية والمالية في البلد والتي تتطلّب إجراءات ناجعة وطارئة. ويقول: “نأسف أن بعض المسؤولين لا يقدّرون خطورة حجم الدين الذي بلغ 90 مليار دولار، وما زالوا يعتقدون أن ثمة حلولاً سحرية ستأتي ربما من النفط أو من إعادة إعمار سورية، فعلى الجميع أن يفهم أن لا حلول سحرية في هذا المجال وعلينا التحرك والتصرف بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الحسابات الضيقة”.

علامات الوزير

إثنان على عشرة (10/2) هي العلامة التي يضعها الوزير للأمور الإدارية في لبنان، أما البيئة فوضع لها صفراً، مشدّداً على أن علامته لا تعني انتقاداً لوزير البيئة على الإطلاق “لأنه يعمل بجدية ونحن نسانده، لكن هذا هو الواقع البيئي مع الأسف، والذي لا يجب السكوت عليه لأن المسألة تتعلق بصحة المواطن وحياته وهذه خط أحمر”. أما الوضع الاقتصادي فعاطل جداً كما يقول الوزير، والمطلوب برأيه “وعي أكثر وجرأة أكبر. فالبعض لا يزال يتعامل مع الأمور إما بحياء أو بخشية من اتخاذ القرارات الصعبة أو غير الشعبية”، ولكن رغم ذلك ورغم قلق الوزير على مستقبل البلد، لا يعتبر اننا ذاهبون نحو الانهيار، بل يفضّل استبدال كلمة انهيار بعبارة “تعثّر”.

جواز المرور… سمعة

من يقترب من الوزير كميل أبو سليمان ويتعرّف عليه أكثر فأكثر، لا يستغرب الإجماع على كفاءته وتجربته التي لا شك شكّلت جواز مرور له إلى الوزارة، وعندما تسأله لماذا وضعت “القوات” عينها عليك يجيب: “كان الدكتور سمير جعجع يراقب مساري وفق ما أخبرني وكان معجباً بتجربتي كوني كنت منذ العام 1995 المحامي الأساسي لكل إصدارات اليوربوند التي تقوم بها الدولة اللبنانية، كما إنني المحامي لمجموعة من الدول في إصدارها للسندات على الأسواق المالية العالمية”.

ولكن ماذا لو تعارضت قناعات الوزير مع رأي ومواقف الحزب الذي يمثله في الحكومة، ماذا يختار؟ “أختار ضميري بلا شك ” يقول مضيفاً: “للأمانة أؤكد أن كل ما تطالب به القوات اللبنانية يتوافق مع ضميري. فخياراتي تتطابق مع خياراتهم سواء محلياً أم على الصعيد الاستراتيجي، فأنا مثلهم استفيق كل يوم لأجد نفسي في الخيارات ذاتها التي كنت عليها في اليوم السابق”.

المصدر:
مجلة الاقتصاد الاعمال

خبر عاجل