وجوديّة الوطن الأهمّ

دخل لبنان في الساعات الحاسمة. لا بدّ من وضع حدّ للتّجاوزات التي تحصل من كلّ حدب وصوب. فلبنان ما عاد يحتمل انكشافات في شتّى المجالات. لقد وصلنا في دَرْكِنا إلى الحضيض. وما عادت البلاد تحتمل اللّعب على حافّة الهاوية من قبل أحد. فهل يستطيع لبنان المنقسم على ذاته أن يتوحّد عندما تصبح القضيّة قضيّة وجود أو عدمه؟

تشهد الساحة اللبنانيّة إعادة تنظيم للتحالفات السياسية التي كانت سائدة في المرحلة التي امتدّت بين 2005 وحتى تاريخ التسوية الرئاسية. أو قل: مرحلة الانتخابات النيابيّة الأخيرة أيضًا. صحيح أنّ هذه التّحالفات قد تضعضعت، لكنّ الثابت الوحيد فيها أنّها كانت وجوديّة بامتياز. فالطرفان يبحثان عن وجوديّتهما السياسية، مع تمايز ملحوظ للطرف السيادي الذي كان واضحًا في بحثه عن الوجودية الوطنية الممتدة من ثابتتين اثنتين: محاربة الفساد، والسيادة الوطنيّة الكاملة وغير المنتقصة.

وبعد جنوح بعض أطراف الطرف السيادي لغايات وجوديّة شخصيّة، أدرك هذا البعض بأنّ الوجوديّة الحقيقيّة التي تضمن ثباته في لبنان، هي الوجوديّة الوطنيّة. ولا صوت يعلو فوق صوت الوطن. لذلك شهدنا استدارة حريريّة صوب القوّات اللّبنانيّة، تبعتها الاستدارة الجنبلاطيّة صوب بيت الوسط. بذلك عاد هذا الثلاثي ليشكّل عماد اللّعبة السياسيّة بعدما كان حزب القوّات اللّبنانيّة الباقي الوحيد في ثباته.

من هذا المنطلق، ستشهد جلسات مناقشة الموازنة احتدامًا كلاميًّا بين هذين الطرفين، يتمايز فيه القوّات اللّبنانيّة بوضعه الاصبع على الجرح تمامًا. لا بل أكثر من ذلك، لقد قدّم حزب القوّات اللّبنانيّة خارطة طريق ليس أوّلها مكافحة التهرّب الجمركي وضبط الحدود، ولن تكون خاتمتها إلا بالوصول إلى الهدف المنشود.

من هنا، تعمل القوى الاقليميّة على تثبيت قواها في لبنان. وتندرج في هذا السياق زيارة رؤساء الحكومات السابقين للمملكة العربيّة السعوديّة، وهي أي الزّيارة، تندرج في سياق دعم رئيس الحكومة الحالي من خلال تثبيت قوّته وامتداده الاقليميّين.

ودوليًّا ما يجب ملاحظته هو أنّ لبنان بات اليوم بين فكّي كمّاشة جديدين:

– منظومة صواريخ S400 الجديدة في تركيا.

– طائراتF 35 الشبح الجديدة التي تسلّمتها إسرائيل.

وفي ذلك إشارة إلى أنّ المواجهة لا بدّ واقعة. فتركيا تسعى إلى مسايرة روسيا دوليًّا وترفض الصفقة التي قبلتها إسرائيل من أميركا، وذلك لتضمن وجودها ضمن الـ20 ألف كيلومتر التي تحتلّها في سوريا؛ بينما إسرائيل البنت الاميركيّة المدلّلة، تزيد من منظوماتها التي انتقلت من الدفاع إلى الهجوم. (لأنّ الطائرات المذكورة تندرج في سياق الهجوم لا الدفاع).

لذلك كلّه، الانقسام الموجود اليوم في الساحة اللبنانيّة يجب أن يقف عند المشترك بين طرفيه. فالانسحاب الناعم الذي مارسه حزب الله من سوريا يجب أن يصرف في الساحة الداخلية، لا في الساحة الاقليميّة. لبنان لا يحتمل الانغماس في المواجهات الوجوديّة الاقليميّة. يكفيه فقط أن يصون وجوده.

من هنا، لم يعد مجديًا البحث عن كيفيّة تسجيل نقاط في السياسة الداخلية في وقت حجر الرّحى الدولي يتّجه نحو المنطقة، وقد يأخذ لبنان تحت أسنانه. المطلوب الانتقال من مواجهة الموازنة التي لا تبدو على قدر طموحنا، نحو مواجهة حقيقيّة في طريقة صرف أموال سيدر في المشاريع الانتاجيّة؛ لنستطيع نقل لبنان الرّيعي إلى عالم الاستثمارات المقبل إلى المنطقة بشراسة.

على ما يبدو أنّ فرضيّة الاتحاد الوجودي هي التي ستهيمن على المرحلة المقبلة، ونأمل أن يكون قد اقتنع الطّرف غير السيادي بأنّه لا مجال بعد اليوم للوقوف بوجه العاصفة. علينا أن نتحلّى بحكمة الأفاعي لنستطيع النّهوض بما تبقّى من الوطن. فهل سيتقبّل الطّرف الذي خاض الحروب لوجوديّته طيلة نيّف وثلاثة عقود، أن ينخرط في وجوديّة الوطن التي لا يخفي شكوكًا حولها؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل