

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1696
لولا غازي عاد…
وإن غاب، فلن تموت القضية
لم يكن خبر إلزام مجلس الشيوخ الإيطالي الحكومة الإيطالية بالتحقيق في مصير المعتقلين والمفقودين في السجون السورية الذي حمله رئيس منظمة «سوليد» الراحل غازي عاد إلى الأهالي عاديا. يومها كانوا ما زالوا مقتنعين بأن مطلق اي حراك، سيعيد خلط الأوراق في ملف اولادهم المعتقلين. نصبوا خيمة أمام مبنى الإسكوا في 12 نيسان 2005 ورفعوا الصوت عاليا علّ أحدهم يسمع صرخة ووجع قلب أم تطلب عودة إبنها. صوتهم كان ولا يزال صادحا في البرية.
بعد عامين وتحديدا في 27 آذار 2007 كان الحدث من قلب مجلس الشيوخ الإيطالي مع إقرار الجمعية العمومية اقتراح تعديل المرسوم الإشتراعي الذي يلزم الحكومة الإيطالية بالتحقق من إمكان طرح مشكلة المعتقلين في صورة غير مسبوقة. غازي عاد دخل ملكوت السماء. أهالي المفقودين صاروا في غالبيتهم في أحضان السماء، والمفقودون في السجون السورية لم يعودوا بعد… وباستثناء حزب «القوات اللبنانية» الذي قرر أن يحول ملف المعتقلين اللبنانيين إلى قضية مطروحة على منابر المنظمات الدولية لأنو حقنا نعرف وينن، لا أحد ينادي بحق عودتهم ومعرفة مصيرهم إلا في زمن الإنتخابات.
الحدث كان أكبر من أن يستوعبه قلب أمٍ لم يعد يخفق إلا لسماع خبر ما عن إبنها المفقود حياً كان أم ميتا. ويستعيد أحد الناشطين الحقوقيين الذين رافقوا مسيرة رئيس منظمة «سوليد» الراحل غازي عاد تفاصيل مشروع الخطوة الأولى في تدويل ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية والذي أقفل بعد تجاهل وتعامي الدولة اللبنانية وإنكارها كما الدولة السورية وجود معتقلين في السجون السورية على رغم كل الوثائق والأدلة التي تثبت عكس ذلك.
ويروي الناشط: «بدأت بذور المشروع في العام 2006 وذلك من خلال لقاء مفتوح عقده غازي عاد في أحد الفنادق في كندا بدعوة من إتحاد الشباب اللبناني-الكندي واضاء في خلاله على قضية المعتقلين المنسيين في أقبية المسالخ البشرية في سوريا. من كندا إلى روما حيث المحطة الأبرز التي أضاءت بدورها على ملف لم يسمع به المسؤولون الإيطاليون الذين زاروا لبنان والتقوا رؤساء حكومات سابقين ووزراء ونواب وزعماء أحزاب». واللافت، يستطرد الناشط الحقوقي أنه في كل مرة كان يزور أحد أعضاء مجلس الشيوخ لبنان، كانت تحاط زيارته بالتعتيم أقله عن أعضاء منظمة «سوليد» الذين كانوا سيحمّلونه الملف، ولم يعرّج أي من هؤلاء المسؤولين الإيطاليين ولو لمرة واحدة على أي منظمة معنية بملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية لأنهم ببساطة ما سمعوا بالقضية تُثار أمامهم يوماً إلى أن دقّت ساعة الحقيقة لتأتي القيامة على أيدي الطليان.
الدعوة إلى روما وجّهها مدير المرصد الجيوسياسي للشرق الأوسط في حينه روجيه أبو شاهين. وتم اللقاء في مجلس النواب بحضور رئيس لجنة العلاقات الخارجية النائب كارميلو بريغوليو. وطرح عاد قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وعدّدَ القرارات التي صدرت عن المجموعة الأوروبية والأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وجميعها كان يؤكد على وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية، في حين لا تزال تصرّ السلطات السورية على نكران وجود أي معتقل لبناني في سجونها.
خلال اللقاء مع عاد وأبي شاهين أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الإيطالي السيناتور كارميلو مانتيكا أنه زار لبنان أكثر من مرة عندما كان يشغل منصب وزير الخارجية حتى نيسان 2006، واجتمع مع سياسيين لكنه لم يسمع أحدا يتكلم في الموضوع أو يثير الملف أمامه. من هنا كان الملف مجهولا في قراءات الحكومة الإيطالية، لكن بعد اللقاء ليس كما قبله إذ وعد مانتيكا بعد اطلاعه على وثائق تتضمن تقارير وشهادات لمعتقلين سابقين تُثبت وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية ومشاهد لمعاناة الأهل بطرح الموضوع على جلسة مجلس الشيوخ العامة التي عقدت في 27 آذار 2006 أي بعد 12 يوما على اللقاء، والتي كانت مخصصة لمناقشة التمديد للقوات الإيطالية العاملة في البعثات والمهمات الإنسانية والعالمية.
الملف بحسب الناشط الحقوقي هزّ أعضاء مجلس النواب الإيطالي فكان أن طُرح أمام المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في 29 آذار 2006 الذي كان يعقد لمناقشة مسألة الإعدام في العالم. وبعد الحديث عن تنفيذ احكام إعدام في سوريا في حق معتقلين لبنانيين في السجون السورية بات ممكنا إدراج سوريا على لائحة الدول التي تطبق حكم الإعدام.
27 آذار 2007 كان الحدث من قلب مجلس الشيوخ الإيطالي إذ أقرّت الجمعية العمومية إقتراح تعديل المرسوم الإشتراعي رقم 4 الصادر بتاريخ 31 كانون الثاني 2007 الذي قدمه السيناتور مانتيكا، ويلزم الحكومة الإيطالية بالتحقق في إمكان طرح مشكلة المعتقلين في صورة غير شرعية في السجون السورية من خلال الضغط الدولي عن طريق:
– توسيع مهمة لجنة الأمم المتحدة التي تحقق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الواردة في قرار مجلس الأمن 1595 لتشمل موضوع المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وتكون مهمتها الأساسية والمستعجلة الإهتمام بهذه القضية والتعاون عند الضرورة مع اللجنة اللبنانية – السورية المشتركة.
– الطلب من السلطات السورية الإطلاق الفوري لجميع المعتقلين في السجون السورية والتأكد من عدم وجود أي معتقل في سجونها. كما تلزمها بإعطاء قائمة بأسماء جميع المعتقلين اللبنانيين على أراضيها وأماكن الإعتقال المعروفة والسرية وبأسماء الذين ماتوا تحت التعذيب في سجونها.
– الطلب من السلطات السورية الكشف عن المعلومات التي تملكها عن المقابر الجماعية على الأراضي اللبنانية.
مشروع القرار هزّ أعضاء المرصد الجيوسياسي للشرق الأوسط الذي كان صاحب المبادرة بدعوة سوليد وطرح الملف الإنساني على الرأي العام الإيطالي. وفي لبنان كانت المفاجأة عند الأهالي الذين لم يحصدوا على مدى عقود وعقود إلا الوعود الطنانة والمرض والموت في انتظار عودة أبنائهم من المعتقلات السورية.
ويختم الناشط الحقوقي: «لم يستغرق مشروع القرار الذي طالب بالتحقيق في قضية المعتقلين في السجون السورية أكثر من نصف ساعة في مجلس الشيوخ الإيطالي. وللمرة الأولى لمسنا تفاؤلا جديا لدى أهالي المعتقلين الذين أملوا أن يطرح ملف أبنائهم المعتقلين على طاولة الأمم المتحدة وتشكيل لجنة تحقيق دولية للكشف عن جريمة اعتقال واختفاء 627 لبنانيا في السجون السورية. لكن شيئا لم يتحقق بسبب تجاهل الدولة اللبنانية وعدم تعاونها مع السلطات الإيطالية وأي من منظمات حقوق الإنسان الدولية التي كانت متحمسة للعمل على مساعدة الأهالي في فتح كوة أمل صغيرة وكذلك الأمر بالنسبة إلى السلطات السورية التي استمرت في إنكار وجود أي معتقل لبناني في سجونها. ومع اندلاع الحرب السورية في آذار 2011 تغيّرت كل المعادلات لا سيما بعد الحديث عن تعرض عدد من السجون والمعتقلات للقصف ونقل المعتقلين اللبنانيين والمعارضين السوريين منها إلى سجون أخرى….».
نيسان 2005 قرر أهالي المعتقلين في السجون السورية الإعتصام أمام مبنى الأمم المتحدة «الإسكوا» في وسط بيروت لإيقاظ الضمير العالمي وحثه على التحرك لمعرفة مصير أبنائهم بعدما تأكدوا أن لا صوت صارخ في برية الدولة اللبنانية، كان لا بد من «نشاط صادم»، حتى يستفيق بعض الضمير… 11 عاما والأهالي يعتصمون صيفا شتاء تحت الخيمة مع ركوة الأمل وفنجان الأمل الذي ارتشفوه جرعة جرعة في كل موسم انتخابات. عدد كبير من أهالي المعتقلين ماتوا همًّا وقهرًا ومرضًا وبتاريخ 15 تشرين الثاني 2016 مات غازي عاد. الخيمة «أزيلت» وطوت آخر صفحاتها في 10 كانون الأول 2015 لكن القضية لن تموت في انتظار معرفة مصير 627 مفقودا ومعتقلا في السجون السورية أحياء كانوا أم رفاتا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
