فتوى دستورية مخرج لـ”عقدة” قطع الحساب

بين إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري في الجلسة الصباحية الأولى لمناقشة موازنة 2019، أول من أمس الثلاثاء، عن تلقيه وعدا من رئيس الحكومة سعد الحريري بعقد جلسة لمجلس الوزراء خلال اليومين المقبلين لإقرار قطع الحساب عن السنوات السابقة، واعتذاره في الجلسة المسائية، موضحا للنائب جورج عدوان ألا جلسة للحكومة، وقعت البلبلة. في وقت، أشارت مصادر إلى أن بري تلقى عرضا رئاسيا للحل نقله وزير الدولة لشؤون الرئاسة سليم جريصاتي، فيما لم يصدر موقف نهائي في شأنه عن الحريري.

وأهمية قطع الحساب، أنه جدول يضم بنود الموازنة مع الصرف الفعلي والأموال التي أنفقت في كل بند، مقارنة بالأموال المرصودة للإنفاق في موازنة العام الماضي. ويتمّ التأكد من الصرف والإنفاق مهما كان نوعه من خلال فواتير وإيصالات تحتفظ بها وزارة المال لتبريره. وترفق الجداول بتقرير من ديوان المحاسبة وتُرفع من قبل الحكومة مع مشروع الموازنة إلى مجلس النواب بهدف إقرار قطع الحساب قبل إقرار مشروع الموازنة. وبحسب تقرير ديوان المحاسبة يتم توجيه اللوم أو عدمه إلى الحكومة.

وفي ظلّ الغموض الذي يلف الحلّ “الرئاسي” الذي غمز إلى احتمال تمديد المهلة المعطاة للحكومة لإنهاء قطع الحساب عن السنوات الماضية، ستة أشهر، فسّرت أوساط سياسية هذا المخرج هروباً من عقد جلسة لمجلس الوزراء في الوقت الحالي، بسبب شدّ الحبال القائم على خلفية حادثة قبرشمون.

هذا سياسياً، لكن الأستاذ في القانون الدستوري والسياسي الدكتور أنطوان سعد يشرح المسألة من الناحية الدستورية. ويشير إلى أن “الحكومات السابقة قامت بتمرير الأمور على سجيتها، ومضت سنوات من دون إقرار قطع الحساب للموازنات، في مخالفة صريحة للمادة 87 من الدستور اللبناني”.

ويذكّر سعد، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، بنص المادة 87 من الدستور، بـ(أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على مجلس النواب ليوافق عليها، قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة). ويلفت إلى “ألا ظروف استثنائية في البلاد تمنع الحكومة من إجراء قطع الحساب وإحالته إلى البرلمان”.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الوزراء وافق بتاريخ 29/9/2017، على إحالة مشروع قانون معجّل الى مجلس النواب يرمي الى إضافة مادة الى مشروع الموازنة العامة والموازنات المُلحقة لعام 2017. وتنص على ما يأتي: “على سبيل الاستثناء ولضرورات الانتظام المالي العام، يُنشر هذا القانون (قانون الموازنة) وعلى الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المُدقّقة منذ 1993 حتى سنة 2015، ضمناً خلال فترة لا تتعدّى السنة اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون، وإحالة مشاريع قوانين قطعها الى مجلس النواب عملاً بالأصول الدستورية والقانونية المرعية”.

ويشدد الخبير الدستوري والسياسي لموقع “القوات”، على أنه “بحسب ما يتردد ونسمعه، إقرار الموازنة سيكون مخالفا للدستور. لكن ما يحاول المعنيون القيام به هو إيجاد فتوى دستورية في إطار المهلة المعقولة، بمعنى أنه لن تنقضي سنة 2019 قبل إجراء قطع الحساب، وسيكون إلحاقا بموازنة 2019، ويرجح أن تقوم الحكومة بذلك خلال شهر أو أكثر بقليل بعد إقرار الموازنة في البرلمان”.

وأبطل المجلس الدستوري في قراره الرقم 5 بتاريخ 22/9/2017 قانونا للضرائب قبل إعادة إقراره في مجلس النواب، ونص القرار على أن “انتظام المالية لا يتم إلا من خلال موازنة سنوية، تقدر فيها الواردات والنفقات لسنة مقبلة، ويُعمل على تحقيق التوازن في ما بينها، وتتضمن إجازة بالجباية والإنفاق… وأن الواردات والنفقات الحقيقية تتطلّب إجراء قطع حساب في نهاية كل سنة مالية”.

وحول إمكانية تقديم طعن في قانون موازنة 2019 أمام المجلس الدستوري، يؤكد سعد أن “تقديم الطعن ممكن دستوريا، وسيقول المجلس إنه في حال عدم إقرار قطع الحساب فإن التصديق على الموازنة أمر غير دستوري”. لكنه يلفت إلى أنه “خلال درس المجلس الدستوري للطعن، من المحتمل أن تقر الحكومة قطع الحساب من ضمن المهلة التي سيتيحها لها مجلس النواب، في حال كانت مهلة معقولة، وإلا فستبطل الموازنة أمام المجلس الدستوري”.

ويرى أن “التفسير الذي سيعطى، هو أن قطع الحساب ضروري الإقرار قبل إقرار الموازنة، لكن طالما حصل الأمر معكوسا فسيتم الإخراج بما لا يفسد موضوع موازنة 2019. أما في حال لم يحصل قطع الحساب في المطلق وقفزت الحكومة مباشرة إلى بحث موازنة الـ2020، فستكون هناك مخالفة دستورية صريحة”.

ويعتبر سعد أن “المسألة متوقفة على المهلة المعقولة التي ستمنح للحكومة لإقرار قطوعات الحسابات، وما إذا كانت الحكومة ستنجح في تحقيقها”. ويلفت إلى “الظروف القائمة، إذ معلوم أن التعطيل قائم في السياسة، ولا اجتماع لمجلس الوزراء. وهذا ناتج عن تصارع ذهنيتين وفريقين سياسيين متباعدين عن بعضهما البعض. بالإضافة إلى التحالفات السياسية القائمة بين كتل لا يجمعها إلا تقاسم الحصص وتقاسم السلطة، ولا رؤيا واضحة لديها للسير بحسب الأصول الدستورية والقانونية ولمكافحة الفساد”.

وإذ يستهجن “الطريقة التي اعتمدت لإقرار الموازنة”، معتبرا أنها “طريقة مخجلة، لا تحصل في أكثر البلدان تخلفاً”، يشدد سعد على أن “إعداد الموازنة يفترض ان يتم على أيدي خبراء متخصصين يعاونون وزير المالية، على مدار السنة، ويطرح الأمر على مجلس الوزراء ويقر العناوين التي يراها مناسبة من ضمن رؤية اقتصادية ومالية شاملة في جلسة أو جلستين، لا قضاء ساعات وجلسات للبحث في مواضيع مثل الضريبة على النرجيلة وما شابه. نحن في الشهر السابع من السنة ولا تزال الحكومة تبحث في الموازنة، فيما هناك ملفات ومشاكل لا تحصى بحاجة إلى المعالجة، وبالتوازي”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل