المنطقة والخليج… ستاتيكو عالي التوتر

 

على الرغم من تصاعد التوتر الميداني في الشرق الاوسط لا سيما في منطقة الخليج العربي، في الآونة الاخيرة لا بل الايام الأخيرة، لا تزال المعادلة التي تتحكم بالتطورات هي نفسها وتختصر بالآتي: ممنوع على اية دولة من دول المنطقة بما فيها إيران ان تضعف الى حد السقوط والاطاحة بها، وممنوع على تلك الدول في نفس الوقت ان تقوى الى حد تحكمها بالحسابات الاستراتيجية والتفرد في فرض شروطها.

فحتى إيران، لا تزال واشنطن الى الان، بعيدة عن فكرة اسقاط نظامها وتغيير جذري في حكمها، اذ ان اقصى ما تريده ادارة الرئيس دونالد ترامب تليين موقف طهران وقبولها بالشروط الـ13 التي وضعتها للنظام الايراني انطلاقا من اعادة التفاوض على اتفاقية نووية جديدة، لكن في نفس الوقت لا تقبل واشنطن بان يصبح حلفاؤها لقمة سائغة في فم طهران، ولا بالتالي باضعاف حلفائها في وجه التهديد الإيراني.

ومنطق واشنطن في ظل ادارة الرئيس دونالد ترامب هو في استمرار معادلة الرعب بين الاطراف الاقليمية المتناحرة مع اعطاء اسرائيل مجالات اوسع للتدخل حيث ترى ووقت ما تشاء لضرب من تعتبره تل ابيب تهديدا لأمنها القومي.

انطلاقا من تلك المعادلة يمكن فهم قصف اسرائيل منذ ايام ولأول مرة بالشكل الذي حصل، وفي العمق العراقي، لموقع ايراني قرب بغداد من خلال طائرات (اف 35) وطائرة مسيرة، ضد معسكر الشهداء شمال العاصمة العراقية، وهو مركز تدريب لفيلق القدس بمشاركة حزب الله اللبناني، وحيث كانت تجري هنالك تدريبات على اجهزة إطلاق صواريخ بالستية.

كما يمكن فهم السباق المحموم بين الوساطات والمبادرات والمساعي الدبلوماسية الغربية والدولية، من جهة، والتي للأسف لا تزال تفشل الواحدة تلوى الأخرى، وبين التطورات الميدانية في ما اصطلح على تسميته (حرب الناقلات) وصولا الى سباق التسلح غير المسبوق في الخليج وآخرها صفقات اسلحة قطرية وسعودية، إذ وافقت الرياض، أخيراً، على نشر قوات وموارد اميركية اضافية في قاعدة الامير سلطان الجوية بناء لطلب سعودي من الملك سلمان شخصيا، وعلى كامل نفقة الرياض، لتوفير ردع اضافي وتعزيز قدرة واشنطن على الدفاع عن مصالحها والتدخل لحماية حلفائها.

وتشابك خيوط التوتر في المنطقة والخليج يمكن قراءاته وفق الاتي: أولاً، ربط نزاع اميركي ـ إيراني، من خلال العقوبات القاسية والخانقة والحشد العسكري الاميركي غير المسبوق في منطقة الخليج، والتي لم تدفع الى الان الرئيس دونالد ترامب الى تغيير رأيه في مدى نجاعة العقوبات وسياسة المحاصرة لإيران، وقد نجح في نقل المشكلة بينه وبين الايرانيين الى داخل إيران لكنه الى الان لم بنجح في “تركيع” الإيرانيين.

ثانياً، ربط نزاع بين الدول الخليجية وإيران، تظهر تجلياته في أكثر من منطقة لا سيما اليمن والعراق وسوريا ولبنان، فيتصاعد التوتر من دون الوصول الى الحرب.

رابعاً، ربط نزاع بين السعودية والامارات العربية المتحدة وتركيا اردوغان ومن ضمنها قطر حليفته والتي ينضوي تحت لوائها الصراع على زعامة العالم الاسلامي ـ السني، فيتصاعد توتره من دون الوصول الى المواجهة المباشرة. وفي هذا السياق لا بد من التوقف عند مفارقات السياسة التركية المتوترة في المنطقة وفق الاتي:

الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وبعد خسارته الورقتين السورية نسبيا (تقاسم الروس والاميركيين والاسرائيليين خريطة سوريا)، والسودانية كليا، وقبلها الورقتين التونسية (الفشل في تفرد حركة النهضة في حكم تونس وصولا الى ما يشبه محاولة الانقلاب الاخيرة التي كادت تطيح الرئيس الباجي قائد السبسي اثناء مرضه الاخير)، والليبية (تفوق قوات المشير حفتر المتحالف مع السعودية والامارات ومصر)، قرر رفع سقف تدخله المباشر للتعويض عن تلك الخسائر. وكان آخرها خسارة الحليف السوداني الرئيس عمر البشير الذي كان بصدد بيع جزيرة سواكن الاستراتيجية على البحر الاحمر لأردوغان بناء لطلب الأخير، والتي لو حصلت لكانت شكلت تهديدا مباشرا للسعودية (منطقة مكة والمدينة) ولمصر وللممر الدولي للسويس، ولكانت ستكون تمهيدا لتدويل الحرم الشريف.

من هنا نفهم انتقال اردوغان الى سياسة التدخل المباشر لانقاذ ما تبقى له من اوراق: فالتدخل التركي المباشر في ليبيا كان لافتا، إذ ان قوات حفتر المدعوم من محور السعودية ـ الامارات ـ مصر حقق سيطرة شبه كاملة واستراتيجية على ليبيا، خصوصاً من خلال سيطرته على الهلال النفطي الشهير، والغني بالبترول، وحصره حكومة فايز السراج في مربع طرابلس الغرب، ما زاد من حصارها، وهي الحكومة الموالية لأردوغان وما اضطر الاخير الى التدخل عسكريا لإسعافها. كذلك انتقال تركيا الى تصنيع السلاح (كإنتاج الدبابة المدرعة كيربي).

فتركيا اردوغان محاصرة في تحديات عدة، وهي في ربط نزاع ومواجهة على أكثر من محور من دون ان ننسى المحور الاميركي المتوتر على خلفية سير انقرة في صفقة صواريخ (اس 400 الروسية) على الرغم من كل التحذيرات والتهديدات الاميركية.

كما انها في مواجهة مع الاوروبيين على خلفية تنقيبها عن النفط والغاز قرابة السواحل القبرصية وبما يهدد حقول دول المتوسط ومنها مصر ودول جنوب اوروبا ولجوء الاوروبيين الى العقوبات ضد انقرة.

في نفس الوقت نجد الرئيس اردوغان محاصر بوضع داخلي غداة هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية للمدن الكبرى لا سيما إسطنبول، التي قال عنها يوما، ان من يحكم اسطنبول يحكم تركيا.

رابعاً، ربط نزاع إسرائيلي ـ إيراني وتجلياته الميدانية في غارات وقصف اسرائيلي على مواقع عسكرية ايرانية وميليلشياوية في سوريا وصولا الى العراق.

خامساً، ربط نزاع اوروبي ـ إيراني، ويتجلى من خلال الموقف الاوروبي الداعي طهران الى تخفيف التوتر والقبول بالتفاوض مع الاميركيين ورفض عودتها الى التخصيب، في نفس الوقت الذي تنكفئ فيه السياسة الاوروبية عن سوريا والعراق واليمن وفلسطين.

سادساً، ربط نزاع خليجي ـ خليجي، لا سيما بين محور السعودية ـ الامارات ـ البحرين ودولة قطر، إذ ان الاخيرة استقلت بسياساتها الخارجية وبات التباعد كبيرا بين المحورين منذ اندلاع الازمة بين المحورين، وما يتوجس منه كل محور من الاخر، في ظل تزكية الخلافات ودخول أكثر من طرف اقليمي ودولي على خط تأجيج النزاع.

انطلاقا من كل هذه المشهدية المتقلبة والمتوترة، وفي ظل كلمة المايسترو الأميركي، فإن الستاتيكو مرجح ان يطول بعض الوقت، وان كانت مؤشرات الصبر لدى بعض المتخاصمين والمتنازعين تصل الى حد النفاد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل