راجعة على ضيعتنا

انا متخلّفة اعترف!! احتاج لان اعترف! اكثر من ذلك بعد، انا رجعية متقوقعة بدائية، بنت جرد وضعوها في قلب المدينة وقالوا لها “يللا تأقلمي ودبري حالك!”.

دبّرت حالي بصعوبة لكن لم اتأقلم كليا حتى الساعة. او لنقل، كرمالي لورا اذ كلما كبرت كلما هربت مني عادات المدينة تلك وعدت بنت الجرد المهوشلة بالساحات!!

صغيرة، لما اتيت بيروت المرة الاولى، اصبت بالصدمة والذهول! صُدمت من عدد الناس الكبير في الشوارع، ظننت انهم ذاهبون الى عرس ما او الى احتفال، اذ ان ضيعتنا بيتين وتنّور، وصرت كلما مرّ انسان قربي اصبّح عليه ولا يرد. مندهشا، قال لي أحدهم مرّة، لا انسى، “انتِ مين عمو؟!”، ظن المسكين انه يعرفني. كنت اظن ان من قلة الادب الا نلقي التحية على اي كان، هكذا علمّني اهلي في الضيعة، وكنت اعاقَب ما لم افعل. هناك الكل يعرف الكل والكل اقارب واصدقاء “وعيب بابا ما تقولي بونجور لحدن وخصوصا الكبار”.

لما أسكنوني المدينة عنوة، كنت اعتقد مثلا، ان أكبر عيب هو ان تخرج الفتاة مع الصبيان لوحدها، وأنها اذا قبّلت شفاه شاب ستحبل فورا! ولما ذهبت اول مرة الى مدرسة البنات تلك، كدت اصاب بعقدة حياتي وما أنقذني سوى قوتي الفطرية وتلك الشخصية الصلبة التي استمديتها من الضيعة.

كنت ارى الفتيات رفيقاتي ما ان تخرجن من الصف عند الثانية، كل منهن تخلع عنها المريول وتهرع الى صبي ينتظرها عند الباب، يحملها معه غالبا على ظهر الموتوسيكل!! يا رب تنجينا صبيان وموتوسيكل، جهنم اذاً هي المصير، فأهرع الى البيت كمن يهرب من خوفه ان يحصل معه شيء ما من هذا القبيل ويستسلم لكل تلك الاغراءات الجميلة. وذات ليلة تسلّحت بجرأة نادرة وسألت ابي “دخلك بابا مش عيب البنت تحكي مع الصبي متل ما بيعملوا بنات بيروت؟”. غرق ابي في ضحك لامتناهي واجابني بما لم أكن لاتوقعه عمري “لاء بابا مش عيب بس العيب قلة الادب!”.

ثمة ما يجري في لبنان يمكن أن نصفه في مكان ما بقلّة الادب، او كما تقول ستي “قلّة الحيا”. يستعر الجدال حول فرقة “مشروع ليلى”، التي من المفترض ان تقدم احد عروضها على مسرح مهرجانات جبيل. قامت القيامة ولم تقعد اعتراضا على استقدامها الى مدينة الحرف والعراقة، وللفرقة اياها تاريخ غير مجيد لناحية اخلاقيات عروضها “الفنية” المفترضة، خصوصا انها طُردت سابقا من مصر والاردن، على خلفية تقديم عروض منافية لتقاليد تلك البلدان.

الاكيد انه لا يمكن تصنيف اعضاء تلك الفرقة بالـ”فنانين”، اللهم الا اذا اعتبرنا ان الفن في لبنان تهاوى الى هذا المنعطف الخطير، وهو تهاوى فعلا. تقدم الفرقة المذكورة اغاني وشعارات منها من يشجع على المثلية الجنسية علنا، واخرى فيها ما فيها من اساءة مباشرة للصليب المقدس والعذراء مريم وايضا للإسلام.

ستقولون هذه حرية ونحن متخلفّون! هذه حرية صحيح. حر ان يتعامل الانسان مع جسده كما يشاء، لكن هل الحرية اياها تسمح مثلا ان نمشي عراة في الشارع؟! هل تسمح الحرية اياها ان نعمم فكرة الشذوذ عبر الاغنية او العرض الموسيقي، او ان نتعرّض علنا للرموز الدينية لنبرر الحادنا؟!

الحرية مع الالحاد، اذ لكل منا رب يعبده، او قد لا يريد ان يؤمن بهذا الاله او ذاك، لكن هل تبرر الحرية اياها التسخيف والسخرية ممن يؤمنون ومن المعتقدات الدينية، واهم الاهم، من القيم الاخلاقية الانسانية بشكل عام، تحت عنوان الثقافة حينا والانفتاح احيانا والحرية في كل الاوقات؟!

طيب سؤال يكاد يحرق حروفي، هل تتعارض الثقافة والانفتاح والحرية مع الاخلاق؟! بمعنى آخر، هل صارت الحرية في لبنان تسمح ان نستبيح كل شيء، كل شيء، وان نستخفّ بكل ما نملك من معتقدات جميلة، ونخترق حدودا لطالما رسمناها لأنفسنا، ونرسمها نحن لأولادنا كي لا يضيعوا في المتاهات؟ يا عمي، يا جماعة الخير، هل الاحترام صار من العادات البائدة في لبنان؟!

اظن ان مفهوم الحرية صار خاطئا وخاطئا جدا، وبناء عليه انا المتخلفة التي لا اخلع عني الشورت في المدينة ولا التنورة القصيرة، واكتسبت عادات المدينة الحلوة، واسهر وأحب واقبل شابا في شفتيه ايضا، تصوروا، لكني بقيت بنت الضيعة الصلبة المتمسكة بتقاليدها، وها انا راجعة على ضيعتنا، سأتقوقع على ذاتي واعيش في ظل ما تبقى من ذاك البائد التافه المتخلف المأسوف على ارثه “الاحترام”…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل