موازنة عسكرية متقشفة لمهمة إستثنائية

فيما خفضت موازنة القوى العسكرية والأمنية، أُلقيت على المؤسسة العسكرية أعباء جديدة لا تريد هذه المؤسسة ولا تستطيع أن تتجاوز المسؤولية عن تحملها، لكن مع فارق أنّ الإمكانات المرصودة لها، تمّ تخفيفها بدل تعزيزها، وهذه الإمكانات، صحيح أنها تقاس بفلس الأرملة إذا ما قورنت بنسب التهرّب الضريبي والهدر والفساد والفشل في إدارة الدولة، فإنها بالنسبة للمؤسسة العسكرية تعني الحدَّ من القدرة اللوجستية، والمَس بما يجب أن يحافظ عليه للعسكريين كي يقوموا بمهماتهم، وليس الافتئات على وجبة طعام العسكري المنتشر من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، أول الأمثلة ولا آخرها.

أُلقيت على الجيش مهمة جديدة هي مهمة التعامل مع المخيمات الفلسطينية واهلها الذين يعترضون على قرار وزير العمل، هذا الاعتراض السلمي داخل المخيمات وعلى مداخلها، لا يُسقط احتمالات اخرى قد تقوم بها عناصر أو مجموعات، تعتبر الاستثمار في هذه التظاهرات فرصة ذهبية. صحيح أنّ التنسيق بين الجيش والقوى الفلسطينية قائم ودائم، لكنّ مسؤولية ضبط الوضع والاحتراز الأمني، أضافت مهمات جديدة، وأعباء جديدة وقوى عسكرية تفرز للمهمة.

أثيرت في الجلسة النيابية لإقرار الموازنة مسألة ضبط المعابر غير الشرعية، وعددها 115 معبراً وليس 140، وحمّل الجيش المسؤولية، في غياب كلي للجمارك والقوى الاخرى، والحقيقة الميدانية على طول الحدود هي الآتي: هذه الحدود تمتد على طول 375 كلم مربعاً من الشمال الى الجنوب، وقد استحدث الجيش مجموعة من نقاط المراقبة المتطورة بمساعدة بريطانيا وهبة منها، تفصل بين الواحدة والاخرى مساحات ووديان، ويفترض مراقبتها بالدوريات بين كل نقطة واخرى، وهي حدود يتعامل معها الجيش للمرة الاولى منذ الاستقلال، اذ وضع أربعة افواج لمراقبتها بعد سحب أفواج من مهمات استثنائية كمهمة مواكبة «اليونيفل».

أربعة أفواج تقارب الـ 5000 عسكري وضابط، في حين تستلزم مهمة ضبط الحدود ضعف هذا العدد، كما تستلزم المزيد من الإمكانات اللوجستية التي خففتها الموازنة الى الحدّ الادنى، وهذا كله يتم على وقع التلميح الى تقصير في ضبط الحدود، هو في وجهه الآخر استعمال للإمكانات القصوى للسيطرة على الوضع، في حين ترى الأعين وتسمع الآذان ما يجري عبر المعابر الشرعية البرية والبحرية من تجاوزات وتهريب يفوق بأضعاف تهريب المعابر غير الشرعية.

خلاصة الامر وفق آخر الدراسات الميدانية أنّ 80 بالمئة من الحدود مغطاة، وأنّ منطقة التداخل في القرى بين سوريا ولبنان في الهرمل وعكار تستلزم خطة خاصة لضبط التهريب، كما يستلزم الضبط رفع العديد فكيف يتم ذلك مع الوقف الكامل للتطويع.

التقشف الذي مورس على الجيش أثّر بحسب الدراسات على حركته اللوجستية، فتقنين المحروقات خفّض الدوريات بنسبة 30 بالمئة، وخفض ساعات الطيران المروحي الى نسبة عالية، وهو ما سيؤثر على تدريب الطيارين وتمرّسهم. ومنع التطويع وزيادة المهمات، أثار معضلات يفترض بقيادة الجيش حلها ولو عن طريق ابتكار الأعاجيب، أما حسم التدبير الرقم 3 فينتظر اجتماع مجلس الدفاع الأعلى لبتّ صيغة لا تميت الذئب ولا تفني الغنم.

من حادثة قبرشمون وما خلفته من ضرورات انتشار، الى أزمة المخيمات والحدود والأمن الوقائي في مواجهة الذئاب المنفردة، يقوم الجيش بمسؤولياته، متجاوزاً الافتئات على موازنته، مارّاً بين ألغام الصراعات السياسية التي يُراد إدخالُه فيها من زاوية تنظيف ما تتركه من آثار سلبية، هذا يريده فريقاً والآخر يريده طرفاً، اما القيادة فتعرف أنّ ما ينتظرها من مهمات في حماية الامن والاستقرار، يتخطى الألاعيب والاستدراج الى حيث لا مهمة ولا دورَ للجيش، الذي بات ينطبق على كل مَن يريد حمايته أن يرفع شعار: إرفعوا أيديكم عنه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل