
منذ ايام أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب عن ان الولايات المتحدة لن تكون شرطيا في مضيق هرمز لحماية السفن والناقلات النفطية لدول مثل الصين واليابان والسعودية وبريطانيا.
وفي هذا الموقف سطور من المعاني والرسائل يمكن التوقف عند بعضها: أولا، يجب الا يغيب عن بالنا ان الولايات المتحدة هي من بين الدول التي لا تستخدم كثيرا مضيق هرمز لاستيراد نفطها، وبالتالي ان مسألة المضيق المذكور وحمايته لا ترى واشنطن نفسها متحمسة لخوض غمار هذا الموضوع.
في المقابل، تستورد الصين أكثر من 65% من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق، فيما اليابان تستورد ما نسبته 25% من احتياجاتها النفطية عبره.
في نظر الرئيس ترمب الاولى بهاتين الدولتين حماية مصالحهما وعدم الاتكال على واشنطن خصوصاً انهما حتى الساعة اتخذتا موقفا محايدا ومتفرجا من الازمة الاميركية ـ الإيرانية، ولم يتحركا باتجاه الضغط على إيران لمساعدة واشنطن وحلفائها في المنطقة. من هنا نفهم خلفية تصريح الرئيس الاميركي حول عدم استعداد واشنطن لتكون شرطية مضيق هرمز.
ثانيا، اما في ما يتعلق باستهداف المملكة العربية السعودية في كلام ترمب عندما اشار الى السعودية في عدم التزام واشنطن حماية نفطها كشرطي، فلا يعدو كلامه أكثر من مناورة إعلامية، اذا اخذنا بالاعتبار ان واشنطن (خصوصاً ترمب) لا تستطيع التخلي عن امن النفط السعودي، في وقت ابرم الرئيس الاميركي مع القيادة السعودية صفقات بقيمة 400 مليار دولارا اميركيا، لا تسدد كلها دفعة واحدة بل على مدى 10 سنوات، لأنها تتضمن من اجل استحقاق المبلغ كاملا برامج تدريب عسكري على تصنيع السلاح وربط التدريب بصفقة السلاح الباهظة الثمن، إذ لا سلاح ولا صفقة من دون برامج تدريب للمكون السعودي المحلي المتخصص.
فلن يقبل الرئيس ترمب بالتخلي عن دعم السعودية وخسارة 400 مليار دولارا اميركيا. فضلا عن كون العلاقة بين البلدين ومن منظار كل منهما، اكبر بكثير من موضوع استيراد وبيع سلاح لأن الرياض تستورد التكنولوجيا الدقيقة لصناعة السلاح أيضا، ولأن السعودية تشكل من موقعها الجيوـ سياسي حلقة ربط اميركية هامة جدا لبسط نفوذ واشنطن على المنطقة ومواجهة طهران، والرياض راس حربة في تلك المواجهة، وكلها اعتبارات، فضلا عن الاعتبار المالي المصلحي، تفسر اقدام الرئيس ترمب بالأمس على نقض قرار الكونغرس بوقف بيع السلاح للمملكة.
فالرئيس ترمب الذي يمارس سياسة حافة الهاوية مع الجميع في المنطقة، يكشف اوراق كل الدول المستفيدة من هرمز لاستجرارها الى التدخل لحماية مصالحها بذاتها ولا تبقى متفرجة ومحايدة في الصراع الدائر في المنطقة وهي نفسها اكبر مستوردي النفط الخليجي من هذا المضيق. علما ان توقف الملاحة النفطية عبر هرمز ليوم واحد يوقف تشغيل كافة مصانع الصين، مع العلم أيضاً ان بريطانيا التي اعتدي على احدى ناقلاتها لم تحرك ساكنا ايضا للدفاع عن مصالحها الى الان.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق، الى انه على الرغم من حوادث اعتداء متفرقة على ناقلات نفط، سجلت منذ فترة في مضيق هرمز ومياه الخليج، الا ان اضرار تلك الاعتداءات بقيت تحت سقف المقبول، ولم تؤثر لغاية الان لا على سعر النفط ولا على عمليات انتاجه في الخليج، ذلك ان كل الاطراف المتنازعة في المنطقة ليس لها مصلحة بوقف الانتاج والتصدير. فحتى إيران لا تستطيع وقف تصدير النفط للصين أكبر مستورد لنفطها، خصوصاً في لحظة الاختناق الاقتصادي بفعل اشتداد طوق العقوبات الاميركية عليها. وما الاعتداءات الايرانية على بعض الناقلات الا من باب حفظ ماء الوجه والاظهار الدعائي بمظهر القادر على الاضرار بمصالح القوى العظمى ان هي قررت مواجهة طهران.
ثالثاً، تعيش المنطقة حاليا انعطافة جديدة متمثلة في لحظة تقدم مسألة امن الخليج على ملف الاتفاق النووي وتقدم اولوية إيران نفسها من مواجهة الاجراءات الاميركية العقابية الى مواجهة اجراءات واشنطن والاوروبيين لضمان امن الخليج خصوصاً ان طهران تعتبر نفسها تاريخيا المؤتمنة على امن الممرات الدولية والتي تعتبرها ورقة مهمة في يدها. وفي ظل تعدد المبادرات قفزت بمسألة امن الخليج الى الواجهة كالمبادرة البريطانية بتشكيل قوة اوروبية لحماية امن الملاحة ومراقبة الامن البحري في الخليج والتي اعلنت باريس موافقتها على المشاركة فيها، ومبادرة واشنطن الساعية الى بناء تحالف دولي لزيادة تبادل المعلومات الاستخبارية وتعزيز نظام مراقبة وردع اية هجمات على الناقلات في هرمز. بالإضافة إلى المبادرة الروسية المتضمنة افكارا لضمان امن الخليج واخماد التوتر المتصاعد على اساس استعادة الدول المتنازعة الثقة ببعضها البعض وبناء نظام امني مستقر للملاحة النفطية في المنطقة.
والمملكة العربية السعودية بدورها احجمت وتحجم عن التحرك لإنقاذ السفن المهددة، فيلاحظ ان الرياض لم تتحرك لإنقاذ السفينة البريطانية ولا السفينة اليابانية لتحريرهما، ما يدل على انتهاج الرياض ايضا سياسة تتماشى وتكيتك واشنطن “حافة الهاوية”. فالرياض تريد افهام الدول المعنية بالصراع، على انها لم تعد مستعدة لتحمل وزر الدفاع عن مصالح اي احد الا بقدر انخراطه الفعلي في المواجهة وفي تحمل مسؤولية الامن الخليجي.
رابعاً، هذه الانعطافات كلها تؤدي الى استنتاجين اساسيين: الأول، الا حرب شاملة في الخليج لان روسيا والصين قادرتين على استخدام حق الفيتو لمنع اية عملية عسكرية منسقة ومشرعنة دوليا ضد إيران. وبالتالي ما صرح به الرئيس ترمب من عدم لعب دور الشرطي ليس الا من باب الدعاية الانتخابية وبيع اوهام حمائية للآخرين، في لحظة انتخابية ليس مستعدا فيها للخوض في اية مغامرة عسكرية تؤثر على تنامي شعبيته داخل الولايات المتحدة، ولان طهران لا تستطيع خوض حرب عسكرية تتطلب إنفاقاً ماليا ضخما ليس بمقدورها تأمينه. فكل ما يحصل بين واشنطن وطهران مناوشات محددة ومحدودة لحفظ كل طرف ماء وجهه. وبالتالي لا بد من جر الدول الكبرى الاخرى للانخراط في عملية فك شيفرة الازمة الخليجية ولتتحمل كل دولة لها مصالح في هذه المنطقة مسؤولياتها، وإذا ارادت “تجيير” امن نفطها لواشنطن، فالكلفة باهظة لان الرئيس ترمب لا يخدم بالمجان.
الثاني، الجلوس على طاولة التفاوض هو المخرج الاساسي والمتوقع لكل هذا السيناريو، إذ ستجد الدول الكبرى وذات المصالح الحيوية عبر مضيق هرمز نفسها مضطرة للتدخل لحماية تلك المصالح بغياب من يحميها عنها، ما يعني ان سياسة “حافة الهاوية” تكتيك ليس الا للوصول الى اعادة تقاسم مناطق النفوذ الدولي والاقليمي انطلاقا من مضيق هرمز، لان اي اعتداء من اي طرف متورط حاليا في النزاع الأميركي ـ الايراني ستكون انعكاساته كارثية على سائر الدول التي التزمت الى الان موقف الحياد والمتفرج.
