#adsense

راهبًا كشربل

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1697

أن تكون راهبًا فتلك مسألة يمكن أن تحدث كل يوم ومع أي كان إذا اختار الشخص المؤمن بأنه يريد أن يعطي حياته للمسيح ويكون أحد تلاميذه الذين لم يعرفوه إلا من خلال كلماته وسيرته وارتفاعه على الصليب. ولكن أن تكون راهبًا كشربل فتلك مسألة أصعب وأكثر تعقيدًا وتعبدًا وإيماناً.

لم يكن شربل راهبًا عاديًا. إختار الطريق الأصعب. ومشاه حتى آخر رمق وآخر العمر. نذر حياته للمسيح وطبّق ما آمن به: «أترك كل شيء واتبعني».

صحيح أن شربل ترك بقاعكفرا مسقط رأسه وهو في الثالثة والعشرين من عمره ولكنه كان قد دخل الرهبنة وهو صغير. دخوله الأول إلى دير ميفوق لم يكن إلا محطة في حياته التي كانت كلها تعبدًا لله وللمسيح.

أن تكون راهبا كشربل يعني أن تتخلى عن كل ما هو شخصي وأن تذهب إلى الإتحاد في كل ما هو إلهي.

عرف شربل أن لا خلاص في هذه الحياة إلا من خلال الله ولذلك لم يتمسك بأي شيء في هذه الدنيا وعاش بكل ما فيه من قوة إيمان بعلاقة مباشرة مع الله ليكون فيه واحدًا في الحياة وفي ما بعد الحياة. كان رجل صمت ورجل صلاة  لذلك مشى طريق القداسة وهو يدرك في عمق قلبه وعقله أنها الطريق التي توصل إلى الإتحاد بالله ليكمل شهادة المسيح ورسالة صلبه وقيامته فداء عن البشر وليجدد الرجاء والمغفرة والتجدد بالإيمان.

أن تكون راهبًا كشربل يعني ألا تكون راهبًا عاديًا وأن تعكس عمق إيمانك في حياتك الرهبانية. ولذلك لم يأبه شربل لكل ما رافق حياته من صعاب ولكل من حاول أن يأخذ عليه اغترابه عن هذا العالم من دون أن يفهم سر إيمانه وسر صمته وسر اتحاده الكامل بالله. في حياته العادية وهو في بقاعكفرا لم يقبل كثيرون من رفاقه وأهله هذه الأسرار التي يعيشها. وفي حياته الرهبانية لم يتقبل بعض الرهبان والتلاميذ سر حياته وانعتاقه الكامل لأنه كان يثقل على هؤلاء مسيرة الرهبنة لأنه كان يدرك أنه مهما أعطى للمسيح فإنه بحاجة إلى أن يعطيه بعد. لم تكن عنده حدود لذلك العطاء ولذلك من الصعب أن تكون راهبًا كشربل. كان يقدم مثلاً لا يمكن لأي كان أن يجاريه ويكون مثله، ولذلك كانت حياته صعبة عليه وعلى غيره، ولذلك أساء البعض فهمه لأن تقليده كان يجعل من مهمتهم صعبة أكثر لأنهم ما كان من الممكن أن يتشبهوا به.

أن تكون راهبا كشربل يعني أن لا يتمكن كثيرون ممن كانوا حولك من فهم سر قوة إيمانك بعد موتك وسر أن يبقى جسدك حيًا وسر أن لا تكون ميتا انتهى بموته كل شيء وأن ينتظر قرار إعلان السير في قضية قداستك الكثير من التدابير الأرضية التي لا تدخل في سر الإيمان الذي عشته لأن بعض من لا يمكنهم أن يؤمنوا بقوة روحك شككوا في ظاهرة أن تكون حياتك على الأرض جزءًا من قداسة لم يكن قد حان وقت إشهارها بعد.

أن تكون راهبًا كشربل يعني أن سر قداستك ولد معك وعاش معك وتجدد بعد موتك ليصبح أمرًا واقعًا. ويعني أن تكون مثالاً لأجيال لم تعش معك وجاءت بعدك وآمنت بقوة إيمانك وبأنك طريق من الطرق المؤدية إلى الله. أجيال تؤمن بأن ثمة طرقاً دائمة للخلاص وللإيمان والتجدد والتوبة، وبأن ثمة أمكنة للحج إليها لشفاء الأرواح المتعبة والأجساد المتعبة.

أن تكون راهبًا كشربل يعني أن تبتعد عن كل ما هو سلطة وأن تكون خادمًا حقيقيًا لرسالتك وأن تكون فقيرا في حياتك وحاجاتك وغنيا بروحك ونادرا للطاعة والعفة وأن يكون صليبك من خشب وقلبك من ذهب.

أن تكون راهبًا كشربل لا يعني أن تختصر حياة الرهبنة أيضًا بحياتك. ثمة رهبان آخرون مشوا على طريق القداسة وغرقوا في إيمانهم ولم يكونوا حبساء ولكنهم كانوا رحماء وأهل رجاء ومحبة وطاعة ومغفرة وخدمة للمعذبين في الأرض.

أن تكون راهبًا كشربل يعني أن تكون أيضًا راهبًا كيعقوب الكبوشي أو كنعمة الله الحرديني أو كالراهبة رفقا والأخ اسطفان وغيرهم من الذين ساروا على درب القداسة وكانوا أمثلة صالحة ولم يكونوا حتى رهباناً.

أن تكون راهبًا كشربل يعني أن تعرف أن القداسة ليست بعيدة وأن طلب الشفاعة ليس إلا جزءًا من هذه المشاركة الرائعة في تلك القداسة.

أن تكون مؤمنا بقداسة شربل يعني أن تكون مقتنعا بأن هذا الإيمان يأخذك إلى حدود الحياة التي عاشها وأن تتخلى عن الكثير من الأنانيات وأن تحب وتغفر وتسامح وتصالح ولا تؤذي.

أن تكون من كنيسة شربل يعني أن ترتقي إلى مرتبة قداسة شربل وأن تكون أهلاً لها وأن يكون شربل طريقك ومثالك. وأن تدرك أن سر الإيمان ببساطته وبأن دربه لا تنتهي، وأنك كلما وصلت إلى قمة جبل أدركت أن هناك جبلاً جديدًا عليك أن تبلغه وأن تستمر في حمل صليبك مؤمناً أن القيامة آتية وقريبة وأن حدودك العالم كله وأنك حيثما كنت وكيفما كنت سيكون شربل معك لأنك من خلاله ستكون في قلب الله وسيكون الله في قلبك. فشربل لم يكن ألا واحدًا منا. أراد أن يكون ما كانه وكان له ما أراد.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل