
يقترب مجلس الوزراء مع نهاية الأسبوع الحالي من إتمام شهره الأول غارقاً في الشلل “المميت” منذ حادثة قبرشمون ـ البساتين. وتبدو حركة رئيس الحكومة سعد الحريري، العائد من إجازة قصيرة إلى الخارج والذي التقى أمس الاثنين رئيس مجلس النواب نبيه بري، من دون بركة، مع استمرار رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان، مدعوما من حزب الله، بشرطه التعجيزي على الحريري، والذي أكده في مؤتمره الصحفي أمس الاثنين، بإحالة الحادثة إلى المجلس العدلي للإفراج عن الحكومة.
يرفض الحريري بشدة منطق فرض الشروط عليه، أو مشاركته بوضع جدول أعمال مجلس الوزراء من قبل أي كان. لكنه يؤجِّل وضع الجميع أمام مسؤولياتهم بالدعوة إلى انعقاد مجلس الوزراء، خشية انفجار الحكومة. وهو يعطي مزيدا من الوقت للمساعي عبر “إجازاته” الخارجية المتكررة.
لكن مصادر سياسية متابعة تلفت في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “موقف الحريري لا يحتمل أي التباس”. وتشير إلى “مقدمة تلفزيون المستقبل، مساء الأحد الماضي، الداعمة بصراحة ووضوح لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ورفض الحصار الأمني والسياسي والحكومي الذي يتعرض له”.
جنبلاط رفع التحدي، ويزداد الوضوح في مواقفه حول خلفيات مبيّتة تستهدفه، خصوصا بعد الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله العالي اللهجة والداعم بقوة لإرسلان. ويقولها جنبلاط بالفم الملآن “ما يجري عملية ابتزاز وتخويف كبيرة.. ربما هم يضغطون عليّ وعلى سعد الحريري كي نكون في صفوفهم أو أن نصطف معهم… لكن لا يُمكن القبول بالاستسلام”، متسائلا عن “أسباب انتقال تنظيم الخلاف السياسي مع حزب الله إلى عداء سياسي في هذه المرحلة؟”.
ويعتبر عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب بلال عبدالله في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “الاستهدافات واضحة المصدر، وهي ذات أبعاد داخلية وخارجية، وتستهدف القرار الوطني السيادي في لبنان، ومن ضمنه موقف جنبلاط”.
ويشير إلى أن “الطرف الآخر يقفل كل الأبواب في وجه كل المبادرات والحلول التي تطرح لحادثة قبرشمون ـ البساتين، ووضعوا المسألة في قالب سياسي، ولم تعد في إطار قضائي أو أمني لجلاء التحقيق”.
ويؤكد عبدالله أننا “ملزمون بالدفاع عن أنفسنا وعن الدولة والعدالة، في الحد الأدنى، بمواجهة الاستهداف الذي يتعرض له البلد والدولة والمؤسسات ومجلس الوزراء والقضاء والأجهزة الأمنية”. ويسأل: ماذا يستهدفون؟ ماذا يعني حين يغلّبون لعبة الإملاء السياسي على كل الاعتبارات الأمنية والقضائية والتحقيقات وتعطيل مجلس الوزراء؟”.
من جهته، يكشف المحلل السياسي نبيل بو منصف عن أنه “حتى وقت قريب، لم يكن يأخذ بوجهة النظر القائلة بوجود سيناريو لمحاولة تكرار (كنيسة سيدة النجاة). لكن يبدو أننا فعلاً أمام أمر ما من هذا النوع، يتعلق، ليس فقط بوليد جنبلاط، وإن كان يأتي في الدرجة الأولى، إنما بمسألة أن ثمة فريق، وهو فريق 8 آذار، قرر كسر فريق آخر لا يزال يقيم الحد الأدنى من التوازن في البلد، ولو بقوى ثلاث غير متحالفة طوال الوقت وهي (الحريري، وجنبلاط، والقوات اللبنانية)”.
ويعتبر بو منصف أن “فريق 8 آذار اتخذ قرارا بهدف إقليمي واضح، وبأجندة إقليمية بدأت تظهر تباعاً، بالقيام بعرض عضلات في لبنان يلاقي صدى في الخارج الإقليمي من ضمن الصراع الأميركي الإيراني المتصاعد، والذي يشكل مضايقة كبيرة لإيران بسبب الحصار الأميركي”.
ويقول: “فلنتوقف عن البحث عما يوجد في الداخل، ولنفتش عن الأجندة الإقليمية التي عاودت التحرك من جديد. حزب الله يقف خلف عناد النائب أرسلان في هذا الشكل وبعدم القبول بأي تسوية، من جهة. ومن جهة ثانية، كي يبدأوا بتعطيل الحكومة بحجتَي الموازنة والمجلس العدلي”.
“لا يمكن لأحد أن يدعي عدم رؤية الأزمات التي تتناسل وتنحدر من سيء إلى أسوأ”، تقول المصادر السياسية المتابعة لموقع “القوات”. وتنبّه “مما يتردد عن تصنيف سلبي جديد يتوقع أن تصدره مؤسسة “ستاندرد أند بورز” حول الأوضاع المالية عامة والأداء الحكومي المخيّب خصوصاً، في 23 آب المقبل”.
وتقول، “حتى لو تم تخطي مشكلة المادة 80 من قانون الموازنة مع احتمال توقيع عون على القانون لضرورات اقتصادية، على الرغم من استيائه من (تهريبة) اللحظات الأخيرة، وفقا لمصادره، لكن يخشى ألا تندمل الندوب والجراح التي تركتها (أزمة المادة 80) بين بعبدا وعين التينة والسرايا، بسهولة، لمجرد وضع عون ختمه على الموازنة”.
وإذ تعترف المصادر أن “إعلان موت المساعي والمبادرات القائمة بوضوح قد لا يكون أمراً متاحاً، أو مقبولاً، نظرا لانعكاساته والمخاطر الكارثية التي يرتبها على الوضع الاقتصادي، إذ يجب الإبقاء على فسحة تفاؤل”. لكنها تؤكد “وجوب قيام المسؤولين بواجباتهم، وعدم الرهان على أن (أصحاب القرار) لن يسمحوا بانفجار الوضع وفتح بؤرة تفلت إضافية “عالية السخونة” في المنطقة وسط أزماتها المشتعلة”.
وتتأسف المصادر السياسية المتابعة لأن “الأفق يبدو مقفلا على الحلول، أقله في المدى المنظور”. وتشير إلى “ألا جلسة لمجلس الوزراء هذا الأسبوع”. كما تعرب عن “عدم تفاؤلها بحلول قريبة نتيجة التصلب في المواقف”، مرجحة “ألا تطول إقامة الحريري، وأنه سيغادر هذه المرة في إجازة قد تطول، تعبيرا عن (اشمئزازه) من مجمل الأوضاع”، مع تشديدها على أن “هذا كله لا يمكن أن يستمر إلى ما شاء الله، ويجب أن تُحسم الأمور في لحظة معينة بالعودة إلى انتظام عمل المؤسسات، فالصورة سوداوية أكثر مما تظهره المواقف المعلنة، والأمور وصلت إلى حدود الخطر الكبير”.
