
كتب الأب جورج صغبيني في ذكرى دخول القديس إلى المحبسة – “المسيرة” – العدد 1697
ولد يوسف أنطون مخلوف في 8 أيّارعام 1828 في بقاعكفرا في شمالي لبنان قرب أرز الرب. من والدَين مارونيَّين هما أنطون زعرور مخلوف وبريجيتا الشدياق. له شقيقان، حنّا وبشاره، وشقيقتان كَون وورده. تربّى يوسف تربية مسيحيّة جعلته مولعًا بالصّلاة منذ طفولته. مال إلى الحياة الرهبانيّة والنسكيّة، مقتديًا بخالَيه الحبيسَين في صومعة دير مار أنطونيوس قزحيّا، حيث تسلّم منهما مشعل بطولة الفضائل.
توفّي والده في 8 آب 1831 في غِرفِين، وهي قرية قرب عمشيت، أثناء عودته إلى منْزله، بعد أن كان يعمل بالسخرة لدى الجيش التركيّ، فربّته والدته يتيما. ثم تزوجَت من لحود إبراهيم الّذي أصبح كاهنًا للرعيّة، مُتخِذًا إسم عبد الأحد.
درس يوسف أصول اللّغتَين العربيّة والسريانيّة في مدرسة القرية. كان تقيا جدًّا، وكان لقبه «القديس» في محيط قريته. اعتاد أن يأخذ قطيعه الصغير يوميا إلى المرعى، ثمّ يتوجّه إلى مغارةٍ حيث يركع أمام صورة العذراء مريم ويصلّي. وهكذا أصبحت المغارة بيت الصلاة ومحبسته الأولى والتي تحولت لاحقا إلى مزار للصلاة ومحجا للمؤمنين.
دخوله إلى الرهبانية اللبنانيّة المارونيّة
صباح أحد الأيام من العام1851، غادر يوسف أهلَه وقريتَه وتوجّه إلى دير سيّدة ميفوق بقصد الترهّب، حيث أمضى سنته الأولى من فترة الابتداء، ثمّ إلى دير مار مارون – عنّايا، حيث انخرط في سلك الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة، متّخذًا اسم شربل، أحد شهداء الكنيسة الأنطاكيّة من القرن الثّاني. وفي الأوّل من تشرين الثّاني عام 1853، أبرز نذوره الرهبانيّة في الدير نفسه وكان مطّلعًا إطّلاعًا دقيقًا على موجبات هذه النذور: الطاعة، العفّة والفقر.
أكمل دروسه اللاّهوتيّة في دير مار قبريانوس ويوستينا، كفيفان البترون، على يد معلّمه القدّيس نعمة الله كسّاب الحرديني، الذي كان قدوةَ الرهبان وصورةً حيّةً عن كبار الرهبان القدّيسين في حياته الخاصّة والعامّة.
في ٢٣ تمّوز عام 1859، سيمَ الأخ شربل مخلوف كاهنًا في بكركي، بوضع يد المثلّث الرحمة المطران يوسف المريض النائب البطريركي الماروني
دير مار مارون ـ عنايا
في منطقة جبل لبنان الجبيليّة، يقع ديرٌ للرهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة يُعرف بدير مار مارون – عنّايا، يبعد عن مدينة جبيل 17 كلم ويعلو عن سطح البحر ألف ومئتي متر.
و»عنّايا» لفظة سريانية فسّرها البعض بمعنى المرتّل والمرنّم أو جوق المتعبّدين أو النسّاك. كانت في السابق مزرعة من مزارع بلاد جبيل، إنتقل إسمها إلى الدّير لمّا ابتاع الرهبان فيها أرضًا وشرعوا بتشييد دير على إسم مار مارون عليها. إنتهى العمل من بناء القسم الأوّل من الدّير عام 1828 وهي سنة ولادة مار شربل. وبين العامين 1838 و1841 أكتمل بناء الكنيسة وجميع الأقبية.
بعد إعلان شربل مخلوف طوباويًّا عام 1965، شرعت الرّهبانيّة ببناء كنيسة جديدة تكون مهيّأة لاستقبال الأعداد الكبيرة من المؤمنين الوافدين إلى عنّايا خصوصًا وأنّ دعوى إعلان القداسة كانت قيد الدرس. وفي العام 1974، كان تدشين الكنيسة الجديدة غربي الدّير، التي أنشئت على اسم القدّيس شربل، في أيام رئاسة الأب بولس ضاهر. ولا تزال الرّهبانيّة حتّى يومنا هذا تُحدث في الدّير وحوله إصلاحات عديدة، خدمةً للزوّار وتلبية لحاجاتهم الروحية والزمنية.
اليوم أصبح دير مار مارون – عنّايا بفضل القدّيس شربل مزارًا وطنيًّا وعالميًّا حيث يقصده آلاف المؤمنين للصلاة والتوبة، ولتلبية حاجاتهم الروحية على أنواعها، كما تتوافد إليه الرسائل من كلّ أنحاء العالم، إلتماسًا لبركة قدّيس لبنان أو طلبًا لشفاعته.
تاريخ المحبسة
قبل وفاة القدّيس شربل بمئة عام، أي العام 1798، شرع يوسف بو رميا وداود عيسى خليفة من إهمج، في بناء دير، وذلك على تلّة رويسة عنّايا.
أنهى يوسف وداود بناء الدير عام 1811، سمّيا المعبد الذي شُيِّد فوق أنقاض قديمة على اسم «تجلي الربّ»، وكانت غايتهما أن ينقطعا فيه إلى عيشة النساك زهدًا بالعالم.
حوّل البطريرك الماروني يوحنا الحلو، في 9 آب 1812، إسم شفاعة المعبد من «التجلّي» إلى إسم الرسولين بطرس وبولس الواقع عيدهما في 29 حزيران. وعُرف المقام «بدير مار بطرس وبولس» بدل «دير التجلّي».
لمّا كانت هناك حاجة إلى كاهن للاهتمام بالخدمة الروحيّة، طلب يوسف وداود من رئيس عام الرهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة، الأب إغناطيوس بليبل، في 20 تشرين الثاني 1814، كاهنًا ليقوم بخدمتهم الروحية وفوّضا إليه مطلق التصرّف في المعبد وفي الأرض التي تخصّه، وذلك بموجب مرسوم وجّهه البطريرك يوحنا الحلو إلى الأب العام. وإبتداءً من العام 1814، تخلّى هؤلاء العبّاد عن مقام مار بطرس وبولس مع ما حوله من أملاك وانضمّوا إلى الرهبانيّة اللّبنانيّة.
أمّا «دير مار بطرس وبولس»، فجُعِلَ محبسة سنة 1828، وهي السنة التي وُلِدَ فيها مار شربل في بلدة بقاعكفرا.
حبساء محبسة عنّايا 1798-1967
أوّل حبيس دخل هذه المحبسة من أبناء الرهبانية، هو رجل الله الأب إليشاع كسّاب الحرديني 1798- 1875شقيق القديس نعمة الله الحرديني.
الأب يوحنا العاقوري 1821- 1859عاش في المحبسة لفترة زمنية مع الأب إليشاع ثم عاد إلى الدّير.
الأب يواكيم الزوقي 1847عاش في المحبسة مدّة مع الأب إليشاع ثمّ عاد إلى محبسة حوب حيث توفّي.
الأب ليباوس الراماتي 1823- 1914عاش وتنقَّل في عدّة محابس وتحديدا مع الأب إليشاع مدة خمس سنوات، ومع القدّيس شربل مدّة 18 عاما، ثم نُقل إلى محبسة القطارة حيث توفّي بعد 21 عاما.
القدّيس شربل مخلوف (8/5/1828- 24/12/1898: دخل المحبسة في 15 شباط 1875، أي بعد وفاة الأب إليشاع الحرديني ومات فيها ليلة الميلاد في 24 كانون الأول 1898.
الأب مكاريوس صوما المشمشاني 1840- 1914: دخل المحبسة عام 1880 وبقي فيها حتى مماته. وكان رفيق القدّيس شربل.
الأب أنطونيوس الغلبوني 1849- 1930: أقام في محبسة عنّايا ثمّ انتقل إلى محبسة دير القطارة حيث توفي.
الأب أنطونيوس الحصاراتي 1870- 1946: أقام في محبسة عنّايا مدة 26 عاما، وتوفّي فيها.
الأخ بطرس المشمشاني 1860- 1942: خدمَ الحبساء مدّة ثلاثين عاما.
الأخ مخايل التنوري 1841- 1901: خدمَ الحبساء بكلّ تواضع وإخلاص.
الأب أنطونيوس قزحيا من كور البترون 1883- 1958: خدم الحبساء ثمّ تنسّك فيها حتى وفاته.
الأب الياس أبي رميا الإهمجيّ 1870- 1967: خدم الحبساء، وكان آخر من عاصر الأب شربل، وآخر حبيس أقام فيها، إذ بعدالعام 1950، إنتشرت شهرة عجائب القديس شربل وتحوّلت المحبسة إلى مزار.
حياة مار شربل في دير مار مارون – عنّايا
وفي محبسة مار بطرس وبولس
عاش الأب شربل في دير مار مارون – عنّايا مدّة ستّة عشر عاما، كان فيها مُطيعًا لرؤسائه، حافظًا قانونه الرهبانيّ بدقّة.
في مطلع العام 1875، ألهم اللهُ الأبَ شربل بالاستحباس في محبسة مار بطرس وبولس التابعة لدير مار مارون- عنّايا، على رغم عدم سماح الرؤساء السابقين له بدخول المحبسة، وبينما كان الأب الرئيس متردّدًا، أتَتْه علامةٌ من السماء تَمَثَّلَت بآية السراج. فذات ليلةٍ، طلب الأب شربل من الخادم أن يملأ له السراج زيتًا، فملأه ماءً بدلاً من الزيت. وكان أنّ السراج أضاء بشكل عاديّ. هذه الآية أقنعت رئيس الدير للسماح له بالصعود إلى المحبسة.
في 15 شباط من العام 1875، إنتقل الأب شربل نهائيًّا إلى المحبسة، حيث كان مثال القدّيس والنّاسك، فكان يمضي وقته في الصمت والصّلاة والعبادة والشغل اليدويّ في الحقل، وما كان يغادر المحبسة، إلاّ بأمرٍ من رئيسه. وقد نهج فيها منهج الآباء الحبساء القدّيسين، راكعًا على طبقٍ من قصب أمام القربان، يناجيه فيه طيلة اللّيالي. حتى قيل عنه: شربل إنسان سكران بالله.
أمضى في المحبسة ثلاثَة وعشرين عامًا، وأثناء احتفاله بالذبيحة الإلهيّة في 16 كانون الأوّل عام 1898، أصيب بداء الفالج، ودخل في نزاع استمرّ ثمانية أيّام، قاسى خلالها آلام الاحتضار هادئًا ساكنًا على رغم الأوجاع المبرّحة. ولم يبرح الأب شربل يردّد الصلاة التي لم يستطع أن يكملها في القدّاس: «يا أبا الحقّ، هوذا ابنك ذبيحة ترضيك!…»
وفي 24 كانون الأوّل 1898، عشيّة عيد الميلاد. مات مار شربل ودفن في مدافن الرهبان في دير مار مارون – عنّايا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]