بين الصلاحيات والمسكّنات

 

وقّع رئيس الجمهوريّة ميشال عون اليوم قانون الموازنة العامة للعام 2019، وذلك في نهاية الشهر السابع من العام، مع إمهال الحكومة مدّة ستّة أشهر لتقديم قطوعات الحسابات الماليّة. وذلك بعدما تمّ الصّرف خلال الأشهر المنصرمة من دون وجود أيّ موازنة، والمجتمع الدّولي يراقب بحذر. ويرسل أكثر من رسالة للسياسيين اللبنانيّين، وعلى جميع الجبهات، للكفّ عن التّحايل على المجتمع الدولي، والدخول في عملية تنظيم للدولة بأجهزتها كافّة. فهل يستجيب لبنان لهذه الدعوات الدوليّة؟ أم أنّه سيقدّم لهذا المجتمع المزيد من المسكّنات التي باتت بلا مفعول؟

حتى هذه الساعة مثلا، لم يحدّد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون موعدًا لتلبية دعوة فخامة الرئيس ميشال عون أثناء زيارته فرنسا في أيلول 2017. واقتصرت الزيارات لموفدين دوليّين من أدنى الدرجات، باستثناء بعضها لشخصيّات سياسيّة لبنانيّة مشهود لها بنضالها ونزاهتها. ولم تتخذ أيّ إجراءات اقتصاديّة تعكس نيّة لبنان في تطبيق القوانين، باستثناء ما أقدم عليه وزير العمل اللبناني، الوزير كميل أبو سليمان الذي أصرّ على تطبيق القوانين ليعكس بذلك صورة دولة القانون والمؤسسات للمجتمع الدولي أوّلا، ولتأمين فرص عمل للبنانيّين ثانيًا. ليواجه بحملة شعواء تمّ تطييفها وعنصريّتها ضدّ شعبٍ بأكمله، لم يبخل لبنان عليه بشيء منذ سبعة عقود حتّى اليوم.

والأكثر من ذلك، عوض السير بخطى ثابتة نحو نقل لبنان من دولة المحسوبيّات والمحاصصة إلى دولة الكفاءة والمؤسسات، يجهد فريق الثامن من آذار، المعروف بولائه للمحور الايراني إلى مزيد من تعطيل عجلة الدولة. ويتابع خطّته في الانقلاب على الكيانيّة اللبنانيّة التي أرساها اتّفاق الطائف بعد النزاع الدموي الذي دام 15 سنة. وما لم يُحَقَّق بقوّة السلاح والحرب لن يحقّق بالاحتيال على الدستور.

وبين المادّة 95 التي تنصّ على إلغاء الطائفيّة السياسيّة والمادّة 80 التي تحصر التوزيع الطائفي فقط في وظائف الفئة الأولى، يغرقون المجتمع اللبناني بدراسات ديموغرافيّة لا نهاية لها. بينما المشكل في مكان آخر تمامًا. من البديهي أن نكون في بلد مركّب اجتماعياً كلبنان في نظام اتّحاديًّ يضمن حقوق الأقليّات كلّها. وهذا ما لحظه اتّفاق الطائف من خلال اللامركزيّة الاداريّة، وما لم يطبق إلى حينه.

لكن ما ليس طبيعيًّا هو أن يتحوّل النظام اللامركزي بشكله الحالي إلى نظام مسخ يغلّب فئة على أخرى. فهذا الأمر كان طبيعيًّا في زمن الاحتلال السّوري. أمّا اليوم فليس مقبولا إطلاقًا. فليكن معيار الكفاءة هو المعيار المعتمد أوّلا. وما خلا ذلك يصبح تفاصيل يكفلها الدستور والنظام والصيغة. وهنالك بيت القصيد. عوض التّلهّي بهذه الأمور كلّها، والحلّ موجود في الدستور، يجب إنقاذ الوضع الاقتصادي الذي لم يعد المجتمع الدولي مستعدًّا أكثر لتحمّل الانقلاب عليه.

يكفي إيقافًا لعجلة المؤسسات في الدولة. المطلوب اليوم أن يعمل كلّ من موقعه بمسؤوليّة تامّة لتحسين ظروف حياة هذه الدولة التي باتت اليوم في غرفة العناية الفائقة. ويجب البدء أوّلا بتطبيق ما لم يطبّق بعد من اتّفاق الطائف. وذلك لإقفال الثُّغَرِ التي تركها النّظام السّوري، للتسلّل عبرها إلى الحياة الدستوريّة في مكامن الدولة اللبنانيّة. ومتى تمّ تطبيق هذا النّظام فإنّه حتماً سيرسي صيغة سياسيّة – اجتماعيّة تضمن حقوق الفئات اللبنانيّة جميعها، بغضّ النّظر عن تطوّر أيّ منها ديمغرافيًّا.

إمّا أن ندخل لبنان في نادي الدول المؤسساتيّة، وإمّا أن نهمّشه من جديد، وبالتّالي سنتحمّل تبعات هذا التّهميش. ولن تنفع الطّرائق البعثيّة في التّعامل مع أيّ فريق سياسيّ لبناني خدمة لمصالح فريق آخر. الصيغة التوافقيّة التي قامت عليها فلسفة الكيان اللبناني لا يمكن أن تضرب بأيّ من الأشكال: لا بقوّة السلاح، ولا بقوّة الاحتيال على القوانين والدستور. ومتى اختلّت كفّة من كفّتي هذا الميزان اللبناني يفقد لبنان الوطن جوهره الكيانيّ والوجوديّ.

من هذا المنطلق، المطلوب واحد فقط: دولة قادرة وقويّة، تقوم على صون مؤسّساتها ضمن معايير الكفاءة والنّزاهة في الشأن العام. وبالطبع هذه ليست مسألة مستحيلة لأنّ الأمثلة في ذلك متعدّدة. ليس أوّلها اختيارات وزير الاعلام السابق ملحم رياشي في مسألة تعيين رئيس لمجلس إدارة تلفزيون لبنان، وصولا إلى فكّ عقد موظّفين في وزارة الشؤون الاجتماعيّة بعد انتهاء عملهم في زمن الوزير بيار بو عاصي، حتّى زمن الوزير أبو سليمان اليوم الذي دخل مغارة علي بابا وجعل منها مؤسّسة عامّة مضبوط إيقاع العمل فيها بالقانون.

بهذه الطريقة فقط تستطيع الدولة اللّبنانيّة أن تستعيد ثقة المجتمع الدولي لتعود وتنطلق عجلة العمل فيها. وليس بالتّعطيل ولا بإثارة ملفّات الصلاحيّات الدستوريّة، ولا بخطابات تهديديّة تضع لبنان على فوهات براكين المنطقة المشتعلة. وغير ذلك كلّه يكون مضيعة للوقت لن يستجيب المجتمع الدّولي لمسكّناتها حتّى لو كانت مورفينيّة. ومن له أذنان فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل