عين بوتين على حصة الأسد من الكعكة السورية

حسابات الحرب ومقتضيات التحالف الميدانية غير حسابات السلم ومقتضيات تقاسم المغانم والتسويات. بهذا المنطق ترزح اليوم سوريا تحت وطأة النقاشات والمفاوضات وتبديل الخرائط ومواضع النفوذ، انطلاقا من معادلة تقول: إذا كانت اسرائيل للولايات المتحدة، فالعراق ستكون لإيران، وسوريا لروسيا.

لقد تكرست قيادة الرئيس فلاديمير بوتين للملف السوري، وفقا لتفاهمات واتفاقات منذ قمة “هلسنكي” منتصف العام 2018، إذ باتت سوريا الحقل المميز لاختبار العلاقة بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، وكلنا يذكر كيف انه غداة هذه القمة تم الاعلان عن إطلاق عملية التغيير الميداني جنوب سوريا المحاذي للجولان، بإبعاد إيران وميليشياتها الى مسافة 40 كلم على ان توضع المنطقة تحت الوصاية الروسية مقابل عودة الاوضاع الميدانية هناك الى ما قبل الحرب السورية، وفقا لاتفاق 1974.

الا ان العامل الايراني لا يزال موجودا بقوة في المعادلة السورية، كما العامل الإسرائيلي، كما التركي، ما يجعل مرحلة التسوية أصعب واعقد بكثير من مرحلة الحرب، حيث المواقف مفرزة والمتصارعين معلنين وجها لوجه.

وما يزيد من صعوبة الامر الدور “المزدوج” الذي تلعبه روسيا، اذ من جهة تراعي مصالح واشنطن وإسرائيل، ومن جهة ثانية تراعي أيضاً مصالح إيران وتركيا، فإلى اي حد يستطيع بوتين التقدم على كلا الجانبين من المعادلة؟

في الواقع ولمحاولة الاجابة على هذه القراءة المشهدية، لا بد من التوقف عند أبرز ما تمخض عن التفاهمات الاميركية ـ الروسية والعلاقات الروسية ـ الايرانية.

اولا: على صعيد التفاهمات الأميركية ـ الروسية: بات من المؤكد ان واشنطن ستعترف بنظام الاسد مؤقتا وبكفالة كل من روسيا وإسرائيل، حتى نهاية ولايته، وبانتظار تولي الامم المتحدة رعاية مرحلة بدء عملية الانتقال السياسي، وستفتح ابواب تمويل مشاريع اعادة اعمار سوريا، مقابل الاتفاق على انسحاب جميع العناصر العسكرية الايرانية من سوريا، فيما تحتفظ قوات سورية الديمقراطية المناهضة للأسد بحقوق الحكم الذاتي، الى جانب الاكراد شمال وشرق سوريا، لمواجهة اية عودة محتملة لـ”داعش”.

النظر الى هذه التفاهمات، يعني ان بوتين وفي مقابل تملكه الورقة السورية واعتراف العالم ودول المنطقة بدوره الرئيسي فيها، سيضطر لاستثمار المزيد من الموارد العسكرية والسياسية لضمان انسحاب ايران العسكري من سوريا مع حزب الله ومراقبة الحدود لمنع عودة “داعش” ومنع تدفق السلاح الى الداخل، ما يعني في مكان ما الوقوف في وجه ايران وحزب الله و”داعش” لمنع امتداد اي خطر عسكري الى جوار سوريا.

واشنطن ما يهمها من هذه التفاهمات امرين: حماية مصالح اسرائيل الاستراتيجية في المنطقة ولا سيما في سوريا والشرق الاوسط من خلال اضعاف خطر التهديد الايراني من سوريا واضعاف حزب الله من خلال قطع خطوط الامداد اللوجستية عنه من الداخل السوري ومن لبنان الجنوبي. ومن جهة ثانية، المساهمة في تطويق إيران من ضمن حملة العقوبات والحصار الاقتصادي التي تقودها واشنطن لإخضاعها بالجلوس على طاولة التفاوض، من خلال سحب خطر وجودها من سوريا.

هذه التفاهمات الاميركية الروسية ما دونها صعوبات وعقبات تطبيقية، واهمها مدى موافقة إيران عليها ومدى موافقة الاتراك خصوصاً في ما يتعلق بالإقرار بحكم ذاتي للأكراد في سوريا، وهنا تبرز التحديات في وجه بوتين، خصوصاً ان كلا من الرئيسين الاميركي والروسي متفقان على ان الوجود الايراني في سوريا خطر على اسرائيل وامنها وعائق في وجه الحل السياسي للازمة السورية. فطهران المدركة لما يتفق عليه بين الرئيسين، منذ تموز 2018، تستخدم اوراق ضغطها كافة لتذكير الروس انها لا تقبل بان يتم تقرير مصيرها بمعزل عن موافقتها، ولا بد للدولتين الكبيرتين ان تعترفا بدور إيران في سوريا وتضحياتها وبالتالي بحقها في قطف الثمار ايضا.

اما الاتراك، معارضتهم الثابتة لاي كيان كردي على حدود الدولة التركية، والتفاهمات التي لم تحترم في جزء منها بين انقرة وموسكو، من جانب الرئيس رجب طيب اردوغان، كمثل فشل الاخير في البقاء على منطقة ادلب منزوعة السلاح وتحولها مجددا الى بؤرة للإرهابيين كما كان قد اتفق مع بوتين، فضلا عن رفض انقرة لاي حل سياسي في سوريا لا يأخذ بالاعتبار مصالحها السياسية في تركيبة نظام سوريا المستقبلية (حصة للإخوان المسلمين والاسلاميين الموالين لأنقرة في الحكم).

 

ثانيا: على صعيد ملف العلاقات بين موسكو وطهران، فان الرئيس بوتين محكوم بمعادلتين؛ الاولى: التحالف الناجح مع الايرانيين والذي ادى الى هزيمة الارهاب في سوريا وانقاذ نظام الاسد واستعادته السيطرة على جزء كبير من سوريا. والثاني: كيفية التوفيق بين مصالح روسية التي تبدو احيانا متناقضة مع مصالح طهران وتلك المصالح، وفي هذا السياق نشير الى ما يلي:

أ – تشعر كلا من موسكو وطهران انهما مستهدفتان من الغرب، بعقوبات اقتصادية مفروضة عليهما منذ عقود كلا بحسب ملفه، ما يتطلب التكاتف والتضامن للالتفاف على هذه العقوبات مرورا بتفهم موسكو لمصالح إيران في المنطقة لا سيما في سوريا وتفهم طهران لمصالح روسيا في المنطقة لا سيما في سوريا.

ب – وجود تيار سياسي واسع في موسكو يعتبر ان هزيمة إيران في سوريا واخراجها منها سيضعفها سياسيا وميدانيا في المنطقة، وهي التي تعاني من حصار اقتصادي اميركي خانق يضعفها يوما بعد يوم ويقوض مناعتها الداخلية، ما من شأنه تهديد مصالح روسيا الحيوية ليس فقط في سوريا، بل في منطقة قوس القوقاز الى اسيا الوسطى بما يهدد الامن القومي الروسي مباشرة عندها، وينذر بتدفق سيول اللاجئين الى روسيا.

من هنا، ترى موسكو انها بحاجة الى الجمهورية الايرانية بغض النظر عن سوريا، خصوصاً ان الدولة في إيران لا تزال متماسكة وقوية ويمكن الاتكال عليها في لجم اية حالات عدم استقرار في القوس المذكور على الرغم من انغماس طهران في المواجهة الاميركية والخليجية حاليا.

ج – وجود تيار معاكس في موسكو يرى ان الذهاب بعيدا في تغطية السياسة الايرانية التوسعية في المنطقة ما دونه محاذير ترتد بسلبياتها على روسيا ومصالحها مع الاميركيين والإسرائيليين، خصوصاً ان الوجود الايراني بدأ يلقي ثقله على اية تسوية سياسية في سوريا، في وقت ترتبط موسكو بتفاهمات حيوية مع الاميركيين والأوروبيين، خصوصاً ان طهران ترفض الى الان الربط الغربي بين اعادة اعمار سوريا والتغيير السياسي.

د- وقوع موسكو بين حدّين: حد اقرار الاميركيين والاسرائيليين بدورها الاساسي في سوريا وقيادتها للعبة في الملف السوري، خصوصاً بعد انسحاب الاميركيين من سوريا ميدانيا، وتتالي اللقاءات التنسيقية الثلاثية الأمنية والسياسية (اميركا ـ روسيا ـ اسرائيل) وتفويض بوتين بإنهاء الوجود الايراني العسكري في سوريا، وحد الاستجابة بالحد الممكن لاحتياجات طهران ومصالحها في سوريا والمنطقة.

فالإيرانيون متوجسون من ان يكون ثمن الانسحاب الاميركي العسكري من سوريا وتسليم بوتين مفاتيح الحل في سوريا، خروجهم من سوريا، خصوصاً بعدما لاحظت طهران التراخي الروسي إزاء غارات اسرائيل على مواقعها وميليشياتها في سوريا، ما قلّص هامش الرد على هذه الغارات من جانبهم في ظل غياب اي غطاء روسي جوي، ما يفسر في طهران على انه انحياز روسي الى اسرائيل وفتح المجال الجوي السوري امامها.

الرئيس بوتين في سوريا في موقع تقاطعات هامة ومعقدة في الوقت نفسه: فالولايات المتحدة واسرائيل وتركيا بحاجة اليه الى جانب إيران والاسد وهو يريد وجودا راسخا في سوريا، لكن في الوقت عينه لكل منهم مصالحه المتناقضة معه.

وبالانتظار، ستستغرق حلحلة العقد المتنافرة والمتناقضة وقتا وتتطلب سيناريوهات عشية انعقاد الجولة الثالثة عشرة من قمة “أستانة ” التي فقدت الكثير من زخمها، في مرحلة انتقال سوريا من السيطرة الايرانية الى السيطرة الروسية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل