شربل… قديس الصمت المدوي

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1697

شربل…

قديس الصمت المدوي

غرق في أسرار السكون واختصر النسك الماروني

 

هو قديس من أكبر أبطال الصمت المعاصرين. لم يكتب، لم يعلّم، لم ينقل اختباره، ولم يترك وراءه مؤلّفات أو أعمالاً خيريّة تتحدّث عنه وتذكّر به. لم يترك سوى صمته. فكان نموذجاً لتراث الصمت الماروني والنسكي المتواصل. غرق في صميم أسرار الإيمان والسكون وسكت فكانت قوته وعظمته في سر صمته.

هو قديس لبنان الراهب الحبيس شربل مخلوف (1828-1898) الذي عاش اختباره الروحي بصمت واختار عيشة الصمت طفلا وفلاحا ومبتدئا وراهبا وحبيسا. هو القديس الصامت الذي اختزل في صمته نشأة النسك الماروني وتطوره، وتجذر القيم الرهبانية في حياة موارنة جبل لبنان حتى قال فيه الأب ميشال حايك «إن معجزته الكبرى تكمن في أن صمته ولّد كل هذا الكلام». واستمر الكلام في أعاجيب القديس شربل التي اخترقت أسوار الحدود الدنيوية وجثمانه الذي لا يزال ينضح صمتا صارخا على رغم ضجيج قوافل المؤمنين الذين يؤمون قبره بالآلاف يوميا لتلمس الشفاءات. شربل القديس الصامت صار بطل القديسين ومثالاً لروحانية لا تقوم على الوعظ والتبشير، بل على قيمة حياتية وطاقة إنجيلية، لغتُها فضائل وأفعال خفية حُررت بصمت مطبق، بسكوت مستمرّ من أجل الله. فمَن هو هذا «الختيار» الذي شغلَ الدنيا واللبنانيين؟ وما سرّ هذه العلاقة الوطيدة بين القدّيس شربل واللبنانيين من كل الطوائف الذين يقصدون مزاره في عنايا للتعمق في شخصيته ومظهره وأعاجيبه والتعرف إلى الإنجيل وعِبَره؟ وإلى أين وصلت اليوم؟

ماذا بعد؟ في حضرة الكلام عن القديس شربل لا شيء أرقى من الصمت.

 

8  أيّار 1828، في ذاك اليوم صدح بكاء مولود «قدّيس» في منزل أنطون مخلوف وبريجيتا الشّدياق في بقاعكفرا، صبيّ أشارت تصرّفاته منذ حداثته إلى مستقبله المقدّس.

هو شربل مخلوف عميد القدّيسين في لبنان والّذي أصبح بعد 149 عاما تاريخ إعلان قداسته شعلة توقد حرارة القلوب التّوّاقة إلى الله، وتغرز جذور الإيمان في نفوس تحوّلت إلى خصبة بعد تعرّفها إليه. أضاء درب السّالكين في الظّلمة، ورافق كل من طلب صداقته في دروب الحياة المتعرجة، ومنح المتألّمين بالرّوح والجسد نعمة الشفاء.

هو القدّيس الذي بكلماته القليلة وأقواله المأثورة، قدّم فلسفة عميقة بعيدة كل البعد عن «الفزلكة»، فلسفة لم يدوّنها في كتب أو يؤلّف حولها دواوين، روحانيّة لا تقوم على الوعظ وإنّما على التّبشير بالفعل والشّهادة، وغالبا ما هي أفعال وتضحيات خفية للبشر ومرئية لله وحده.

كان راهبًا عاملاً طائعًا، فقيراً، عفيفًا، وديعا وصبورا. هو الصامت المصغي في حضرة الرب والمتأمل بكمالات الخالق بصمت مطبق باحثًا عن غذاء الروح والاتّحاد بالله، فما كان سبيل لذلك سوى بالنسك والعزلة في غمرة السّكون والسكوت فعانق الرّوح وسكر بالله وسجد للقربان المقدّس وناجى مريم والدة الإله في محبسة مار بطرس وبولس في عنّايا حيث يزحف الملايين إلى ذاك المقام ليخاطبوا شربل ويناجوا الرب بواسطته.

ثمة من يجزم بأن حبّ الحياة الرهبانيّة قاد شربل إلى القداسة، وليس العكس، إذ كان من الممكن أن يحصل شربل على القداسة في أيّ مكان وفي أيّ ظرف، غير أنه شاءها أن تكون كما عاشها في الدير، في المحبسة، في الأرض، حياة ملؤها الصمت والصلاة والزهد والتقشُف وقهر النفس. فالصمت الذي رصف عليه شربل سائر ما تحلّى به من فضائل ومميّزات هو أساس البنيان، هو ركن قداسته، وقاعدة تكرّسه لله. وبهذا الصمت استطاع أن يشمل الجميع بمحبّته من دون أي تمييز أو أن يسكر بمديح وينفعل لقدح ما.

صمته ولّد أكثر من علامة استفهام لدى الكثير من الباحثين لكنه بغض النظر عن كل التحليلات ساهم في أن يقدّس شربل نفسه بجدّية، ويقدّس معه إخوته، ومجتمعه، والعالم أجمع، ذلك لأن شربل لم يترك لحظة إلا وكان يلتمس فيها قلب الله.

من هذا الصمت يستمد إبن عيلة مار شربل بول عنداري معالم خارطة طريق الإيمان ليمشي عليها مع  المؤمنين الذين يؤمون دير عنايا مساء كل ليلة جمعة ويقول: «مار شربل اشتغل كتير بس بصمت لكن صمته كان مفعما بالكثير من الكلام من هنا فإن أي كلام عنه يكون ناقصا ولا يعبر عن حقيقة التجلي الكبير لعمل الله الذي نقف أمامه بدهشة فنسبّح ونمجّد ونسجد».

ثمة من يسأل:»لماذا مار شربل دون سواه من القديسين»؟ ويجيب عنداري: «ببساطة لأنه يعكس صورة تجلي الله وعمله وحضوره في الإنسان. وأمام هذا التجلي لا بد وان يقف الإنسان بدهشة وانجذاب. في المقابل يختصر شربل عصارة واقعنا المسيحي الماروني الجبلي والنسكي، ويحاكي تاريخ الموارنة الذي عاشوه في الأرض والجبال والعيلة. مار شربل جسّد هذا المثال، حاكى صورة الله وعمق اللبناني إبن الجبل وصولا إلى كل المذاهب والطوائف في لبنان وكل أصقاع العالم. ومجرد ذكر إسم لبنان في أية بقعة من العالم يأتيك الجواب» يعني إنتو من بلد القديس شربل». ويضيف عنداري: «ورد إسم لبنان 70 مرة في الكتاب المقدس واليوم جاء شربل ليحافظ لنا على هذا التاريخ المقدس من النضال والحرية. شربل رجع ضوى ع لبنان وقديش نحنا مدينين لربنا بالشكر على هالنعمة».

الصمت في حد ذاته، صفة إنسانيّة راقية، وسلوك اجتماعي سامٍ، وفضيلة مسيحيّة مميّزة. والحياة الرهبانيّة توفّر، أكثر من سواها، الأجواء الملائمة لنموّ هذه الفضيلة وهذا السلوك. وعندما نغوص في التأمّل في سيرة القدّيسين، وفي تتبّع مراحل حياة طالبي الكمال والعيش مع الله والاتحاد به، نتساءل دائماً عمّا إذا كان الصمت أجدى من الكلام في سلوك طريق القداسة، في الوقت الذي عرّفنا اللهُ عن نفسه بأنه «الكلمة» الناطقة التي تُعطي الكائنات معانيها. بهذه الإشكالية طرح الباحث والمؤلّف في الدراسات الإسلامية والتاريخ الكنسي الأب الدكتور جوزف قزي في مقدمة كتاب «شربل رفيقنا الصامت» للدكتور لويس صليبا، واستتبع كلماته بخلاصة مفادها: «الشيء نفسه يُقال عن الصمت، فهذه الفضيلة التي تعتبرها بعض الرهبانيّات نذراً كسائر النذور، هي اليوم فضيلة إنسانيّة يعمل الراهب على تنميتها والتمسّك بها على أنها تزيده قداسة وتفيده حبّاً لله ولإخوته البشر».

عرف شربل كيف يتعامل مع «المطلق»، مع «الكلمة»، لا مع الكائنات ولا مع كلام البشر. لهذا آثر الخروج من عالم الكلام إلى «الكلمة»، بمعنى آخر ذهب إلى التكرّس التام لله الذي لا يُلهي عنه شيء في الوجود. فهذا «الصامت» اختصر حياته مع الله بتخطّي الكلمات والجزئيات والنسبيات، واتجه مباشرة إلى الينبوع، إلى المطلق، إلى «الكلمة» لكن ليس بواسطة «الكلام» إنما بالصمت.

ثمّة سؤال بدهي يُطرح، ما الذي يضيفه اختبار شربل في الصمت إلى المسيحية؟ وما هو مبرر عرض سيرة هذا القديس من زاوية اختباره للصمت؟ لمَ هذا الحجم المكرس لاختبار شربل، ما هي أسرار انجذاب المؤمنين للقديس شربل وطلب شفاعته إزاء كل مصيبة تعترضهم أو مرض وما الذي يُقال في ناسك عاش صمته… بصمت؟ يقول الأب جوزف قزي ملخّصاً إشكالية الكتابة عن الحبساء: «إذا شئت أن تكتب سيرة أحد القدّيسين النسّاك، فإنك تعجز أن تكتب ما تملأ به صفحة واحدة من كتاب، حياة النسّاك ولو بلغت خمسين عاماً، هي هي كأنها يوم واحد».

قد تكون العجائب التي تخطت حدود الدنيا محور جذب المؤمنين الذين يتقاطرون إلى دير عنايا طالبين شفاعة القديس البطل، لكن هناك أيضا الجوّ الروحي والحضور القدسي المهيب الذي يفعم به زوار المكان، وقد يصعب عليهم التعبير عنه، لاتصالهم باختبار داخلي فيما وراء الظاهر والمحسوس. يروي الأب قزي في كتاباته عن صمت القديس شربل: «لم أشك يوما أن لصمت شربل الطويل دوره الحاسم في دوام هذا الحضور واستمراره. وأذكر هنا حوارا لمؤلف الكتاب لويس صليبا مع أستاذه الباحث المتصوف روبير كفوري حيث قال له صليبا: «إن منطقتي (قضاء جبيل) ربّما تكون الوحيدة التي لم تكتوِ بنار الحرب اللبنانية الطويلة». فأجاب كفوري: «قد يعود الفضل في ذلك إلى صمت شربل». وليس كفوري هو الوحيد ممّن يعتقد ذلك. فكثير من أهالي هذه المنطقة شعروا خلال الحرب وبعد انتهائها أنهم في حِمى شربل وحمايته. ويصعب بالطبع التأكّد حسّياً من واقعيّة هذا الشعور. فالأمر، إذا صحّ، يتعلّق بظاهرة خفيّة صامتة. ولكنها، في أية حال، مؤشّر لرسوخ صمت شربل واستمرارية حضوره».

ولعل حضور الله في مار شربل من الأسباب التي جعلت من هذا القديس حالة إستثنائية في حياة البشر. يقول بول عنداري: «في العادة ينجذب الإنسان إلى مجموعة عوامل مادية كمثل السلطة والشهرة والمال لكن الإنجذاب الحقيقي والعميق للإنسان هو للإتحاد بالله. والثابت أن حضور الله في حياة القديس شربل كان له الأثر الأكبر في انجذاب الناس وجعله حالة إستثنائية في تاريخ القداسة والقديسين. وقد تكون طبيعة شربل التي تختصر جوهر مسيحيتنا من الأسباب التي تجعل من مقام عنايا ملجأ لكل موجوع ومظلوم وحتى لطالبي الصمت. وأذكر أنه خلال مرحلة الوصاية السورية والظلم وكبت الحريات كانت عنايا المتنفس الوحيد الذي يلتقي فيه الشباب. يومها قلت «بيكفي يكون عنا بلبنان عنايا».

من هذا المكان الذي يفيض نعما وأسرارا يعجز العقل والعلم عن تفسيرها ولدت «عيلة مار شربل في 10 آب 1995 أي بعد 9 أشهر على اختبار ريمون ناضر في 10 تشرين الثاني  1994»في حالة بيعيشا الإنسان فوق ما بتتفسر. كأنو الله فايض كل نعمو ب مار شربل… إرتدادات، صلوات، أعاجيب، دعوات كهنوتية. تصوري من عيلة مار شربل صار طالع 20 كاهن وراهب وراهبة وهيدا كلو بفضل نعم ربنا. عيلة مار شربل ثمرة بحقل كبير ونِعم لا متناهية منها ما هو معروف ومنها ما هو مجهول ولعل الأهم ما هو غير معلوم».

 

ما هو معلوم ان لبنان أرض القداسة والقديسين أرض مار شربل لكن هذا وحده لا يكفي بحسب عنداري. «بدو يكون عنا ثقة بالرب وإيمانا بكافة الظروف اللي بتمرق علينا. ربنا عندو مشروعو وربنا ما بيفيض إلا الخير على المجتمعات. بس من جهة تانيي عنا كمان واجباتنا… الله بيشتغل من خلالنا، بثباتنا بعملنا بتضامننا برفضنا لكل ما هو سيء… بس شو بدو الله بلبنان؟ ما بعرف».

لعل شعار لبنان أرض القداسة والقديسين، أرض مار شربل كاف لثبات المؤمنين بالنعم التي فاضها الله وسكبها في قديسيه، لكن الحقيقة في المفهوم الروحي أبعد وأعمق من ذلك. «لا يكفي أن نكون مسيحيين بالجسد، فالله يتدخل عبر مار شربل. والمؤمنون بهذه الأرض، أرض مار شربل باقون فيها على رغم كل الظروف لإكمال الرسالة المطلوبة. لكن في المقابل هناك عمل الشر المثمثل في الأشخاص الذين يخططون ويعملون على تدمير لبنان. هؤلاء لن يختفوا ولن يتوقف عمل الشر لديهم. هم باقون ومستمرون بطريقة مباشرة وغير مباشرة في اعمالهم، وما بينهما الفئة المدعوة للقيام بواجباتها وهي تشكل الجزء الأكبر من هنا ضرورة خروجها من بوتقتها لأن معدل الشر سيزيد فيما لو استمرت هذه الفئة على تقاعسها».

حبيس عنّايا السكران بالله، القدّيس الصامت، الختيار… تعدّدت الأسماء وشربل واحد، فهذا القديس الكبير في أفعاله والبسيط في حياته يبقى الحقيقة التي شكلت لغزا كبيرا للبنانيين وكافة الشعوب في كل أصقاع الأرض حتى اليوم. فما كان يفعله هذا «الختيار» وما يزال، وما يمكن أن يفعله في صمته شكل أمثولة في بطولة الصمت وبطولة القداسة.

اليوم يقف الزائرون على عتبة عنايا خاشعين بأعداد متكاثرة، متيقنين يوماً بعد يوم من عظمة «ختيار» عنايا، الذي يُثبت للبنانيين وللعالم يوماً بعد يوم أنه لم يعجز بعد عن فعل العجائب مع اللبنانيين وغير اللبنانيين من كلّ الاديان وكلّ البلدان، لتسقط مقولة إنّ القدّيس هو قدّيس الوطن الواحد ويترسخ شعار»لبنان أرض القداسة وشربل»… وكفى.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل