#adsense

ختيار عنايا الشاب

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1697

ختيار عنايا الشاب

هون مار شربل…

هون ريحة المسيح

 

دخل الراهب خلسة. قرع الجرس، وهرع الى السنديانة يستظلها في انتظار أوجاع الناس. رأيته ينهض، ورأيته يجلس ويستمع. لأني خاطئة رأيته، في الغالب يحضر القديسون للخطأة قبل سواهم، ويسمعون طلبات وصلوات الأبرار من دون حضور شخصي. كانت يده تداعب شعري الناعم ورأسي الصغير لم يستدرك صاحب اللمسات تلك! إلتفتّ فجأة فلم أجده، كان جالسًا في شخصه تحت السنديانة. «يا ربي دخلك هيدا مار شربل عن جد، يا بونا رحمتك»، وإذ فجأة ألمح طيفه يعبر فوق رؤوس الآلاف. الآلاف. كيف سيستمع لكل هؤلاء واحدًا واحدًا؟! لماذا كل تلك الحشود هنا؟ اليوم 22 الشهر. هون عنايا، وها أنا ألحق بنهاد الشامي صوب عيون الختيار لـ بيركع يصلي بالومى…

 

السابعة صباحًا ماذا يفعل كل هؤلاء الناس على طريق المحبسة؟! أي ساعة انطلقوا أساسًا ليصلوا هالقد بكير؟ أو لعلهم ناموا فوق في العراء يتدثرون مار شربل، وهو يجول على ليلهم، يغطيهم من البرد ويقيهم صقيع الأيام؟ «نمت هون من ليلة الأحد وكانت أجمل ليلة بحياتي» يقول شربل الذي جاء عنايا من البقاع الغربي ليشارك في مسيرة نهاد الشامي. «صرت مشارك أربع مرات وكل مرّة بحس انها أول مرة». تقول لوريس، «مش لأني مريضة بجي لهون، بس ما برتاح إلا هون» وتركع عند عيون الختيار تستعير دمعها لترتاح. «هيدا أحلا مطرح بلبنان وبدي خبرك شغلة… ييي ما تواخذيني وصلت الست نهاد» ولم تكمل تيريز حكايتها، هرعت لاستقبال نهاد الشامي التي وصلت الى كنيسة المحبسة، وتجمهر الناس من حولها ثم تكوّروا أمام باب الكنيسة الصغير المفتوح على دنيا، على السماء، يصلّون من بعدها ويرتلون. في حين افترش آخرون الباحة جلوسًا قرفصة وقوفاً، والكل يصلي بحرارة غريبة، ونحو التاسعة انطلقت المسيرة من المحبسة باتجاه دير مار مارون وعلى الطريق عبرت الحكايات…

مذذاك الحوار الشهير بين الحبيس وأمه من خلف حيطان الدير، حتى صار مار شربل حكاية إنسانية عابرة للأديان والأوطان. ذهبت أم شربل مخلوف خائبة لأنه لم يسمح لها أن تراه ولو للمرة الأخيرة، وهرع هو الى يسوعه يستمد منه القوة كي لا يضعف أمام عواطفه، فبدأت حكاية ولا كل الحكايات. حكاية لم يكن يعرف لبنان أنها ترفعه الى سابع السماوات بفضل قداسة وتواضع كاهن من بقاعكفرا.

«يا راكع ع تلة جارتها السما ما بتحكي بتصلّي لـ الله بالومى» يخترق صوت عبير نعمة المسيرة الخاشعة. كم عددهم؟ بالآلاف. يبدون شخصًا واحدًا، صامتين خاشعين، هائمين بحب المكان، بيت شربل. وين الست نهاد؟ هون بالسيارة مع القربان، «صارت كبيرة بالعمر ما بقا تقدر تمشي». وكلما اقترب الناس من السيارة يحاولون لمسها لأخذ البركة «أنا ما خصني يا ولادي البركة مش مني، البركة خدوها من مار شربل» تقول لهم بكل طيبة وحنان.

أصاب نهاد الشامي أم الدزينة أولاد، الكثير من الصعاب، ولم تتراجع. «ربيت 12 ولد بخوف ربنا بس ولا مرة تخايلت اني رح كون محبوبة هالقد من ربنا ويبعتلي مار شربل يخلصني» تقول في إحدى مقابلاتها الصحافية. الى جنبات الطريق المحفوف بالإيمان، سيدات يركعن، أخريات يمشين حافيات غير مباليات بأوساخ الطريق، ولا أوساخ هناك ما عدا غبار التراب وتراب المكان مقدس، إكسير شفاءات غالبًا. «لو بمشي ع العصا بدي ضل إجي كل 22 الشهر» يقول العم جريس إبن الثمانين الذي شفاه القديس من مرض السكري لما كان في عمر الأربعين ومذذاك التاريخ وهو زائر عنايا الدائم.

العام 1993، وكان الإحتلال السوري ينهش لبنان في الإتجاهات كافة، وطاقات الأمل مسدودة، مسمّرون الى شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» يوم كانت شاشة الكرامة وناسها، وفي نشرة الأخبار تظهر سيدة تخبر عن عجيبة اقترفها مار شربل من خلال إجرائه عملية جراحية لها في رقبتها وكانت مصابة بالشلل النصفي. «جايي أعملك عملية» قال لها في تلك الليلة من 22 كانون الثاني. وشفيت السيدة وترك الختيار آثاره الدامغة على رقبتها التي بدت واضحة على شاشة التلفزيون. ولما قررت أن تترك بيتها لترتاح من الحشود ظهر عليها القديس وقال لها بالحرف «ما تتركي الناس خليكي ع إيمانك، أنا جرحتك بقدرة الله تـ يشوفوكِ لأن البعض ابتعد عن الصلا وعن الكنيسة واحترام القديسين وانتِ ما بتقدري تعملي شي للناس. يللي بيريد مني شي أنا الأب شربل موجود بالمحبسة على طول وبطلب منك تزوري المحبسة كل 22 من كل شهر وتسمعي قداس كل عمرك» ومذذاك الوقت وكل 22 من الشهر يفتح القديس ذراعيه لاستقبال حشوده.

 

كنا نظن أن مع الوقت ستخف الحماسة، سيبهت هذا الجنون، جنون المحبة وليس أقل، سيضجر الناس، سيتعبون، سيتخلّفون، سيضعف الإيمان، وإذ وعلى مر السنين، تتضاعف الأعداد  ومعها تتضاعف عدد أعاجيب القديس التي قاربت الثلاثين ألف أعجوبة شفاء، من بينها عشرة في المئة لغير المسيحيين، بحسب ما وثّقت ملفات دير عنايا. «حبيب قلبي يا مار شربل هيدي أول مرة بشارك بالمسيرة وما توقعت هالشعور وهالروعة» تقول صونيا التي لم تأتِ لتطلب أعجوبة من قديسها «صحتي الحمدلله منيحا، بس بحب أقعد معو وإحكيه وخبرو أخباري لأن بحس إنو موجود وبيسمع كل حرف من قلبي».

تكمل المسيرة طريقها الخاشع، وكلما اقتربت من كنيسة الدير كلما زادت الأعداد. من أين يأتي كل هؤلاء الناس؟ كيف يسعهم المكان؟ لماذا أساسًا يأتون بهذه الكثرة وهذه اللهفة التي لا تقارب، لا تقارن؟! «كل يوم منخسر شوي من بلادنا ومن حالنا وما عنا وطن إلا عند القديسين وخصوصًا مار شربل» يقول طوني ويمضي الى خشوعه. هي الحاجة إذن الى وطن آمن يستريحون إليه؟ الى أعجوبة تنقذهم من موت وطن؟ الى أمل يعيدهم الى حضن لبنان ذاك العتيق العابق ببخور النساك وصلابة الوديان وعطر لبنان الأصيل بالكرامة والإيمان؟

وقف سائح فرنسي يراقب المشهد بذهول، c’est incroyable  قال لصديقه اللبناني، الذي بدا فخورًا بالمشهد الإيماني الكبير، c’est mon Liban أجابه! «لبنانك؟!» سألت الشاب «إيه أكيد، هيدا لبنان الإيمان لـ منحبو، شوفي صديقي دومينيك فرنساوي، أول ما وصل ع لبنان طلب يطلع ع مار شربل، بتعرفي شو قلي بس شاف هالمنظر؟ قلي ما تخافوا ع لبنان طالما عندكن قديس هالقد عايش بيناتكن». حتى الأجنبي لمس حضور مار شربل بين ناسه. لعله رآه لكن ربما لم يفهم ما رأى وظن أنه يتراءى له. قرأ الأجنبي قلب ناسك عنايا، وناسك عنايا لا يخفي مشاعره، يفلشها على مساحات الحب من هون لكل الدني.

شقّ القربان المقدس طريقه بهدوء غريب وسط الحشود، تجلس نهاد الشامي في السيارة التي تقلّ القربان، تصلّي وتصلّي وتلوّح أحيانا لمن ينده عليها. وصلت المسيرة أمام كنيسة الدير، الى جنبات الطريق مؤمنون يركعون، يصلون، بعضهم يبكي تأثرًا، أو لعله هو البلسم الذي يضفيه شربل يجعلهم يبكون للحب المنهمر عليهم من حيث لا يدرون، ومار شربل… مار شربل يسرح بينهم، كل منهم شعر بحركة غريبة مريبة لامسته، والتفت ليعرف فلم يجد أحدًا، بعضهم لمح طيف راهب بالثوب الأسود يخترق الحشود، بحثوا عنه فما وجدوه إلا قابعًا بين ضلوعهم. بتخوّف يا قديس ع قد ما إنت حاضر بيناتنا. ربما نخاف القديسين لأننا عبرهم نعرف أن الرب يراقبنا، معنا، يجتاحنا في كل تفاصيلنا ويرسل لنا قديسيه لنؤمن أكثر، ولنرتدع.

نزلت نهاد الشامي من السيارة المكشوفة، صار القربان المقدس عند مذبح الكنيسة. هرع الناس علهم يتمكنون من التحدث إليها، يطلب الكاهن عبر مكبر الصوت الدخول الى الكنيسة ليبدأ القداس. طاف الرب في المكان، حضوره والقربان المقدس الذي دار على الآلاف المتجمهرة. هذا مشهد يتكرر في عنايا كل 22 من الشهر «هون مار شربل، هون ريحة المسيح، هون ربنا بدو يانا نكون. هون شي من لبنان أرض القداسة» يقول جورج… وهون يسرح مار شربل حيًا، ينهي جولاته على المرضى، يجري عملياته الجراحية بنجاح منقطع النظير ويعود ليسكن حاله في المحبسة، في الصامت القابع تحت السنديانة، في يده التي تلوّح لنا مودعة وهي تندهنا على العودة. أنت قديس غنوج مار شربل، مدلل، تحب الناس التي تحاصرك، تريدها أن تبقى في سجنك وأنت تعرف أن لا حرية إلا في ذاك الحب.

هبط المساء، ذهب الناس الى سعادتهم بعد لقاء القديس. جلست صبية الى ليلها مع الناسك. كان سكون النسمات غريبًا، وفجأة هبت ريح صغيرة عصفت بالشعر الناعم. هبت الصبية من صلاتها «إنت هون يا بونا شربل هيدي إيدك ع شعري؟ منيح لـ إنت هون تـ نبقى نحنا بحالنا»، وهرع ختيار عنايا الى محبسته، يضيء لمسيحه لأجلنا شموعًا، لوّح بيده من المحبسة، «لوين رايح يا بونا؟» ودخل في قربانة يسوع يسكر من حبه الأزلي وينتظرنا على أحر من الحب في 22 الشهر المقبل والمقبل والمقبل…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل