التهريب “أخضر أحمر” والخسائر بالمليارات

على الرغم من التقرير الموثق الذي طرحه ممثلو الاجهزة الامنية خلال الاجتماع الاخير لمجلس الدفاع الاعلى، والذي كشف عن وجود أكثر من 140 معبرا غير شرعي على الحدود بين لبنان وسوريا يتم عبرها تهريب الاشخاص والمواد والسلع على اختلافها، الامر الذي اكده وزير المال علي حسن خليل خلال مداخلته في جلسة مناقشة الموازنة العامة للعام 2019، لم يشهد اللبنانيون اجراءات ملموسة من قبل السلطات المختصة بحجم هذه الفضيحة.

البضائع المهربة من كل الانواع، من المشتقات النفطية والادوية والمعلبات والمشروبات الروحية والخضار والفاكهة ومواد التنظيف والغسيل والعطور، وصولا حتى الى الخواريف، على طريقة “سيري وعين الله ترعاك” من دون حسيب او رقيب، كما يروي المواطن البقاعي “أبو باسم” الذي يقيم عند “نقطة استراتيجية” على الحدود الشرقية بين لبنان وسوريا تسمح له بملاحظة حركة التهريب القائمة منذ سنوات، وبات خبيرا في معرفة اصناف المواد المهربة.

لم يتوقع “أبو باسم” البقاعي لحظة ان يصل التهريب والتفلت على الحدود الى ما وصل اليه. ويروي انه “دُهش منذ فترة حين خرج مساءً ليجلس على شرفة منزله، واذ به يفاجأ بقطيع من الاغنام يجتاح حديقته ويقوده شخصان الى حيث كانت شاحنتان من الحجم الكبير بانتظارهما”. وقياسا الى رواية “أبو باسم”، يبدو أن حتى بعض لحوم موائدنا “البلدية” ليست “بلدية” بقدر ما نظن، وجلسة المشاوي وكاس العرق اللبناني أصبحا بطعم مختلف.

عضو تكتل “الجمهورية القوية” العميد المتقاعد النائب وهبي قاطيشه يشير في حديث الى موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، الى انه “مع التشديد على ضرورة قيام الاجهزة المختصة بإقفال كل المعابر غير الشرعية، نظرا لما تشكله من مخاطر أمنية وخسائر اقتصادية، لكن هذه الاخيرة لا تشكل القسم الاكبر من عمليات التهريب الذي يتم عبر المعابر والمرافق والمرافئ الشرعية”. ويذكّر في هذا الإطار بـ”ما قاله وزير الدفاع الياس بو صعب من ان 90% من التهريب يحصل عبر المعابر الشرعية، و10% عبر المعابر غير الشرعية”.

ويؤكد قاطيشه انطلاقا من خبرته العسكرية، انه “يمكن ضبط المعابر غير الشرعية”، معتبرا انه “يتم تضخيم عددها لتبرير عدم مكافحة التهريب”. ويلفت الى ان “هذه المعابر موجودة بين جبل الشيخ جنوبا ووادي خالد شمالا، وهذه الارض ليست الأمازون ولا غابات افريقيا ولا طورا بورا، هي أرض صحراوية قاحلة حيث يمكن رؤية البرغشة عن بعد كيلومترين”.

ويستند لتأكيد موقفه الى “شهادة وزير المال حسن خليل، بأن التهريب عبر المعابر غير الشرعية، محدد ومعروف التهريب واسم المسؤول عن كل معبر واسم المسؤول عن التهريب من الطرف الاخر”. ويقول: “لذلك، هذه لم تعد عمليات تهريب، بقدر ما هي محمية من بعض رجالات الدولة الكبار”.

ويكشف قاطيشه عن كلام خطير “أدلى به مدير عام الجمارك بدري ضاهر أمام لجنة الادارة والعدل النيابية اول أمس الثلاثاء، إذ قال إن الحاويات التي تدخل الى مرفأ بيروت (شي أخضر شي أحمر)، والقسم الاكبر من الأخضر لا أعرف ماذا يحتوي من بضائع ولا من أدخله أو يقوم بتهريبه، ولا كيف يخرج او كيف يتم ذلك، وهو لا يخضع لمراقبتي ولا يتبع لي مباشرة”.

ويشير الى ان “البضائع المهربة سواء عبر المعابر الشرعية او غير الشرعية، تضم كل أنواع البضائع من دون استثناء، من الحذاء والمشاية الى الصاروخ. وأعطي في اجتماع لجنة الادارة والعدل مثل عن ان الجمارك على بعض أنواع (المشّايات) دولاران، فيما تباع في بعض المناطق بـ2000 ليرة!”.

وليبيّن حجم الأموال الضائعة على الخزينة، يلفت قاطيشه الى ان “حجم ما يستورده لبنان بنحو 20 مليار دولار سنوياـ أكثر أو أقل بحسب السنوات ـ فيما الجمارك لا تحصل الرسوم حتى عن أقل من ربع هذا الرقم فعليا بأفضل الاحوال، إذ يتم التلاعب بتسجيل نوع البضاعة الحقيقي واستبداله باسم بضاعة أخرى، كمثل تسجيل حاوية ساعات على أنها ألعاب أطفال، للتهرب من الرسوم الجمركية الفعلية”.

من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة لموقع “القوات”، أن “التهريب عبر الحدود الشرقية مع سوريا يتم عبر أكثر من 142 معبرا غير شرعي”، مشيرا الى ان “الجيش اللبناني أغلق عشرات المعابر غير الشرعية وطمرها بسواتر ترابية، الا ان المهربين اعادوا فتحها بعد اخلاء الجيش لها”.

ويلفت الى ان “تهريب البضائع عبر المعابر غير الشرعية على الحدود مع سوريا، يتم نظرا الى فرق الاسعار، والبضائع المهربة تضم منتجات زراعية ومنتجات صناعية من كل الانواع”.

ويكشف عجاقة عن ان “الخسائر المباشرة على خزينة الدولة اللبنانية تتراوح بين 300 الى 500 مليون دولار سنويا، منها 100 الى 200 مليون دولار عبر المعابر غير الشرعية، والباقي عبر المعابر الشرعية. في حين ان الخسائر غير المباشرة أو الكلفة على الاقتصاد، تفوق في اقل التقديرات 500 مليون دولار سنويا”.

ويشير الى ان “ثمن البضائع المهربة يتم دفعه بالدولار الاميركي، مما يحرم لبنان من العملة الصعبة ويزيد الضغط على الليرة اللبنانية، علما ان الوضع المعيشي الصعب هو احد اسباب ازدهار التهريب”.

ويوضح عجاقة ان “احدى وسائل التهريب عبر مرفأ بيروت هي من خلال تسجيل البضائع بخانات غير الخانات التي تتناسب والبضائع. وهذا ما يرتب خسائر مباشرة من مليار إلى مليار ونصف دولار سنويا في اقل تقدير. في حين لا تقل الخسائر غير المباشرة عن مليار دولار سنويا”.

ويضيف، ” كذلك التهريب عبر مرفأ طرابلس، يتم بالطريقة ذاتها عبر تسجيل البضائع بخانات غير خاناتها الفعلية، فيما التقديرات تبقى غير دقيقة نظرا إلى أن النشاط الفعلي في المرفأ بدأ العام الماضي، لكن الخسائر المباشرة تبلغ 50 مليون دولار سنويا في اقل تقدير. أما بالنسبة الى التهريب عبر مطار بيروت، فلا معلومات دقيقة حول ذلك، ومن الصعب التقدير”.

بدورها، تستغرب مصادر اقتصادية لموقع “القوات”، “كيف ان الاجهزة الرسمية والوزراء يملكون معلومات تفصيلية عن معابر التهريب والمهربين والاشخاص الذين يشترون المواد المهربة ويسوقونها في الاسواق اللبنانية، ولا نرى في المقابل المهربين موقوفين بالمئات والبضائع تصادر بالأطنان، انما الاكتفاء بإلقاء القبض بين فترة واخرى على بضعة اشخاص او مصادرة شاحنة صغيرة وما شابه مثلا، فيما حيتان التهريب الكبيرة تسرح وتمرح على هواها”.

وتؤكد المصادر الاقتصادية ان “التراخي والفلتان القائم على الحدود بين لبنان وسوريا وفي المرافق والموانئ الشرعية، يكبد الخزينة اللبنانية خسائر بمليارات الدولارات سنويا، في ظل العجز الهائل الذي ترزح تحته البلاد واستعطاف الحكومة للبلدان الصديقة للبنان لمساعدته للخروج من أزمته الخانقة، واعداد موازنة تقشفية (زُيِّنت) بكمية من الضرائب والرسوم الجديدة لمنع الانهيار”.

وتجزم بأن “ضبط التهريب الشرعي وغير الشرعي واقفال المعابر غير الشرعية، كاف لعدم ارهاق اللبنانيين بالضرائب والرسوم في ظل بطالة قاربت الـ40%، وضائقة اقتصادية خانقة، وأوضاع اجتماعية مأساوية، ومعدلات فقر بلغت نسبا غير مسبوقة وهجرة اللبنانيين بعشرات الالاف سنويا”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل