نتائج التعطيل

أن تقول الحقيقة كاملة هذا لا يعني أن تكون من جماعة النقّ والشقّ في بلد يتهاوى ويترنّح من دون أيّ حسيب أو رقيب، أو حتى بغياب رؤيا على الأقلّ تؤمّن له ديمومة صموده. الخطوات الدستوريّة مطلوبة لكن يجب أن ترقى هذه الخطوات إلى المستوى العملي من خلال برنامج إصلاحات فعليّة تصاحب هذه الاجراءات. فهل من يجرؤ على وضع الاصبع على الجرح؟ أم أنّ قول الحقيقة صار تهمة؟

لم يعد كافيًا استقامة البلاد دستوريًّا فقط. فالتّعطيل الحكومي الذي دخل شهره الثاني لن ينفع حتّى الذين يرتكبونه. فذلك يشبه من يطعن رجله بسكّين، ويلوم الآخرين لعدم قدرته على السّير. والوقت لا يتّسع لصراع الصلاحيّات اليوم. فهذه المسألة الوحيدة الواضحة دستوريًّا، ويجب ألّا نقحم البلاد في جدالات بيزنطيّة حول تفسيرات لها لن تقدّم ولن تؤخّر في تقدّم عجلة الدّولة.

ما لا شكّ فيه أنّ إقرار الموازنة خطوة أساسيّة لكن يجب أن تكون كنتيجة على عمليّة الاصلاحات التي سبقتها، لا العكس. لكن المفارقة في هذا المجال أيضًا أنّ هذه الموازنة لم تتبع بعد بإصلاحات تذكر حتّى الآن، ومردّ ذلك نفق التّعطيل الذي تمّ إدخال البلاد فيه من قبل من يملكون القدرة على التّعطيل. وهذا ما سيزيد الامور تعقيدًا نحو الأسوء. فالحالة الاقتصاديّة يجب أن ترافق بحالة استقرار ليصار إلى معالجتها. والاستقرار الأمني وحده غير كافٍ. بل المطلوب استقرار سياسي، وهنا بيت القصيد.

فكلّما احتاج البلد إلى استقرار في مجال ما لتسير عجلته، يدخلونه في نفق من عدم الاستقرار، سواء في المجال الأمني أو السياسي. فالاقتصاد لا يمكن أن يستقيم في بلد غير مستقرّ. من هنا، ضرورة إرساء الاستقرار لتحقيق الاستمرار. ماذا وإلا لن نستقرّ على الاستمرار، ولا حتّى أن نستمرّ في الاستقرار. وعندها لن تكون النّتائج في خدمة أيّ فريق، حتّى المعطّلين أنفسهم.

وفي السياق عينه، صارت اللعبة بأكملها مكشوفة. المعطّلون واضحون، جماعة 8 آذار وعلى رأسهم المايسترو حزب الله الذي يستخدم التّعطيل السياسي ليردّ على الحصار الاقتصادي والسياسي اللّذين يخنقانه. ولا نستطيع كسياديّين تحرّريين أن نواكب الحزب ومن لفّ لفيفه في المواجهة الدّوليّة. ولا يستطيع هو بنفسه أن يجرّ لبنان بأكمله إلى ساحة الصراع الدّولي استجابة لقناعات وليّه الفقيه. ولن نسمح بذلك. ولنا طرقنا، فلا يسألنّ أحد عنها.

هذه السياسات التي يقودها المايسترو الذي بات معلنًا، تفقد لبنان الاستثمارات لأنّها تمنع الاصلاحات. ولا يمكن التّعاطي مع المجتمع الدّولي على قاعدة التّعاطي السياسي في لبنان. فالإشارات السلبيّة التي يرسلها المجتمع الدّولي هي ما يجب مجابهته بالبدء فورًا بإجراءات إصلاحيّة عمليّة وليس كلاميّة. والفرص متاحة في ذلك، وليس أوّلها مكافحة التّهريب على المعابر الشّرعيّة أوّلا، ومعروف المايسترو في هذا المجال أيضًا، والمعابر غير الشّرعيّة، إضافة إلى التهرّب الجمركي الذي يصل إلى حدّ 500 مليون دولار.

والتّعطيل السياسي متبوع بتعطيل إداريّ مؤسّساتي، يضيف قوّة ما فوق الطّبيعيّة إلى مكابح الدّولة الاقتصاديّة، فتثبّتها بحالة الركود الاقتصادي. من هنا، المطلوب السير في التّنفيذ السليم لخطّة الكهرباء، بدءًا بتعيين مجلس إدارة كهرباء لبنان والهيئة النّاظمة على قاعدة الكفاءة لا المحاصصة. كذلك باستقبال المشاريع التطويريّة لهذا القطاع والتي من شأنها أن تحدّ الهدر فيه أكثر فأكثر. ومهندسونا الكهربائيّون من الأفضل في العالم، حيث أثبتوا نجاحاتهم في أصقاع العالم الأربعة. هذا فضلا عن قطاع الاتّصالات وبيع أصول شركات الخليوي لما تقدر أن تؤمّنه لخزينة الدّولة.

لقد باتت المسؤوليّة اليوم أوضح من الشّمس. من يعرقل هو وحده يتحمّل مسؤوليّة ما ستقدم عليه البلاد. والتّدهور الاقتصادي الحاصل اليوم مرهون بالتّدهور السياسي. ولا يستطيع أحد أن يساعد لبنان إن لم يساعد هو نفسه بنفسه. لذلك كلّه، الرّبط السياسي بين المكاسب والخسائر لم يعد جائزًا في هذه المرحلة، فالهيكل إن سقط سيسقط على رؤوس جميع من فيه. وقد أعذر من أنذر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل