الأب حبيقة: نطلب شفاعة شربل ولا نعبده

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1697

الأب حبيقة: نطلب شفاعة شربل ولا نعبده

لا مساكنة بين مسيحيتي وإيماني بأرض القداسة

 

«الْحقَ الحقّ أَقول لَكم: لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: إنتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم». هي قصة إيمان وليس إلا، إيمان يحكي عن فكرة الله التي هي أساس في الوجود. ولولا الإيمان لما كانت هناك حكاية حب البقاء والتجذر في وطن أقل ما يُقال في ظروف الحياة فيه إنها مقبرة الإيمان.

ثمة من يسأل، لماذا لا أزال أؤمن بهذا الوطن؟ لماذا أؤمن في المطلق وكل ما يحوط بنا يدمّر شعلة الإيمان؟ ماذا يعني أن نؤمن بالعيش والبقاء في أرض أنبتت شربل ورفقا والحرديني والطوباويان الأخ إسطفان والأب يعقوب الكبوشي والمكرم الياس الحويك… لائحة القداسة تطول في وطن قال فيه القديس يوحنا بولس الثاني «لبنان ليس مجرد وطن إنه رسالة». لكن من يحفظ مخطوطات هذه الرسالة؟ وهل بالإيمان وحده يحيا الإنسان؟

ثمة من يجزم بأن مسيحيي الشرق يدفعون أثمانا باهظة. لكن ثمن ماذا يدفعون؟ هل يكون ثمن حريتهم في اختيار هذا الإيمان تماما كما دفع البطريرك الأول مار يوحنا مارون ورهبان القديس مارون ال350 الذين نعيد ذكراهم في اليوم الأخير من شهر تموز من كل سنة؟

«إزرعوا قربان بتحصدو قديسين» قالها الطوباوي الأب يعقوب الكبوشي، أما اليوم فيصح القول: «إزرعوا قديسين يقوم لبنان ويخلص اللبنانيون».

 

بثقة يجزم البعض أن «الايمان المسيحي هو المستهدفدون أي إيمان آخر لأن لا إيمان في العقيدة المسيحية من دون حرية». لقد دفع المسيحيّون على مدى ألفي عام ثمن حرّيّتهم التي توأموها مع إيمانهم. حتى المسيح لم يتنازل عن حرّيّته عندما طلب منه بيلاطس إنكار ألوهيته لمّا سأله، «أأنت المسيح إبن اللّه الحيّ؟»، فأجابه، «لقد قلت».

كبشر علينا أن نعيش بحسب المعطى الإلهي الموجود في كياننا وان نكون مشروعًا أبديًا، أي ان نتخطى معطيات الزمن في المكان والزمان وننفتح على العالم الآخر اللامحدود. فهل يصح القول بأن الإيمان حالة تفتيش دائم؟

في قراءته الكونية والفلسفية التي يغوص فيها إلى أعماق جذور الإيمان يعتبر  رئيس جامعة الروح القدس ـ الكسليك الأب البروفسور الأب جورج حبيقة ان كل الحضارات المتراكمة التي وصلت عبر المكتوب تثبت أن قلة من الناس لم تكن لديها ممارسات دينية. «كان هناك بُعد ما ورائي لدى الإنسان الذي أدرك أن هناك طاقة أوجدته في هذا الكون المترامي اللامحدود. وهنا أستذكر قولاً للمفكر شارل مالك الذي يفصل بين كلمة «وجود» و«Existance». فالوجود من وجَدَ ، أي وجدنا ذاتنا ولا علاقة لنا بهذا الفعل، أما كلمة Existance، فتعني خرَجَ وظهَرَ من مهمّة أساسها الإيمان».

الإيمان حالة تفتيش دائم. نعم يجزم الأب حبيقة ويضيف: «هناك أديان تُدخل معتنقيها في سكينة مريضة. أما المسيحية فتزرع فينا القلق الدائم والتفتيش الدائم. كل الشعوب عبّرت عن إيمانها بطريقة أو أخرى ونلاحظ من خلال ذلك أنه بات هناك نوع من الوحي المكثَف. حتى أفلاطون وأرسطو تكلّما عن فكرة الله التي هي أساس في الوجود. مثلا يقول أرسطو لإبنه نيقوديموس: «ما لازم كبشر نقول إنو منعيش ضمن نطاق بشري عادي، وبما إننا محدودون علينا أن نعيش بحسب المعطى الإلهي الموجود في كياننا وأن نكون مشروعاً أبدياً، بمعنى آخر أن نتخطى معطيات الزمن والمكان وننفتح على العالم الآخر اللامحدود».

الإيمان واحد وهو موجود لدى الفيلسوف كما الرياضي كما الإنسان العادي وهو نتيجة لهزيمة العلم. وهذا ما نلاحظه مع الفاتح الأكبر إسكندر ذو القرنين الذي قرر عند وصوله إلى بابل وشعر بأن لحظة الموت اقتربت منه فعمل على جمع كوادره وقرّر أن يرسم خارطة جنازته بنفسه وطلب منهم أن يزرعوا درب موكب الجنازة بالمعادن الثمينة والذهب والفضة كدلالة على أن سعيه الدائم لجمع الثروات خلال غزواته لا يساوي شيئا، في النهاية سندوس عليها. كذلك طلب منهم أن يضعوا يديه خارج النعش للتأكيد على أن الإنسان لا يأخذ معه شيئا إلى المقلب الآخر من الحياة. وأخيرًا أمرهم بأن يحمل الإطباء نعشه حتى يتأكد الجميع أن الثقة التي نضعها في الطب والعلم تخفق أحيانا، وهؤلاء الذين اتكلنا عليهم لإنقاذ حياتنا أخفقوا في ذلك ولا قدرة لذلك إلا للخالق أما هم فسيكون دورهم حمل نعشه وحسب.

في القرن الثامن عشر أصيبت ظاهرة الإيمان بصدمة ولعبت الماسونية دورا في تحطيم الإنسان ووضعه على منصة الوجود بغض النظر عن الله. ويعتبر الأب حبيقة أن الحقبة الإيجابية تتمثل بوصول الإنسان إلى المرحلة الوضعية من خلال الوحي في مرحلة النضج الكامل لدى الإنسان». لكن من يحرك الإيمان؟ يجيب: «العقل والإيمان طاقتان مهمتان، فالعقل هو المحرك لأعظم الإكتشافات. لكنه يدرك أيضا أن لديه طاقة محدودة من خلال إكتشافاته جزيئيات من الحقيقة الهاربة. أما الإيمان فهو يغطي الثغرات التي يخلفها العقل، ويفتح آفاقا نحو عالم آخر». من دون الإيمان يصعب إيجاد الراحة الداخلية بحسب قول للفيلسوف واللاهوتي باسكال. أكثر من ذلك عندما يتكلم عن البرهان يلجأ إلى الإيمان «أنا أؤمن بالله، وحده يعطيني السلام».

 

الإيمان حالة يعيشها الإنسان الذي اتحد بقوة مع الله. لكن لماذا لا يزال اللبناني يؤمن بوطن أقل ما يقال في الظروف التي تحوط به إنه مقبرة الإيمان ومحفّز للكفر بوجوده في هذه الأرض؟ يجيب الأب حبيقة بفلسفته الروحية ووطنيته المتجذرة بأرض أرز الرب: «الإنسان مفطور على حب البلد الذي ولد فيه. ولبنان الذي ورد ذكره 70 مرة في الكتاب المقدس هو رمز للحياة والفرح والقوة والديمومة. عندما وصل السيد المسيح إلى صيدا وصور إلتقى بالمرأة الكنعانية فدخل معها بحوار لشفاء إبنتها وقال لها: «لم أر في حياتي إيماناً مثل هذا». ونحن ورثة الكنعانيين بحيث ولدنا على نفس الأرض وتقاسمنا نفس الحضارة التي ترمز إلى الإيمان. أما لماذا لا نزال نؤمن بهذا الوطن على رغم كل الظروف؟ الجواب واضح. فهذا الوطن هو مساحة تلاقٍ لأناس هاربين موجوعين يحملون على ظهرهم حقبات متكسرة، وذاكرة محطمة. وقد وجدوا في لبنان مساحة تلاقٍ وحرية على عكس باقي البلدان. نحن ورثة الكنعانيين ولدنا على أرض واحدة ونتقاسم الحضارة نفسها التي ترمز الى الإيمان. وعلى الرغم من كل شيء يبقى هذا الوطن وطن الإنسان. ولبنان بتركيبته البشرية والثقافية والسياسية والطائفية هو رسالة للعالم وعلى رغم كل المآسي والحروب والغزوات التي مرت على أرضه نراه في كل مرة ينهض كما طائر الفينيق. كيف؟ أنا أؤمن بأن هناك عناية إلهية تُسيّر أحداث هذا البلد وإيماني مبنيٌ على أسس وليس نتاج تفاعل عاطفي وحسب».

لا يخفى على أحد بأن موطن القداسة يبقى الأساس فيتعلق الإنسان بهذه الأرض المقدسة. فهذه المساحة المحيّرة التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس 70 مرة هي مساحة تلاقي البشر والأديان. وعندما نقول لبنان أرض القداسة والقديسين فهذا يعني أننا نعيش على مساحة مفعمة بحضور الله وإرادته لأن القديس هو من يستحضر حضور الله من التاريخ والجغرافيا، وهذا التحول الروحي يؤكد أن الإنسان في هذه الأرض هو مشروع روحي ما ورائي ويعمل على تحقيق ذاته يوميا. وإذا أردنا المقارنة بين لبنان أرض القداسة ولبنان من دون القديسين نلاحظ أن حال التشرذم هي المسيطرة لأن القداسة توحد اللبنانيين على مختلف طوائفهم والقديسون يرتقون بالشعوب إنطلاقا من معادلة «كل شيء يرتقي يسمو ويصعد يتلاقى».

 

لكن هل يكفي أن نتعلق بهذه المساحة في التاريخ والجغرافيا فقط لأنها أرض القداسة والقديسين؟ يجيب الأب حبيقة بسؤال: «من قال إن جنة الفردوس موجودة خارج لبنان؟ نحن نعيش على مركب واحد ونتخبط بنفس المشاكل والمصاعب والهموم. أقصى ما يمكن أن نفعله هو تغيير وضعيتنا من الوسط إلى المقدمة أو الخلف… فالوجود بالمعنى الفلسفي واللاهوتي يعني المنفى ومن غير الممكن أن نتذمّر في المنفى. ويختم في هذا المجال: «لا يزال لبنان على رغم كل مآسيه وهامش الفوضى فيه وطن الإنسان. من هنا لا مجال للكلام عن تفريغ لبنان من مسيحييه أو تيئيسهم. أساساً لا مساكنة بين مسيحيتي وهجرة المسيحيين من لبنان لأنني أقرأ التاريخ من زاوية مختلفة وإيماني راسخ بوطن الرسالة وأرض حضارة المسيح التي سأنقلها إلى باقي الأديان».

حياة القديس شربل شكلت ظاهرة فريدة وما الكتب والمؤلفات التي طُبِعت وانتشرت في أصقاع العالم إلا دليل عن حضوره المذهل، هو الذي قال البابا يوحنا بولس السادس في يوم تطويبه «إنها العناية الإلهية التي أرسلته لنا ليكون مثالا في فن الصمت والإصغاء». وعن هذا الصمت يضيف الأب حبيقة: «صمت مار شربل الإرادي هو صمت بليغ وكان يمهد له الطريق للدخول في لحظات التحول». ويستذكر الأب حبيقة قولاً لفيلسوف ألماني إرتد إلى المسيحية في القرن العشرين وأوجد صيغة كيانية مختلفة عن تلك التي فرضها الفيلسوف ديكارت الذي اشتهر بقوله «أنا أفكر إذاً أنا موجود». فجاء هذا الفيلسوف ليقول: «أنا أصغي إذاً أنا أتحوّل». وعن تعلق اللبنانيين على مختلف طوائفهم بالقديس شربل وانتشار عجائب وصيت هذا القديس الختيار في أصقاع العالم يوضح: «نحن نكرّم مار شربل ولا نعبده. شربل ليس إلا وسيطا وقد وصل إلى قمة القداسة من خلال تقربه من الله، وهو إنسان من قلب بيئتنا وعائلاتنا، تقدّس عبر الصلاة والتقشف والصمت وفي تكريمه نتقرب من الله وينال طالب شفاعته أعجوبة الشفاء. كل هذا تحقق بصمته وتذويب ذاته بالذات الإلهية فأصبح وجوده إلهيا كالخالق وذاع صيت عجائبه ليصبح قديس عابر القارات».

الإيمان هو حالة تفتيش دائمة. وهذا ينطبق على الديانة المسيحية التي زرعت فينا القلق والبحث بشكل مستدام. في حين نرى ديانات أخرى وقد أدخلت شعبها باستكانة مريضة. ويختم الأب حبيقة: «لا يمكننا مواجهة مستحقات الحياة من دون القداسة والرجاء. فالأمل يتداعى على صخرة الواقع في حين يتضاعف الرجاء المسيحي في المحن والمصاعب والخيبات. ومن دون هذا الرجاء تنتفي حركة الأمل وتقفل أبواب الرجاء بالمستقبل. فالأحداث والتاريخ ليسا من يد الإنسان إنما لله سيد التاريخ وخالقه».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل