في زمن الحرب والسلم… نشهد للحق بالدم والكلمة

في زمن الحرب والسلم... نشهد للحق بالدم والكلمة

السابع من آب هو اليوم الذي اختاره الشعب الآشوري كيوم للشهيد الآشوري. وهذا التاريخ مرتبط بمجزرة ارتكبت في قرية “سميله” في شمال العراق سنة 1933 حين اعلنت السلطات العراقية حينها الجهاد على الآشوريين.

وفي لبنان تحتفل كنيسة المشرق الآشورية بيوم الشهيد الآشوري وهذه السنة نُحيي الذكرى تحت عنوان “ربيعُ شهادة.. مستقبل أجيال”، وذلك للإضاءة على المقاومة السلمية وبالعلم والكلمة الى جانب المقاومة في زمن الحرب

وكتب منسق لجنة الشباب في كنيسة المشرق الآشورية وأمين سر جمعية رعية مار جيوارجيوس لكنيسة المشرق الآشورية نينوس جوزف عوده:

“في زمن الحرب والسلم… نشهد للحق بالدم والكلمة

“في طريق عودته عبر القرى والمناطق الآشورية فإن انظار بكر صدقي لم تكن تنقطع عن رؤية جثث الرجال والنساء والاطفال الآشوريين ملقية في كل ركن وبيت ومكان. كان الجهاد يعني الابادة للكبير والصغير، وما حدث كان كذلك” – من كتاب “الخيانة البريطانية للآشوريين”.

أي خد ندير؟ اي عدو نسامح؟ اي لاعن نبارك؟ واي مسيء نُحسن اليه؟

نحن لم نعتنق المسيحية في زمن المسيح لنتخلى عنها في زمن الارهاب. كما اننا لم نعتنق المسيحية طمعاً بالجنة او خوفاً من جهنم بل شهادةً للحق، لأن الحق يحررنا ونحن شعب اعتاد العيش بحرية.

المسألة لا يختصرها عدو نسامحه او لاعن نباركه او خطأ بحق شعب.

حاشى لنا ان نتذمر من ضريبة الدم في سبيل الحق والحقيقة، فنحن مدركون منذ اللحظة الاولى ان الدرب الذي اخترناه لا ينتهي الا مع المجيء الثاني للمسيح.

ولكننا كالمسيح نقف للحظات ونقول:” يا ابتاه ابعد عنا هذا الكأس”، ولكن سرعان ما ننتصب ونكمل درب جلجلتنا نحو الموت نحو الشهادة… نحو القيامة والغلبة.

“ها هي آثار الجريمة امام اعيننا. جمجمة انسان تتدحرج مع الحصى. كومات من العظام البشرية التي ابيضّ لونها. بقايا البسة مبعثرة. هياكل عظمية كاملة ما زالت معلقة على الشجيرات. السفح قد غطته العظام المتحابكة مع الجدايل النسائية الطويلة والمتشابكة باللباس الداخلي الممزق وبالأحذية المتقطعة. بين الضحايا اطفال ما زالوا في احشاء امهاتهم والشيوخ الذين فقدوا كامل اسنانهم. كل خطوة أحس بأن قدمي قد وقعت على جمجمة بشرية او استقرت على عظام انسان” – من مشاهدات المؤرخ هنري لايارد من كتاب “البحث عن نينوى”.

انتماؤنا لقومية عريقة يحتّم علينا التعامل بما تقتضيه الاصول الاخلاقية الانسانية لا سيما في زمن الاضطهاد، والاهم هو ان نثبت بما نؤمن به حتى النهاية لنخلص، ولا خلاص من دون المقاومة. مع تغير احوال الازمنة تغيرت طرق ووسائل المقاومة، لتشمل المقاومة الاجتماعية، المقاومة العلمية والسياسية الى جانب المقاومة العسكرية.

إن تشكيل الاحزاب الآشورية في العراق للميليشيات – المقاتلة ضد الجماعات الارهابية دفاعاً عن اراضي وقرى ابناء الشعب الآشوري – ضرورة ولكن ليست كافية، فمنابع الارهاب لا تجففها افواه البنادق فقط، فإلى جانب المقاومة العسكرية يجب على العراق ان يعتمد مناهج دراسية منفتحة تمكّن الطالب من التعرّف على كافة فئات المجتمع من اثنيات وقوميات وطوائف وان ترسّخ مبدأ العيش المشترك.

كما أن على العراق ان يقرّ حقوق الشعوب الأصيلة فيه وذلك في إطار قوانين ضمن الدستور الوطني، لا يمكن لنا ان نعيش بعد الآن تحت رحمة دكتاتور من هنا او جماعة ارهابية من هناك، فنحن من الشعوب الأصيلة لهذه المنطقة ومن حقنا ان نعيش بكرامة على ارضنا ومن حقنا ان نقرر مصيرنا الاجتماعي، الثقافي والسياسي وان تكون لنا القدرة الاقتصادية على ذلك، كل هذه الحقوق ضمنتها شرعة حقوق الشعوب الأصيلة ومن حقنا التمتع بها. لذلك فإن المقاومة العسكرية لا منفعة منها ما لم ترافقها مقاومة سياسية وحقوقية تضمن اقرار وتثبيت حقوقنا القومية والانسانية في الدساتير الوطنية.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على نواب شعبنا في البرلمان العراقي لصياغة هذه القوانين وتأمين البيئة والارضية اللازمة لإقرارها والعمل بها. وكذلك فإننا عبر المقاومة بالعلم نستطيع ان نحقق هذه الغاية لا سيما من خلال اصحاب الاختصاص والكفاءة بين ابناء الشعب الآشوري في الاغتراب، الذي يعمل جاهداً من خلال اللجان الشبابية والحزبية التي اسسها لطرح وعرض قضيتنا القومية والانسانية امام المحافل الدولية لا سيما اللجان الحقوقية في الامم المتحدة والبرلمان الاوروبي والكونغرس الاميركي. ان الانتصارات العسكرية والتضحيات بالأرواح قد تذهب صدى ما لم نثبتها بقوانين وتشريعات دستورية تحفظ ما هو حق لنا في بلدان الشرق لا سيما في العراق حيث للآشوريين الحق في اقامة منطقة حكم ذاتي إذا ما تم الاتفاق على اعتماد مناطق او اقاليم حكم ذاتي في العراق.

“لقد دخلت التاريخ المذابح التي اقترفها بدرخان بك زعيم اكراد بوتان ضد القبائل الآشورية المستقلة في تياري وهكاري باعتبارها اولى المذابح الجماعية المروعة التي حصلت في التاريخ الحديث والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من ابناء الشعب الآشوري” – من كتاب “الآشوريون بعد سقوط نينوى”.

لبنان النموذج

إن لمحة تاريخية لأبرز محطات الاضطهاد التي تعرض لها الشعب الآشوري تكشف لنا ان الآشوريين لم يكونوا وحدهم من تعرض لظلم الارهاب والوحشية بل ان الاضطهاد في كل مرة كان يشمل وبشكل خاص كل مسيحيي الشرق لا سيما مسيحيي لبنان.

ان المغاور الصخرية والاديرة المحفورة في الجبال أكبر دليل على ان الجماعات المسيحية الاولى في لبنان كانت عبارة عن افراد مقاومة ومدافعة عن وجودها وهويتها، ان المسيحيين في لبنان خلال منتصف القرن التاسع عشر وخلال الحرب العالمية الاولى وسبعينيات القرن الماضي تعرضوا لما يشبه ما تعرض له الشعب الآشوري أكان من مجازر او ابادة او اغتيالات واضطهاد دفعت عددا كبيراً من ابنائه للهجرة الى الخارج. فإذاً مما يتقدم يتبين لنا ان المسيحيين في لبنان عاشوا حياة مقاومة على الدوام وما نجاحهم سياسياً واجتماعياً وثقافياً الا خير نموذج نرى من خلاله لبنان مرآة الجماعات والاحزاب اللبنانية المسيحية المقاوِمة في زمن السلم والحرب، يجب ان ندرس تجربة هذه الاحزاب للاستفادة من اختباراتها وتجاربها.

إن بلدنا الحبيب لبنان يعيش فترة حساسة من تاريخه اليوم، فإلى جانب الخطر الارهابي الذي يتصدى له الجيش اللبناني الباسل، تقود الاحزاب اللبنانية المسيحية معركة استعادة حقوق المسيحيين عبر تدعيم دورهم في الدولة. ونحن كآشوريين في لبنان نرى أنفسنا في قلب هذه المعركة والى جانب الاحزاب المسيحية كما كنا دائماً وفي طليعتها حزب الكتائب اللبنانية، الحزب القوات اللبنانية، التيار الوطني الحر، حزب الوطنيين الاحرار وتيار المردة. وإن وحدة الصف المسيحي تعطينا راحة في التعامل واندفاع اقوى نحو تحقيق الاهداف لأننا كمسيحيين في لبنان اهدافنا واحدة وهمنا مشترك. لذلك نتمنى ان تخوض الاحزاب المسيحية معركتها ومعركتنا بوحدة صف وتصور استراتيجي موحّد.

إن لبنان بالنسبة لنا ليس حالة طارئة او عابرة وليس مصلحة آنية، ان لبنان بالنسبة لنا قضية حق يتحتّم علينا الوقوف الى جانبه دائماً كما ان لبنان وقف الى جانب الشعب الآشوري في كل مرة تعرضنا فيها لأي سوء او اضطهاد او تهجير.

من هذا المنطلق نحن نعتبر ان قضيتنا في لبنان لا يختصرها مقعد نيابي من هنا او وظائف من هناك، نحن نتعامل مع لبنان كوطن حافظ للحريات، وإن ما نتحلى به من حرية وكرامة وهامش للعمل القومي والانساني والمسيحي لا نثمنه بمقاعد ولا بمناصب ولا بكنوز العالم بأسره. اننا نعتبر ان كل نائب او مسؤول مسيحي يعمل لصالح المسيحيين هو ممثل لنا كآشوريين في لبنان. ان الاحزاب المسيحية لم تبخل بالشهادة في سبيل لبنان من القادة والعناصر، يكفينا ان الاحزاب اللبنانية في كل آن تدعم حقوق وقضية الشعب الآشوري لا سيما في العراق ولا يخفى على أحد التنسيق بينها وبين الاحزاب الآشورية في العراق على مختلف الاصعدة.

أن لبنان هو القلعة الحصينة لكل حر ومضطهد في هذا الشرق وان الشهادة في سبيل لبنان هي شهادة في سبيل كل القيم والمبادئ والاخلاق التي تجتمع في كل منا كإنسان. في حين هذا الشرق كان يحاربنا ويقاتلنا ويضطهدنا حجراً وبشراً… قام لبنان باحتضان كل شخص منا وفتح ابوابه وحدوده امام الآشوريين لا سيما الذين تعرضوا لهجوم الجماعات الارهابية في قرى الخابور في سوريا.

بالرغم من هجرة العديد من الآشوريين الى دول الغرب، الا ان انجازات ابناء الشعب الآشوري في المهجر جعلت من الهجرة عامل ايجابي ودافع قوة للقضية القومية بدل ان تكون عامل تفتيتي يساهم في ضياع الهوية وتشتيت الجماعة الى افراد.

ام الحرب التي اندلعت في سوريا والعراق وضعت الشعب الآشوري كغيره من شعوب المنطقة امام امتحان انساني وقومي، وبفضل تماسك الشعب الآشوري في الوطن والمهجر وتعاملهم على اساس الرابط الاخوي القومي استطعنا ان نجتاز المرحلة بأقل قدر من الخسائر اكان على الصعيد الانساني ام الاجتماعي ام الاقتصادي. بالفعل ان المهجر الآشوري قد لعب دوراً حاسماً في تقديم المساعدات النقدية والمعنوية للنازحين واللاجئين الآشوريين في لبنان وسوريا والعراق. وبفضل تعاون الجميع استطعنا القيام بما هو لازم من اجل خدمة الجميع. ان تماسكنا في هذه الظروف الصعبة وتشبثنا بقوميتنا وهويتنا وثقافتنا الآشورية هو اقل ما يمكن ان نقدمه لمن قدم حياته وروحه من اجل امته الآشورية والرسالة المسيحية.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار…”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل