
الأزمة الحكومية المتمادية بتعليق جلسات مجلس الوزراء منذ حادثة قبرشمون ـ البساتين، إلى مزيد من التأزم، وتنذر بتصعيد أشد خطورة بتحولها إلى أزمة حكم، لا تزال “مكبوتة” أو رمادية حتى الساعة بجزئها الأكبر، وبشائرها الأولى بدأت تطل مع “حرب الصلاحيات الناعمة” الدائرة بين بعبدا والسرايا إثر طلب رئيس الجمهورية ميشال عون من رئيس الحكومة سعد الحريري عقد جلسة لمجلس الوزراء.
وفيما سُدّت الأبواب في وجه كل المبادرات، بقيت الأنظار مشدودة باتجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، “ساحر السياسة” في لبنان، والمالك لمفاتيح كثيرة في اللعبة السياسية راكمها عبر سنوات طويلة في موقعه الدستوري، فهل تنجح المبادرة التي يقودها اليوم أيضاً؟”.
بري المفوّض من حزب الله والحائز على ثقته، يرفض كسر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. كما يرفض التصويت في مجلس الوزراء على إحالة القضية إلى المجلس العدلي. يدرك الرجل لعبة التوازنات الداخلية جيدا، ويعلم أن الاختلالات الكبيرة تولّد انفجارات كبيرة. وإذا كان البعض يطلب “رأس جنبلاط”، لأسباب سواء داخلية أو خارجية كما يُستشف، فإن بري يؤيد أولا إجراء مصالحة شاملة وجامعة بين جنبلاط ورئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان، برعاية عون، وبعدها يمكن التفاهم على الآليات القانونية لمعالجة الحادثة.
لكن الدلائل على أن الأزمة بدأت تنزلق في منحدرات خطرة، كثيرة، أبرزها: دخول عون على الخط بشكل مباشر، من خلال ما نقل عن تأكيده أن حادثة قبرشمون ـ البساتين كانت “مكمناً مدبّراً لوزير الخارجية جبران باسيل لا لوزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب”، محمّلاً “الاشتراكي” المسؤولية. في حين، يتهيّأ “الاشتراكي” لتزخيم مواجهة الاستهداف والحصار عليه وعلى رئيسه، ويعقد مؤتمرا صحفياً، اليوم الثلاثاء، “يكشف فيه المستور حول العبث والتلاعب بالتحقيقات والأجهزة القضائية، والضغط على القضاء من أشخاص يفترضون لأنفسهم سلطة عليه، وعن تدخلات سافرة في القضاء يندى لها الجبين وتشيب لها النواصي”، بحسب ما قال وزير الصناعة وائل أبو فاعور.
وتلفت مصادر سياسية في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى إعلان بري ـ خلال ترؤسه طاولة حوار لدعم الصناعة في عين التينة أمس الاثنين ـ أننا “نمر بفترة خطيرة جداً.. وألا استثمار ولا نهوض بالاقتصاد من دون الاستقرار السياسي والأمني، واستمرار الوضع القائم يبقي لبنان مشوه حرب ينتظر على رصيف الصناديق والدول المانحة ويستجدي القروض”.
وتعرب عن اعتقادها أن “بري بتشديده على الربط بين النهوض الاقتصادي والاستقرارين السياسي والأمني، يوجه رسالة إلى كل المعنيين بعدم تسهيل الحلول، واضعا نفسه خارج دائرتهم أيا كانوا. وقد يكون السبب، كي يتمكن من مواصلة لعب دور الوسيط. وفي السياق يأتي استيعابه الهادئ لرسالة عون في شأن تفسير المادة 95 من الدستور، ودفعه موعد عرضها على البرلمان لبحثها إلى الدورة العادية في تشرين الأول المقبل”.
وتتساءل المصادر السياسية “عما دفع رئيس الجمهورية إلى “خلع قفازاته”، واستباق نتائج التحقيقات القضائية وقرار قاضي التحقيق ومن ثم حكم المحكمة أيا كانت، وتأكيد الكمين المفترض واستهدافه لباسيل؟ ما الذي جعله يتخلى طوعا عن لقب “بيّ الكل” ليصبح “بيّ البعض” فقط، في هذا التوقيت بالذات؟”.
وتضع المصادر ذاتها علامة استفهام حول “ما إذا كان موقف عون التصعيدي يساهم بتفعيل مبادرة بري كونها شبه الوحيدة الباقية، أم أنها باتت معرضة أكثر للفشل كي لا يحوز رئيس البرلمان على لقب راعي الحل؟”. وتسأل، “من الذي يمكنه أن يؤكد أن بري ليس من بين النقاط المستهدفة، من خلال رفع عون لسقف التصعيد إلى حد توجيه الاتهام بأن المستهدف في قبرشمون ـ البساتين كان باسيل؟”.
ولا تنفي المصادر أن “القسم الأكبر من حل الأزمة يتحقق، في حال نجح بري بإعادة العلاقة بين جنبلاط وحزب الله إلى مرحلة “اتفاق ربط النزاع”، على ضوء أن (الاشتراكي) يعتبر أن الحزب هو الأصيل في القضية فيما يتولى أرسلان وباسيل دور الوكيل”.
وللدلالة على عمق الأزمة واتجاهها المضطرد نحو الإستيعار أكثر فأكثر، تشير المصادر السياسية إلى “الإطلالة اللافتة لرئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، عبر إذاعة لبنان الحر، أمس الاثنين، ليقول الكلام الذي لا يزال الحريري وفريقه يتحفظان عن قوله بصريح العبارات والكلمات”.
وترى أن السنيورة كشف الكثير من أصل المشكلة بقوله إن “المطلوب للخروج من المأزق، هو موقف واضح من الدولة اللبنانية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، الذي كرمه الدستور وأعطاه الصلاحية. ولذلك ينبغي عليه أن يعلو فوق الخلافات ونزاعات الفرقاء، ويتصرف كرئيس للجمهورية حاضن للكل”.
وعلى الرغم من إشارتها إلى أن “القضية تعقدت أكثر مع الدخول المباشر لعون على خط الأزمة من باب الكمين لباسيل، وأن الرد المنتظر من الاشتراكي لن يكون أقل حدة من حدة وخطورة الاستهداف والحصار اللذين يتعرض لهما”، لكن المصادر السياسية “لا تزال تأمل في مكان ما بإمكانية تحقيق (الساحر) بري لـ(عجيبة) ما تنقذ الوضع من المأزق المستعصي، أو لخلطة حل سحرية يخرجها من (قبعته السحرية)”.
في الانتظار، الأزمة مستعرة نارها، ولا مجلس وزراء لمحاولة لملمة الوضع الاقتصادي الكارثي، الذي يسابق الشلل السياسي وعدم الاستقرار السياسي والأمني نحو الهاوية. والخوف من أن يفوز هؤلاء المتسابقون جميعا بكأس الانهيار، وتقع الكارثة.
