عيلة مار شربل… مشوار طويل وصعب

كتب بول عنداري في “المسيرة” – العدد 1697

عيلة مار شربل…

السنوات الأولى

مشوار طويل وصعب لكنه يؤدي الى الرب

 

«وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات» (رسل: 2-42)

على الجبل أيضاً كان الموعد هذه المرّة لتجلّي الرّب.

على تلك القمة المرتفعة سنديان ومحبسة، والمكلّلة بقداسة شربل كان الموعد لعهد حبّ جديد.

ألسنة الروح القدس أفاضها الرب، لمرّة جديدة، على بضعة أشخاص سجدوا للصلاة في عليّة أرضها بضعة صخور وسقفها قبّة مرصّعة بملايين النجوم.

 

وحده الربّ يعرف أين ومتى تمَّ الحبل بذلك الذي ولد بالروح ليلة الحادي عشر من آب 1995 أمام محبسة مار بطرس وبولس على جبل عنايا والذي صار اليوم جماعة كنيسة إسمها: «عيلة مار شربل».

أواخر العام 1994 أخبرني أحدهم أن ريمون ناضر عاش إختباراً روحيّا، فقصدته ليلة الرابع من كانون الثاني 1995 وامتدّت الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل في الزمان والى أبعد من ذلك بكثير في المكان.

لساعات سرد عليَّ ريمون مسيرته في السنوات الأخيرة بكامل أبعادها، مسيرة حدودها العمل نهاراً والتأمل والصلاة ليلاً في الطبيعة بمغاورها وأديرتها ومحابسها ونجومها وأفلاكها. وقد توّج كل ذلك اختبارٌ روحيٌ غير اعتيادي عاشه ريمون ليلة التاسع من تشرين الثاني 1994، والذي يعبّر عنه بقوله: «لقائي مع النور»، ومن آثاره الظاهرة حرق على زنده بشكل خمسة أصابع يد.

 

ليلة عيد مار شربل في السادس عشر من تموز 1995 عاش ريمون إختباره الثاني، وتكرر الحرق على يده. وأخبرنا ما جرى معه عندما التقينا ليلة عيد مار الياس في كنيسة مار الياس قرب مستشفى المعونات في التاسع عشر من تموز. «ليش البشر نازلين نزول ودرب الرّب طلوع؟.. المسيح وحده قادر أن يعطي البشر السعادة الحرّة والكاملة والحقيقية… كلّ إنسان هو شعلة نور خلقه الله حتى ينير العالم… خلّوا المحبة تكون ملكة على قلوبكم والتواضع أميراً على عقولكم… لا أحد يفتش عن الحقيقة خارج المسيح لأنه ليس هناك حقيقة خارج المسيح… عندما تعرفون الحقيقة تعرفون المسيح وعندما تعرفون المسيح تعرفون الحقيقة وتصيرون أحراراً…» هذا بعض ما أخبرنا إياه ريمون. وجرى بعدها إقتراح للصلاة والشكر في محبسة عنايا.

مساء الجمعة في الحادي عشر من آب 1995 توجّهنا إلى عنّايا. مشينا تحت ضوء القمر حتى وصلنا إلى البوابة الحديدية المقفلة في أوّل طريق المحبسة، نرتّل ونصلّي. ثم أكملنا حتى وصلنا. وهناك أضأنا الشموع وركعنا أمام الباب على بلاطات المحبسة ولم نكن أكثر من أثني عشر شخصاً. تراتيل، صلوات من القلب، صمت، جمعنا الروح في صلاة رائعة توجهنا بعدها إلى المذبح تحت السنديانات حيث أدلى ريمون بشهادة لما جرى معه وتقاسمنا كلنا ما نحمل من زاد، ولكثرة الفرح لم نرغب بالعودة وبقينا حتى الثانية صباحاً تقريباً.

تميّز لقاء 11 آب بثلاثة أمور: فالمكان أولاً هو محبسة مار بطرس وبولس حيث عاش وتقدّس شربل وكان محور اختبار ريمون الأخير. وبين الحاضرين ثانياً كان الخوري مكرم قزاح كاهن رعيّة بكفيا، وفوق ذلك كلّه كان الروح القدس الذي ظلل الجماعة المصليّة في تلك الليلة بشبه عنصرة.

شكّل هذا اللقاء الإنطلاقة الفعليّة لعيلة مار شربل كمسيرة قداسة يقودها الروح القدس بشفاعة مار شربل في كنف الكنيسة. وفي هذا اللقاء بدأت ترتسم معالم مشروع الرّب وإرادته لهذه المسيرة. ففي ختام اللقاء إقترح الأب مكرم قزاح الإحتفال بالذبيحة الإلهية معاً تحت السنديانات مساء الجمعة القادمة.

 

وهكذا تجمّعنا على أوتوستراد جونية قرب مطعم ال Winners مساء الجمعة 18 آب، وكنا زهاء خمسين شخصاً، وانطلقنا نحو مار شربل. وفي أول طريق المحبسة حملنا الشموع وسرنا معاً نصلي. وتحت السنديانات إحتفل الأب مكرم بالذبيحة الإلهيّة بمشاركة حيّة وعميقة من الجميع حتى منتصف الليل. بعدها أعطى ريمون شهادة حياة لما جرى معه. وبدافع الروح أيضاً إتفقنا أن نلتقي ثانية للصلاة أمام المحبسة مساء الجمعة التالية في 25 آب.

بفرح كبير كنت أعيش إنطلاقة هذه المسيرة، وبفرح أيضاً التقينا مساء الجمعة 25 آب أمام المحبسة وكانت من أجمل ليالي حياتي: صلاة رائعة، روح الرّب كان يرفرف علينا، كاد قلبي ينفجر فرحاً. فتحت الإنجيل وأعطانا الرّب الكلمة التالية: «وأنتم الذي اختارهم الله فقدّسهم وأحبّهم، ألبسوا عواطف الحنان واللطف والتواضع والوداعة والصبر». (قولوسي 3/12-17).

دخلنا في صمت عميق وكانت كلمة «قناديل مضواية» تتردّد في قلبي. انتقلنا من أمام باب المحبسة إلى تحت السنديانات حيث أكملنا صلاتنا وقرأ الأب مكرم من الرسالة إلى أهل قورنتس «ونحن جميعاً نعكس صورة مجد الربّ بوجوه مكشوفة كما في مرآة فنتحوّل إلى تلك الصورة، ونزداد مجداً على مجد وهذا من فضل الرب الذي هو روح». (2قورنتس 3/8).

في هذا الإطار الروحي والجغرافي أكمل الربّ عمله، فتكاثرت الجموع تلتقي مساء كل يوم جمعة حول المذبح تحت السنديانات، تتشارك في الذبيحة الإلهيّة والصلوات، تسمع إختبار ريمون ويصلي البعض منّا المسبحة في الغرفة الصغيرة التي توفي فيها مار شربل وذلك كلّه ببركة رئيس الدير آنذاك الأب توما مهنّا.

ومن هذه الجماعة الملتقية حول مذبح الرّب، بعفوية وفرح وإيمان، أطفالاً وشيوخاً وكباراً، بدأ التداول باسم «عيلة مار شربل».

انضمّ إلى الأب مكرم قزاح في خدمة الجماعة الأب يوحنا خوند، وشهدت تلة المحبسة دفق روح وحياة ختم غالبيّة المشاركين وأثمر إرتداداً وتجديد معموديّة وولادة جديدة.

 

في أواخر الصيف صار الطقس بارداً وصرنا نلتقي داخل المحبسة يشاركنا الأب إدمون خشّان خادم المحبسة الذي رافقنا منذ بداية الطريق مع الأب فؤاد زوين. ومن ناحية ثانية بدأنا نجتمع أسبوعياً في إكليريكيّة غزير نواة صغيرة تضم: الأب مكرم قزاح والأب يوحنا خوند والأب فؤاد زوين، ريمون ناضر، سيمون مبارك جورج أفيديكيان وأنا، للصلاة والتمييز والتحضير.

في التاسع من تشرين الثاني 1995، وخلال الإحتفال بالقداس الإلهي في المحبسة، والذي صار مدرسة تعليم وصلاة ومشاركة، تجدّد الإختبار مع ريمون للمرّة الثالثة وتجدّد الحرق على يده: «كونوا رهبان بقلب العالم، إزرعوا الأرض صلاة وبخور». كلمات سمعها ريمون في أعماقه خلال إختباره هذه المرّة. نزلنا إلى الدير ليلاً وأخبرنا الأب طنوس نعمة بما جرى وختم الأب خوند هذه الليلة في صالون الدير بتراتيله وأناشيده وأغانيه.

في الرابع والعشرين من تشرين الثاني أقفل الثلج علينا طريق المحبسة وقادنا نحو كنيسة دير مار مارون حيث احتفلنا لأول مرّة بالذبيحة الإلهية. ولكثرة الناس أيضاً اضطررنا إلى الإنتقال في 8 كانون الأول إلى كنيسة مار شربل الكبيرة حيث ما زال يتم اللقاء حتى اليوم مساء كلّ جمعة.

معاً كنّا نحاول قراءة علامات الرّب وإرادته علينا في هذا المشروع. ومعاً كنّا نشعر أننا نعيش جزءاً من عنصرة جديدة يُنعم بها الله على كنيسة لبنان، ننقاد معاً لعمل الروح بفرح وحبّ وعفوية والتزام ومسؤولية.

 

مع بداية سنة 1996 كان الرّب قد ثبت عدّة أساسات للعيلة أهمّها التعليم والأفخارستيا والصلوات والمشاركة، وكلّ ذلك بالروح القدس الذي كان يفجّر في هذه المسيرة ينابيع ماء حيّ. هذا ما تمّ التعبير عنه خلال إجتماع في الرئاسة العامّة للرهبانيّة اللبنانية المارونية – غزير في السابع والعشرين من نيسان حيث اعتبر الأب يوحنّا خوند «إن العواميد الأربعة للجماعة الأولى التي كانت تواظب على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات (رسل 2/42) هي ذاتها العواميد والواجبات المميزة لعيلة مار شربل اضافة إلى التزامها بالكنيسة». ولخص الأب مكرم ذلك بالمرتكزات الثلاثة: «تلمذة، جذريّة، شهادة». وفي الإجتماع نفسه حدّد الأب طنوس نعمة الإطار الليتورجي المتوجّب على عيلة مار شربل إتباعه في عنايا.

في الحادي عشر من أيار تمّت أول رياضة روحية لعيلة مار شربل في عنّايا، بحضور نحو أربعماية شخص. بعد صلاة التسبيح والتمجيد لله اختتم الأب طنوس نعمة اللقاء بكلمة شدّد فيها على هديّة عيلة مار شربل كجماعة صلاة وتأمل وشهادة أمام الله وأمام الناس في لبنان والشرق. واحتفل الأباتي يوحنا تابت بالقداس الإلهي وقال لنا: «لقد قرّرتم اختبار الله، الله صعب، مشواركم طويل وصعب لكن جماله وأهميته أنه يؤدي الى الربّ».

عيلة مار شربل ولدت بالروح، وبشفاعة القديس شربل، في أحشاء محبسة عنّايا. واحتضنها دير مار مارون ورافقها منذ البداية  آباء أفاضل أمثال الخوري مكرم قزاح و والأب يوحنا خوند والخوري حليم ريشا والأب أنبروسيوس الحاج.

في الثامن عشر من حزيران 1997 كان إجتماعنا الأول مع راعي أبرشيّة جبيل المارونية المطران بشارة الراعي. بعد ملخّص عن إنطلاقة العيلة، قدّمه الأب مكرم، قال سيادة المطران: «نعمة كبيرة من نعم ربّنا على الكنيسة عيلة مار شربل… هذا عمل رئيسه الروح القدس بشفاعة مار شربل… لا أحد يعرف ثمار الصلاة…» وطرح بعض الأسئلة: «كيف نستطيع أن نعمّم هذا الإختبار على كلّ رعايانا؟ كيف نحمل الإرشاد الرسولي لنا ولغيرنا إنطلاقاً ممّا يجري في عنّايا؟».

 

على أثر هذا الإجتماع تقرّر أن يحتفل سيادة المطران بشارة الراعي بالقداس الإلهي كل ثاني يوم جمعة من الشهر وأن يكون موضوع التلمذة الإرشاد الرسولي.

بعد الاجتماع مع مطران الأبرشية بثلاثة أشهر كان للعائلة أول لقاء مع الأب أثناسيوس جلخ في عنايا. وقد قال لنا: «رافقتكم في حركتكم الروحيّة المباركة منذ نشأتها من بعيد… كم شكرنا الله على نعمه الكبيرة التي يقدّمها بغزارة بواسطة مار شربل…». وبعد أن صار الأب أثنايسوس رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونيّة إحتفل بالقداس الإلهي قي عيد العيلة 1999، وتوجّه إلينا قائلاً: «أنتم الذين تتلمذتم في مدرسة شربل منذ سنوات، لا شكّ في أنّكم تشعرون بأن مهمّة شربل قد ألقيت على عاتقكم… أنتم تخرّجتم من مدرسة شربل الشاهد والرسول، لتواصلوا رسالته التي استلمها من المسيح… لقد آن الأوان أن تبدأوا برسالة تهيأتم لها. لا تخافوا، لا تتكلّوا على ذواتكم بل على الروح القدس الذي يعضدكم والعذراء التي تشفع بكم والقديس شربل الذي يرعاكم ويرافقكم بعينه الساهرة وسراجه المضيء… فانطلقوا الى العالم فعلة مسلّحين بنعم الرّب، متضامنين في عمل مشترك رباطه المحبّة»…

من اليوبيل المئوي الثالث للرهبنة اللبنانية المارونية، وفي اليوبيل المئوي الأول لمار شربل وفي زمن السينودس وزيارة قداسة البابا والإرشاد الرسولي وعنصرة لبنان الجديدة من خلال اليوبيل الكبير لسنة 2000، عبرت عيلة مار شربل الى الألفية الثالثة.

كذلك أيضاً، من الأحشاء المقدّسة لمحبسة ودير عنايا، ووسط مسيرة بالروح قوامها التلمذة والأفخارستيا والصلاة ومشاركة المحبّة، عبرت «عيلة مار شربل» الى أدونيس والأشرفية وعين عار وزحلة وسيدة الجبل والإكليريكيّات والأديرة والرعايا والمنازل، عبرت الى كنيسة لبنان بمداها الكامل في الوطن والإغتراب (أستراليا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأميركيّة…): إيمان وارتداد شخصي، صلاة وتجدّد في العائلات، إلتزامات في الرعايا، جماعات صلاة، تكرّس كهنوتي ورهباني لأكثر من خمسة عشرة من أفراد العيلة، كلها ثمار من محبّة الله وكرمه اللامتناهي. مرّت سنوات على هذه المسيرة الروحية. مسيرة في الليل والنهار، في الدفء والجليد، في الفرح والجراح، نعيشها كحلم أجمل ما فيه أنّه حقيقة.

غداً، وحده الرّب يعرف الى أين، ما نعرفه اليوم أن «عيلة مار شربل» هي غمر من نور الله ومحبّته، هي قطعة من ملكوته، هي شجرة جديدة في حديقته، «مثل أرز لبنان تنمو» وقد بدأت تعشش في أغصانها طيور السماء…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل