مفهومُ الحقيقةِ في جدلية العقلِ والإيمان

كتب رئيس جامعة الروح القدس الكسليك السابق البروفسور الأب جورج حبيقة في “المسيرة” – العدد 1697

 

في موضوع الحقيقة، تنفردُ اللغة الإغريقية باختيار مُفردة لا تُشتقُّ من صفة «حقيقي»، كما هي الحال في اللغات التي نعرفها: Verum من Veri في اللاّتينيّة، و Vérité من Vrai في الفرنسيّة، و Truth من True في الإنكليزيّة، و Wahrheit من Wahr في الألمانيّة. ففي لغة الإغريق، ينبثقُ مصطلحُ «الحقيقة» من كلمة مركبةٍ ومبنيةٍ على صيغة النفي «اللّانِسيان» (Alètheia) .  نتساءل هنا لماذا التجأت العبقرية اللغوية اليونانية إلى مسألة النِسيان في مقاربتها الحقيقة؟ في الفلسفة اليونانية القديمة، وعلى نحو أَخصّ في الفلسفة السقراطية والأفلاطونية، يتبدّى لنا بشكل واضح أن معرفة الحقيقة إنما هي «تذكُّرٌ» و»لا نسيان» ليس إلا. فالحقيقة الكاملة تستوطن داخل الإنسان، ولكن هذا الأخير يتفنّن في إيجاد الوسائط الفعالة للهروب من ذاته والإقامة في مساحات الغربة عن الذات، عبر شتى أنواع اللّهو والانقطاع إلى تنمية روابطه بعالم المحسوسات، عالم الظلال الخادعة، حيث يتنافس البشر، على حد قول أفلاطون، في مَلءِ أجاجينهم المثقوبة بكل خيرات الأرض الزائلة. فالإنسان مفطور على هجر ذاته و»نسيان» الحقيقة الموجودة في داخله وإغفالها. من هنا، وبوجيز الكلام، في اللغة اليونانية، الحقيقةُ هي «عدمُ النِسيان».

من أولى حقائق الوجود البشري والتي علينا ألا ننساها، والتي تتلاقى حولها القراءةُ العقلانيةُ والمقاربةُ الإيمانية المستندة إلى مقدِّمات ماورائية، هو وجودُ الإنسان في معادلة الزمن. في الفلسفاتِ القديمةِ، وبخاصّة اليونانيّة منها، يستوقفُنا التشديدُ البيّنُ على أنَّ الزمنَ إنما هو عاملُ تهديمٍ وتقويضٍ للكيان الإنساني والمجتمعات والثقافات، أكثرَ منه عاملُ تنميةٍ وإنضاجٍ لهذه الطاقات كلِّها. يستندُ هذا المنحى التحليلي إلى جوهرِ الزمنِ بحدّ ذاته. فالماضي هو ما انقضى فعلاً، والمستقبلُ هو ما لم يحدث بعد، والحاضرُ هو نقطةُ عبورِ المستقبلِ إلى رحابِ الماضي المندثر.

 

هذا هو حاضرُ الإنسانِ وجميعِ الكائنات، حاضرٌ هاربٌ بين دفَّتَي الماضي والمستقبل. وهكذا يتبدّى لنا بشكلٍ لا يداخلُه اللُّبسُ أنَّ الثابتَ في حاضرِ الإنسانِ هو التغييرُ، والواضحَ في مستقبله هو الغموضُ. وفي حركيّة هذا الوجودِ وتبدليّته وضبابيّته، يسعى الإنسانُ، ذلك الكائنُ اللُّغز، العظيمُ والهشُّ في آنٍ، الملقى في جدليّةٍ حياتيّةٍ لم يخترها ولم يكن هو في أصلها، بل أتته عبر الآخر، إلى تحقيقِ ذاتِه ضمنَ استحقاقاتٍ تتدرّجُ متفاوتةً في الأهميّة، حتى تصبَّ مجتمعةً في استحقاقِ الموت الذي فيه يتحوّلُ المستقبلُ إلى ماضٍ أبديّ. من خلالِ معادلة الماضي والحاضر والمستقبل، ينبغي للإنسان أن ينموَ كمشروعٍ حياتي مشرّعٍ على جميع الاحتمالات، تسيِّجه المخاطر، نَعرفُ أين يبتدئ ولا ندري كيف، وأين، ومتى يكتملُ أو يسقط. ومن سمات هذا الكيان البشري الأساسية أنّه مسكونٌ أبداً بالقلق، يُفتّشُ من دونِ هَوادة عن حقيقةِ ذاته وحقيقة الكون المرمي فيه. وكلّما ظنَّ أنّه اقترب منها، اكتشفَ أنَّ ظنَّه هو ضربٌ من التوغّلِ في الأوهام. فالتفتيش هو سمة الإنسان الأساسية، كما ذهب إلى تحديده الطوباوي يوحنا بولس الثاني في رسالته «الإيمان والعقل»، حيث يشدد في تحاليله المتماسكة الحبك والاستدلال العقلاني على أن الإنسان هو ذاك الكائن الذي يفتش باستمرار عن الحقيقة، وإذا أسقطنا عنه هذه الصفة، لما بقي من إنسانيته أيُّ شيء. إن عظمةَ المسيحية في هذا المضمار تقوم على أنها لم تعطنا الاستكانةَ المرضية والاطمئنانَ العقيم، بل زرعتنا في قلب الرجاء الذي يقتات وينمو من قلق التفتيش الدائم. وهنا تكمن عظمةُ سرّ يسوع. فكلَّما اقتربت منه، وظننت أن المسافة الفاصلة تتقلص، بان لك أنك في بداية الطريق إليه. البعضُ من الناس تعب وقَنَط من التفتيش وتراجع، والبعضُ الآخر شُغِفَ بيسوع ودخل في الزمن المسيحاني، وعاش على إيقاع الزمن الآتي، وكان علامةَ رجاءٍ لعبثيات الإنسان المتوالدةِ من رحم اللامعنى.

والجدير ذكره هنا هو أن الإنسان، منذ البدء، لم يحصر تفتيشَه في العالم المحسوس بل تجاوزه بشكل عفوي وضمن عملية تجريدية متصاعدة ومتراكمة، وتذهَّن عبر الحس الماورائي والإستدلال المنطقي وجودا آخرا هو في أصل وجودنا وفي مصبِّه. والمحفِّزُ في هذه المغامرة المعرفية هو اكتشافُ العقل لذاته كطاقة إدراكية محدودة. وهكذا كلما حقَّق العقلُ انتصارا على خفيَّات الوجود وسكبها في نظرية جديدة، هلَّلت الأوساط العلمية والبشرية بأسرها. غير أن هذه الأخيرة، بعد مدة من الزمن، وبفضل الأبحاث المكثّفة والمركّزة، تكتشفُ أنَّ ما هلّلت له كان في الواقع بعيدا عن الحقيقة. فتُعِدُّ آنذاك موكبا جنائزيا لائقا لدفن النظرية التي حسبتها ردحا من الزمن قفزةً نوعية في حقل المعرفة والسيطرة على أسرار الوجود، وتهلّلُ مجددا لبزوغ نظرية جديدة تعتبرها أكثر دقة وأقرب من الحقيقة. وهذا الأمرُ بالذات دفع بالناقد النمساوي المتبحِّر في مبادئ العلوم وأصولها المنطقية كارل پوپر (Karl Popper) إلى القول إنَّ الطابَع العلمي لنظرية رصينة ومتينة إنما يقوم على إمكانية دحضها. امام هذا الواقع، لم ير بعضُ المحللين مغالاةً في التأكيد أن التاريخ هو مقبرة النظريات. ويحضُرني هنا ايضا وخصوصا ما ذهب إليه عالمُ الرياضياتِ والمنطقِ والفيلسوفُ النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، عندما قال إن الإيمانَ بالله إنّما هو نتيجةٌ مباشرة لهزيمة العلم.

 

ودلالةً على الكثافة الوجودية التي تحتضنها مقولة فيتغنشتاين هذه، أوردُ اللحظات الأخيرة المذهلة التي قضاها الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران (Mitterrand) قبل وفاته. كلنا يعرف أنه ولد في عائلة فرنسية كاثوليكية وقَبِل سرّ العماد وكان من الناشطين في عداد الشبيبة المسيحية الفرنسية. ولكنه ما لبث أن انضم إلى مذهب اللاأدريين (agnostiques) القائلين بإنكار قدرة العقل على إدراك الماورائيات، ومنها على وجه الخصوص معرفة الله وإقامة علاقة حميمة ومشخصنة به. ولكنه، مع ذلك، بقي ذلك الإنسان المسكون بالقلق الوجودي، يبحث، ويقرأ، ويكتب، ويجتمع أحياناً بالمصلين في بلدة Taizé الفرنسية، حيث أسس الأخ روجيه، سنة 1940، جماعة رهبانية بروتستانتية تحوّلت، سنة 1962، إلى كنيسة المصالحة. وبعدما تداعى جسدُه تحت وطأة العلاج الكيميائي على إثر إصابته بداء السرطان، وباتت أوجاعه لا تطاق، صارحه طبيبُه المعالج بأن إيقاف العلاج سيؤدي فوراً إلى الوفاة. أمام انهيار قواه الحيوية وفي حضرة الممثل الشخصي للطب المحدود والعاجز، ومن خلاله لفشل العلم في شرح كلّ شيء ومعالجة كل شئ، بأي خشبة خلاص كان بإمكان الرئيس ميتران أن يُمسك؟ أَبمبادئ الإشتراكية السامية؟ أَبِقيم الجمهورية الفرنسية العليا؟ أَباللاأدرية التي عاش في ظلها مدة طويلة من حياته؟ حينها قال: «إن الحياةَ عبثيةٌ… إذا لم نقوَ على سبر غور سرّ الموت، فإننا في المقابل نعيشه كاملاً». وقبل أن يعطي الأمر بإيقاف العلاج، الذي كان سيليه حكماً الدخولُ في حشرجات الموت، طلب قصيصة ورق وكتب عليها جملة أربكت اللاأدريين والملحدين والعلمانيين المتطرفين: «قد يكون من الممكن إقامةُ قداسٍ إلهي» «Une messeserait possible» . وهكذا رجع الرئيس ميتران إلى كنف الكنيسة في اللحظات الأخيرة من حياته، وعاد إلى علاقة الإنسان الحميمة بالبعد الماورائي المكوِّن لوَجْدِه اللامحدود بالحياة التي لا تنتهي، ورحل على متن الإيمان العاقل والعقل المؤمن إلى الوجود الآخر.

 

في فلسفة أوغست كون (Auguste Comte)، نقع على مقاربة مختلفة لظاهرة الدين. فهو يرى في مسيرة البشرية التطوّرية، ثلاث حقبات؛ أولاً الحقبةُ اللاهوتية، وفيها يفسّر الفكر كلَّ شيء بشكل خيالي وخارق مشركاً في بادئ الأمر الآلهة ثم الإله الأحد في مجرى أحداث الوجود وترابطها وهدفيتها. ثانياً: الحقبةُ الماورائية، وفيها تحلُّ المفاهيم المجردة محلّ القوى الفائقة الطبيعة. ثالثاً: الحقبةُ الوضعية، وفيها يتخلى الإنسان عن التنقيب عن العلل الأساسية وجوهر الأشياء ويكتفي بكشف القوانين التي تتحكم في الأحداث عبر المشاهدة والتحليل. نستخلص مما سبق أن الدين والتدين والإيمان والفكر الماورائي إنما هي، بمقتضى فلسفة أوغست كونط الوضعية، مرحلة عابرة ليس إلاَّ في مسار الإنضاج الذي ينخرط فيه الفكرُ البشري ويتجاوزه نهائياً ليقيم بشكل ثابت ودائم في استضافة العلم والتكنولوجيا.

 

هذه المقاربة دحضها في القرن العشرين مؤرخُ الأديان الشهير ميرسيا إيلياد (Mircea Eliade)  الذي توصل بعد تحاليله المعمقة لمفهوم الدين في تاريخ الإنسان، إلى إثبات الأمر الآتي: إنّ البعدَ الماورائي المتمظهرَ في ما نعتبرُهُ مقدساً هو من المكونات الأساسية لتفكير الإنسان ووجدانه:

«بالنسبة إلى مؤرخ الأديان،… إن كلّ طقس، وكل ميثةٍ، وكلّ معتقد أو أيّ رمز إلهي، يعكسُ اختبارَنا لما هو مقدّس… ويرتبطُ وعيُنا لعالم موجود فعلياً وذي مدلول ارتباطاً وثيقاً باكتشاف ما نعتبره مقدّساً. وعبر اختبارنا لما هو مقدّس، أدرك فكرُنا الإنساني التباين بين ما ينكشف ككائن موجودٍ فعلياً، زاخرٍ بالقوّة والغنى الوجودي والمدلولات، وبين ما هو مجرّدٌ من هذه الخصائص، أي بتعبير آخر، ما هو دفقُ الأشياء في سياق فوضوي وخطير، عبر ظهورها واندثارها العرضي والمجوّف في مضامينه. وبوجيز الكلام، إنّ ما هو مقدّسٌ هو عنصرٌ في بنية الضمير والوعي وليس محطّةً عابرة في تاريخ نموّ هذا الضمير وهذا الوعي. وإذا ما أخذنا الثقافةَ في طيّاتها الأكثر قدماً وبدائيةً، لرأينا أن فعل الوجود للكائن البشري هو في حدّ ذاته فعلٌ ديني، لأنّ الاغتذاءَ والحياةَ الجنسيّة والعملَ هي أنشطةٌ تتضمّنُ قيمةً طقوسية. وبتعبير آخر، فإنّ وجود الإنسان أو بالأحرى صيرورتَه ما هما إلاّ فعلٌ ديني» (ترجمتي).

وفي السياق التفحّصي عينه، تُبيّن المحلّلة النفسانيّة جوليا كريستيفا (Julia Kristeva)، المولودة في بلغاريا والمقيمة في فرنسا منذ العام 1966، والأستاذة في العديد من الجامعات الفرنسيّة والأميركيّة، مدى مساهمة الإيمان في صياغة عناصر شخصيّة الكائن البشري. وفي إحدى محاوراتها القيّمة تتساءل بجرأة وموضوعيّة قائلة:

«أليس مستغرباً أن تكون مجتمعاتُنا المُعلمَنة قد أَهملت الإهتمامَ بحاجة الإنسان المذهلة إلى الإيمان؟ […] إنّ الإصغاء التحليلي يكتفي بفتح آفاق لملاحظات وتنظيرات تُظهر، بالإضافة إلى كونها تُسهّل استيعاباً أعمق للمكوّنات النفسيّة، إلى أيّ مدىً تدخلُ الحاجةُ إلى الإيمان في صُلب تكوين الفرد الناطق، داخل العلمنة عينها بدون أي ريب، وذلك قبل أيّ تأسيس ديني بالمعنى الحصري للكلمة. إنّ المسألة لأشبه بورشة عمل لا تزال حتى الساعة في خطوطها الأولية، وعلينا، بالتالي، تقعُ مسؤوليةُ مواصلة البناء. إذ إنّني على ثقة بأننا إذا تعاملنا بجديّة مع هذه الحاجة إلى الإيمان، السابقة لمرحلة التديّن، قد نتمكّنُ بشكل أفضل، ليس فقط من مواجهة الانحرافات الأصوليّة في الأديان، في الماضي وحتى يومنا الحاضر، بل أيضاً من تجاوز المآزق التي تقع فيها المجتمعاتُ المُعلمَنة» (ترجمتي).

 

من هنا علينا أن نتعاطى مع مبدأ الإيمان لا كزبدٍ مرضيٍ لاختلالٍ في وظائف العقل كما استساغت تصورَه النظرياتُ الإلحادية، بل كمعطىً إنساني عقلاني مغروزٍ فطرياً في جوهر الطبيعة البشرية. فالإنسان يتنفّس الماورائيات، شاء أم أبى. بيد ان هذا المبدأ لا يبرر البتة نشوء أديان لا تقيمُ أيَّ وزن لحرية الإنسان وكرامته، ولطاقاته العقلية وحاجته الدائمة إلى التفتيش عن الحقيقة، وتُكرهُ بالتالي البشر على الارتماء في حضن الكفر والإلحاد. فالتفتيشُ صفة لصيقة بجوهر الإنسان الذي يعي ذاتَه في معادلة البحث الدائم عن مصدر حياته وصيرورتها. والاستكانة الفكرية والماورائية حالةٌ مرضية خطيرة، تؤدي من ناحية إلى وقف البحث وخنق شعلة المعرفة المتوقِّدة على إيقاع النقض والتفتيش أبداً عن الأقل خطأً، ومن ناحية ثانية إلى إطلاق الحركات الدينية الأصولية المستندة إلى هذيان ماورائي قائمٍ على الاقتناع الكامل بامتلاك الحقيقة المطلقة.

إن الإيمانَ العاقلَ والعقلَ المؤمن، اللذين يقتاتانِ من اﻟــAlètheia، من «عدم النسيان»، كحقيقة مشتركة، يتمظهران في فكر ماورائي وديني وعلمي واجتماعي وسياسي وثقافي يُطوّرُ في الإنسان طاقةَ المحبةِ والمصالحةِ والانفتاح على الآخر المختلف كجزء من الذات وشريك في البحث العنيد عن الحقائق الهاربة، ويُعزّزُ باستمرار قاعدةَ التلاقي في الغيرية وتآلف الاختلاف، ويُشيِّدُ بالتالي مدينةً للإنسان، تكونُ «خباءَ الموعد» مع الله الحقيقة المطلقة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل