من ينقذ البلاد من “العفاريت” و”العطّارين”؟

“البلاد على كف عفريت، لا بل عفاريت. ومستوى الاستهتار والتسيُّب وانعدام المسؤولية الوطنية والسياسية والأخلاقية، بلغ سقوفاً لم يشهدها لبنان في تاريخه، حتى في عز أيام الحرب المجنونة، إذ بقيت حزمة من رجالات السياسة تمارسها بحدها الأدنى من الحس بالمسؤولية المطلوبة. وفي وقت تقترب البلاد أكثر فأكثر من الانهيار الشامل في ظل الوضع الاقتصادي الخطير، فيما مجلس الوزراء أسير التعطيل لغايات وأهداف سياسية سلطوية صغيرة، بدأت طلائع رسائل التحذير الدولية بالوصول من باريس وموسكو وليس آخرها واشنطن.

الكلام لسياسي مخضرم عاصر الأحداث والأزمات اللبنانية منذ عقود، ولا يزال حاضرا ومتابعا في الساحة السياسية. ويستغرب المصدر في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “المآل الذي آلت إليه ترددات حادثة قبرشمون ـ البساتين، وسقوط مبادرات الحل الواحدة تلو الأخرى، ودخول مواقع كبرى على خطها كطرف مناصر لطرف في مواجهة آخر، بدل إحاطة القضية بالكثير من العناية الأبوية والمسؤولية الوطنية المطلوبة، ودعم المؤسسات الأمنية والقضائية المعنية لتقوم بدورها من دون تدخلات وضغوط وإملاءات”.

ويضيف المصدر أنه “لم يفهم بعد الأسباب التي دفعت رئيس الجمهورية ميشال عون إلى التخلي عن دوره الحيادي ومغادرة موقع الحكم بين اللبنانيين، بحسب ما أناطه به الدستور، إلى موقع الطرف المتدخل مباشرة في القضية”. ويسأل: هل ثمة من أوقع بالرئيس من خلال تقارير مغلوطة، لغاية في نفسه؟ أم أن هذا موقف عون الفعلي النابع من قناعة لديه؟ أم هو تماه مع فريق في لبنان، من ضمن أجندة إقليمية أوسع، لكسر الفريق الذي لا يزال يتصدى لمحاولات ترسيخ غلبة معينة في البلاد خدمة للمشروع الإقليمي على حساب السيادة والدولة والمؤسسات؟”.

ولا ينفي السياسي المخضرم أن يكون “موقف عون نابعاً منه، نظرا لعلاقة القربى التي تربطه بوزير الخارجية جبران باسيل، وذلك بعد إعلانه أن (من يرفض العدالة يرفض المجتمع الذي لا يمكنه العيش في الفوضى، والقضاء يملك صلاحية الحزم والعقاب وفق القوانين المرعية الاجراء)، في ما يشبه استمرار التصويب على طرف بعينه”.

لكنه يعتبر أنه “مهما كانت الأسباب، ومن موقع الحرص على الرئيس، لا بد من القول إن خطوة عون هذه لم تكن موفقة، لا في الشكل ولا في المضمون”. ويأمل أن “يكون ما نقلته مصادره عن أنه (لا يزال يردد أن أبواب قصر بعبدا مفتوحة، وهو دعم كل المبادرات التي قُدِّمت وتجاوب مع كل الاقتراحات، وسيظل يدعم كل مسعى للحل)، صحيحا”.

ويرى أنه من “غير المعقول أن نرى من يفترض به أن يكون الأكثر حرصاً على إنجاح العهد ونهوض الدولة وتحقيق الإنجازات والإصلاحات التي وُعد بها اللبنانيون، وتفعيل عمل الحكومة لمحاولة إنقاذ البلاد من القعر المفجع، هو من يقوم بتهشيم الدولة والمؤسسات ويضع العراقيل أمام المبادرات ويشل عمل (حكومة العهد الأولى)، ويجعل ما تبقى من ولاية العهد في مهب الريح والفشل!”.

ويتمنى المصدر ذاته أن يبادر عون إلى “تصويب المسار وإصلاح ما أفسده (العطارون) المقرَّبون منه، وإعادة تأكيد مرجعيته كحكم وليس كفريق، ووضع حد للبعض من فريقه الذي لا يتورع عن إطلاق المواقف المتشنجة التحريضية، ويستسهل التدخل في عمل المؤسسات الأمنية والقضائية كيفما كان، بما ينسف أسس الدولة وانتظام عمل المؤسسات ويقوّض عهده”.

لكن السياسي عينه يبدي تشاؤمه إزاء الوضع القائم بعدما أطفأ رئيس مجلس النواب نبيه بري، المعروف بتفاؤله وابتداع الحلول السحرية، محركات مبادرته التي أطلقها في 8 تموز الماضي والقائمة على إجراء مصالحة شاملة كاملة بين الجميع برعاية عون، بعد سماعه كلاماً من بعض المواقع. وأعلنها من دون قفازات لـ”عودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد من دون بحث حادثة قبرشمون”.

ويستغرب السياسي المخضرم “محاولات البعض من فريق عون اللعب بالتوازنات الدقيقة في لبنان بهذه الخفة، وكأنه لم يتعلم شيئاً من التجارب المرّة السابقة، بأنه لا يمكن لأحد إلغاء أحد في لبنان أو تحجيمه بالقوة القاهرة عبر تركيب ملفات واتهامات سياسية”، محذرا من أن “هذا جرّ الويلات على البلاد وسيجرّ المزيد مما لا يمكن التنبؤ بنتائجه، لكنها ستكون بالتأكيد نتائج من طبيعة كارثية”.

ويخشى المصدر ذاته من أن يكون “الانسداد الحاصل في الأزمة، مرده إلى تدخلات من خارج الحدود. والدليل ما تردد عن رسالة روسية شديدة اللهجة إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، اختصارها (وليد جنبلاط خط أحمر)”. ويعتبر أن “هذه المعلومات غير مستغربة، نظرا للعلاقات التاريخية التي تربط المختارة بالدولة الروسية منذ زمن الإتحاد السوفياتي. بالإضافة إلى أن الدور المتعاظم لروسيا في منطقة الشرق الأوسط بفعل وجودها الفاعل والمقرر في سوريا، يجعلها حريصة على توازنات معينة، حمايةً ورفداً لدورها، وعلى تجميع الأوراق وعدم التفريط بأي منها”.

ويأسف المصدر، لأن “طريقة تعاطي المسؤولين في الشأن العام، أو بعضهم على الأقل، يتيح للخارج التدخل. فبالإضافة إلى الموقف الروسي، على المعنيين أخذ (تحذير) السفارة الأميركية في بيروت على محمل الجد، من أن (أي محاولة لاستغلال الحدث المأساوي في قبرشمون بهدف تعزيز أهداف سياسية، يجب أن يتم رفضها. والولايات المتحدة عبَّرت بكلمات تحذيرية إلى السلطات اللبنانية عن توقعها أن تتعامل مع هذا الأمر بطريقة تحقق العدالة، من دون تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية”.

ولا يستبعد المصدر عينه “إزاء استمرار الوضع المأزوم، أن تقوم دول أخرى بمبادرة ما، فرنسا تحديدا، نظرا للعلاقات التاريخية مع لبنان، وخصوصا على خلفية رعايتها لمؤتمر (سيدر) للدول والمؤسسات والصناديق المانحة التي وعدت بمساعدة لبنان على الخروج من أزمته الاقتصادية. علما ان باريس لا تخفي امتعاضها الشديد من التقصير الفاضح للحكومة اللبنانية، وتحذيراتها المتكررة من عدم وفائها بالكثير من التزاماتها تجاه المؤتمر، ومن الخفة التي يتعاطى بها بعض المسؤولين اللبنانيين مع أوضاع بلادهم الاقتصادية الخطيرة”.

ولا ينسى السياسي المخضرم الإشارة إلى “التصنيفات السلبية المتلاحقة لوكالات التصنيف الإئتماني الدولية، والمنتظر قريبها في 23 آب الحالي”، معتبرا أنه “من المعيب بعد كل ما جرى وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الخطيرة، ألا يقوم المسؤولون بأبسط واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه المواطنين، والانكباب ليل نهار لتخليص البلاد من واقعها المأسوي، بدل التلهي بالنكايات والاستهداف السياسي، والسعي لتثبيت مواقعهم في السلطة على حساب المصلحة العامة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل