تعليل التّضليل

 

تتعدد أشكال وأوجه الهجمة الشرسة التي تشنها أطراف الثامن من آذار التي لم تأفل مفاعيل تعطيلها بعد. ومن أبرز ساحاتها الوجود الحضاري والإنساني على أرض الوطن للوطنيّين، وفي مقدمتها حملات التضليل التي يمارسها الجدد منهم، لتشويه الحقائق التاريخية المتصلة بالصراع، وبالظلم التاريخي الذي وقع على فئة 14 آذار.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ينتهج هؤلاء نهجًا صهيو ـ تدميريّ للخصم على حساب إظهار نتائج غير محقّقة لهم، مقابل تشويه صورة السياديّين في البلد. فكما قامت وزارة التعليم الإسرائيلية برئاسة الوزير المتطرف نفتالي بينت، زعيم حزب “البيت اليهودي”، بفرض الطبعة الجديدة من كتاب “المدنيات ـ أن نكون مواطنين في دولة إسرائيل”، تحت إشراف الأكاديمي د. أفيغاد بكشي المقرب من دوائر اليمين في إسرائيل، لتشويه صورة العربي الفلسطيني إلى حد كبير، والتلاعب بحقائق تاريخية مرتبطة ببدايات الصراع، ولم يأت الكتاب على ذكر المجازر التي ارتكبتها العصابات “الصهيونية” بحق البلدات والقرى والمدن الفلسطينية، التي أسفرت عن سقوط آلاف الشهداء، وأدت إلى تهجير أبناء شعبنا من أرضهم.

وكما لم يتطرق الكتاب إلى المستعمرات الإسرائيلية ولو بكلمة واحدة، إضافة إلى عشرات الأكاذيب والادعاءات الباطلة والروايات الملفقة التي يزخر بها الكتاب، والتي تُنكر في الأساس حقوق شعبنا، ووجوده الوطني والأصيل على أرض فلسطين منذ القدم. وكما يلخص أصول التحريض للتيار “الصهيوني” الديني الحاكم في إسرائيل، وهو عملية تثقيف “صهيونية” ظلامية تدفع باتجاه تربية النشء الجديد في إسرائيل على تلك الأيديولوجية، التي تروج “للوعد الإلهي” بشكل يمنع إمكانيات التفكير الحرّ والليبرالي لدى الأطفال والشباب.

هكذا تحاول 8 آذار أن تحول الصراع من سياسي إلى ديني، وتتعامل مع 14 آذار كوجود هامشي غير فاعل بغرض حذفها من الوجود. من هنا، صارت المعركة اليوم وجوديّة تمامًا كمحاربة الشّعب الفلسطينيّ لوجود إسرائيل. فكما يطمح اليهود إلى إلغاء الفلسطينيين هكذا يطمح جماعة الثامن من آذار إلى إلغاء حركة 14 آذار.

ويستخدمون النّهج نفسه الذي سينتج النتيجة نفسها. من هنا، بتنا أمام جيل يكره القوّات اللّبنانيّة ولا يعرف لماذا، وجيل آخر يكره الحزب التقدّمي الاشتراكي ولا يعرف لماذا أيضًا. وجيل من أترابهم يكره تيّار المستقبل ولا يعرف السّبب أيضًا. ناهيك عن ترويج نظريّة الوعد الالهي بالنّصر المرتقب التي تكبح الحريّة عند جيلهم الشاب. مع تغييب كلّي للمجازر والاغتيالات التي طبعت تاريخهم الدّموي بحقّ حركة 14 آذار.

من هذا المنطلق، ما نحن بحاجة إليه في هذه المرحلة باتت معالمه واضحة جدًّا. لا تستطيع أن تتشارك في بناء وطن مع الذين يؤمنون بالظّلم والظلامة وسيلة أيديولوجيّة لتحقيق غاياتهم ومآربهم الشّخصيّة. فمن واجه الظلم طيلة عقد ونصف لا يستطيع أن يحوّله نهجًا لأدائه السياسيّ. ومن يدّعي محاربة التطرّف لا يمكنه أن ينقل فكره المتطرّف ليرفض الآخر المختلف عنه في بيئته نفسها.

نحن بحاجة لكتاب في المدنيّات يوضح كيف نكون مواطنين لبنانيّين، لنستطيع فعلا محاربة التطرّف المحيط بنا من كلّ حدب وصوب. بلدنا يا سادة موضوع تحت المجاهر في سفارات العالم أجمع، ولا يستطيع أحد أن يمارس ليفنتينيّته على دول العالم ليحقّق مآربه الشّخصيّة. إمّا أن نعلن التزامنا بوطنيّتنا وبحرّيّتنا التي هي جوهر وجودنا في هذه الأرض، وإمّا سيسقط حقّنا في المواطنة فيها. ولعلّ هذه أخطر الأمور التي نحن بصدد مواجهتها اليوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل