الأب شربل وقصة الموارنة – 2

الأب ميشال حايك – من كتاب «طريق الصحراء – الأب شربل – 1828 ـ 1898» – “المسيرة” – العدد 1697

الأب شربل وقصة الموارنة

… الأتراك مرّوا من هنا

كانوا دائما معرّضين لخطر الإستشهاد دفاعًا عن إيمانهم (2)

 

لا تنفصل حكاية الأب شربل مخلوف الذي صار قديسًا عن حكاية الشعب الماروني الذي كان واحدًا منه. إنها قصة شخص وقصة جماعة، تتلخص فيها معاناة طويلة ونضالات كثيرة وشهادة للحقيقة والحياة ومقاومة الظلم والظلام.

في العام 1956 كتب الأب ميشال حايك قصة الأب شربل قبل أن يصبح قديسًا عندما بدأ العمل جديًا على ملف تقديسه الرسمي في الفاتيكان، وبعدما كان أصبح قديسًا مكرّسًا في نفوس من عايشوه وسمعوا أخباره وترددوا الى المدفن الذي رقد فيه من دون أن يفنى لا جسدًا ولا روحًا.

ليست مسألة عابرة عندما يكتب أب كميشال حايك عن أب كشربل. شربل سلك درب القداسة من بقاعكفرا الى الوادي المقدس الى عنايا. وحايك سبر أغوار تاريخ الجماعة المارونية وغاص في أسرار قوة حضورها الروحي والزمني واستمراريتها على رغم كل الأخطار التي تعرّضت لها. لذلك لا يفصل حايك بين تاريخ شربل وتاريخ الجماعة، ويحاول في ما كتبه في العام 1956 أن يجعل من شربل شريكاً في ذلك التاريخ غير منعزل وغير منفصل عنه. كأن قداسته ليست إلا جزءًا من تلك المعاناة الشاملة التي عاشتها الجماعة المارونية، ومن تلك العلاقة بينها وبين الأرض.

إنه سر قداسة راهب وقدسية قضية وشعب. وسرّ تعلّق هذا الشعب بتلك القداسة التي تعطيه دائمًا قوة البقاء والأمل والقيامة.

ترعرع يوسف على أصداء هذه الوقائع التي تحمل عمق التقاليد المسيحية البليغة الأثر. كانت نفوس الأقدمين، كما تلك الحاضرة في أسرارها، تناديه وتغمر كيانه. فقد كان يكتشف يومًا بعد يوم أغوار جذور كيانه. وهكذا وجد أن هذه الجذور تعود عبر القرون الى القديس مارون (350 ـ 410)، وهو الراهب الذي أسس، من دون أن يدري، الجماعة التي وُلد في كنفها.

أدرك يوسف أن الموارنة الأوائل، ومنذ دخولهم تاريخ المسيحية، عانوا أعتى الصعاب. فقد أُهرقت دماء ثلاثمئة وخمسين راهبًا سنة 517 للدفاع عن الحقيقة التي أرادت الإمبراطورية البيزنطية، منذ المجامع الأولى، وخاصة مجمع خلقيدونيا (451)، أن تحوّرها لتتوافق مع وجهات نظر سياسية متغيّرة ومتقلّبة. وفي سنة 685، وبعد أن وجدوا أنفسهم في نأي عن صرح الحقيقة، نصّبوا لنفسهم بطريركاً في شخص القديس يوحنا مارون. وعندما وجد الموارنة أنفسهم في خطر مزدوج، خطر المنشقين البيزنطيين من جهة، وخطر الغزاة العرب من جهة أخرى، لجأوا الى هذه الأماكن الوعرة والمنيعة. وفي القرن الحادي عشر، عندما وصل الصليبيون، خرج الموارنة لملاقاتهم. ومنذ ذاك الحين، لم ينفكّوا عن دفع الثمن الغالي لهاتين الصداقة الصريحة والإيمان العنيد. فكان يفاجئهم الغزاة وهم مختبئون في عمق صخورهم، وبطاركتهم غالبًا ما كانوا مطاردين وهائمين في الجبال، يتم أحياناً إعتقالهم وإرسالهم الى المدن حيث كان يتم شنقهم أو حرقهم أحياء، ليضحوا مشهدًا للملائكة والبشر على حد سواء.

في وقت لاحق، عندما سيصبح يوسف، الأب شربل، سيسمع أخبار مجازر عام 1860 الفظيعة، حيث سيتعرّض آلاف الشبان الموارنة للذبح، وتُضرم النار في مئات من الكنائس، ويتم نهب وهدم ما يزيد عن الخمسين ديرًا. لقد بات يوسف مدركاً أن هذه الأرض التي يطأها بقدميه، هي أرض مرويّة بالدماء، وأن شعبه، هو شعب إيمان، يتمتع بروح رهبانية سامية.

كان يوسف يرى نفسه راهبًا، وقد بدأت تنتشي فيه شيئاً فشيئاً فكرة التضحية الكاملة، ودعوة الإستشهاد. شكّل المحيط العائلي الذي ترعرع فيه أرضًا خصبة لتنمية هذا الهدف. وكانت عائلة مخلوف مشهورة في القرية بتقواها المتين. لم يكن أحد يعرف الكثير عن والده الذي توفي باكرًا، باستثناء بعض التفاصيل المتعلّقة بساعته الأخيرة. ولكن الجميع كان يعرف أمه التي تتمتع بشخصية قوية، تهيمن بها على العائلة. فالكل في بقاعكفرا كان يعرف أنها تصوم كل الأيام، وقد نذرت ألا تأكل اللحم طوال حياتها. وكان مرشدها الروحي أب كرملي من بشري قريتها الأم، هو الذي حررها من هذا النذر، بسبب إستحالة الأمانة له، الأم عليها الإهتمام بعائلتها، فاستبدلت النذر بتلاوة المسبحة يوميًا. كانت تعمل كما نساء بقاعكفرا في حياكة الصوف طوال أيام الأسبوع، وعندما يقرع جرس الكنيسة مساء السبت لدعوة الناس الى صلاة الستّار وطلبات العذراء، كانت تضع مغزلها جانبًا ولا تعود إليه إلا صباح الإثنين.

بالنسبة الى إبنتها وردة، كان الأحب الى قلبها أن تكرّس وقتاً أطول للصلاة. فكانت تتلو كل يوم مسبحة الوردية، رافعة يديها نحو السماء، راجية أبناء أخيها الصغير ألا يسمحوا لأحد أن يباغتها وهي في حالة التقدمة هذه. وهناك من مازحها يومًا قائلاً: «ما أطول هذه المسبحة، فعندما ستتزوجين (وهي كانت مخطوبة في تلك الفترة)، هل ستسمح لك حماتك بتلاوتها كلها؟». أجابته قائلة: «من الممكن أن أموت قبل أن أنتقل الى منزلها»، وكانت تضيف قائلة: «يا رب، فليحل علينا الخير وليبعد الشر! إذا لم يكن زواجي وفق رغبتك، فدعني أموت قبل الزواج». ويبدو أن الله قد إستجاب لدعوتها، فقد إنتقلت الى حضن الله وهي في ريعان شبابها، مخلّفة وراءها ذكرى عبير الورود. في هذا الوقت كان يوسف قد أصبح راهبًا، وكانت أمه تفكر فيه على الدوام باكية عليه، الى أن سمعت يومًا ملامة من بعض سكان القرية يقولون لها: «بسبب حزنك على يوسف، إمتحنك الرب من خلال موت ابنتك وهي لا تزال صبية».

كان أخوا يوسف، بشارة وحنا، معروفين أيضًا بتقواهما. وبفضل غيرة حنا، تم ترميم كنيسة القرية، وهي على إسم مار سابا. وبعد أن احتفل سكان القرية بالقداس الإلهي فيها للمرة الأولى قال حنا: «الآن بعد أن انتهى ترميم الكنيسة، لم أعد خائفاً من الموت». وفي ظلال هذه الكنيسة بالذات، ترقد رفاته بسلام.

وكان ليوسف عم إسمه طانيوس، تقبّل رتبة الشماسية، إنما كان يرتجف خوفاً من الكهنوت، ولهذا السبب لم يصبح كاهناً فكان يقول: «هذا السر المقدس حمل ثقيل، أخاف ألا أتمكن من الإستجابة الى متطلباته».

****

أبونا شربل، هذا الذي سيصبح قديسًا لشعبه، ليس ظاهرة غريبة في بيته لا يمكن تفسيرها. فهو ينتمي الى سلالة شعب تقليدي، ترعرع على أرض محددة، وهو في نهاية المطاف تتويج لمجموعة من أشخاص عاشوا جميعهم حياة تائقة نحو مثال من الكمال. فسعى لتحقيق هذا الكمال منذ صغره، مقلّدًا تصرفات من يحيط به، من خلال تفاصيل الحياة اليومية، التي كانت تزداد قساوة، كلما ازدادت عضلاته قوة.

منذ صغره، كان كسائر الأطفال في قريته، لا يميّزه شيء عن الآخرين، سوى أنه كان ذا تقوى أكبر وميل الى الوحدة أكثر من غيره. وكانت حياته بأسرها تتمحور حول بحث مستمر عن نكران أكبر للذات. أصدقاء آخرون لله في الكنيسة تألقوا بعلمهم، وآخرون أُوكلت إليهم رسالة جليّة، من خلال إنجازات إجتماعية في خدمة المضطهدين والفقراء والمرضى. أما هو فقد كان مُعدًّا للنسيان، هذا الطريق الآخر الذي سلكه بزمن قصير عن «السبيل الصغير» الذي سلكته القديسة تيريزيا في ما بعد. لن يكون شربل رائدًا كبيرًا، إذا ما قاربنا السلوك بالهدف المنشود، ولن يكون عالمًا، إذا ما فصلنا العلم عن الحرب، غير أن جميع الذين تقربوا منه، في مراحل مختلفة من حياته، يشهدون على ذكائه الثاقب، علمًا أنه لم يتلقَ تأهيلاً علميًا متقدمًا. لقد تلقى بعض الدروس في اللغة العربية مكّنته من القراءة والكتابة في هذه اللغة، وكانت معرفته أعمق باللغة السريانية، اللغة القريبة النسب الى اللغة الآرامية التي تكلم بها المسيح. وقد اكتشف مهارته في اللغة السريانية خلال فترة الإبتداء، معلمه الأب نعمة الله الكفري الذي كان من أبرز المتضلعين من اللغة السريانية.

في تلك الأيام كانت طرق التعليم بدائية. كان أولاد القرية يجتمعون في ساحة الكنيسة تحت ظلال شجرة الرعية: تلك كانت مدرسة تحت السنديانة الشهيرة التي لا تزال صورها ماثلة حتى اليوم في أذهان المسنّين في لبنان، عندما يرون الأجيال الجديدة تحمل شهادات علمية وتتكلم «الفرنجي» (أي اللغة الفرنسية). كان الكاهن هو الأستاذ الذي يعلّم الأطفال كل ما يعرفه هو. كان يحمل في يده عصا مخيفة، هو بمثابة مدير الدروس والنظام، المدرك لمسؤولياته ولسلطته. وهكذا كان التلاميذ ينهون دراستهم وهم لا يمتلكون من المعرفة إلا القليل، وقد تمكنوا من قراءة وفهم «الطوبى» وخدمة القداس والترتيل مع الكاهن في الخورس طوال الإحتفالات الليتورجية التي تتطلب الكثير من الصبر.

تعلّم يوسف كل هذه الأمور، وهي ليست بكثيرة. ولم تكن ساعات الدرس محددة بهدف إنهاء برنامج دراسي يُتوَّج بامتحان رسمي. كان الأطفال يذهبون الى هذه المدرسة، بعد أن كانوا قد أنهوا برنامجًا عائليًا مغايرًا، توقظ الأم أطفالها قبل طلوع الفجر، فليس من المسموح لهؤلاء المساكين أن يناموا إلا قليلاً.

فور نهوضه من السرير، كان يوسف يرتدي سرواله، وهو بنطال منتفخ يرتدي مثله الجميع عنده، وينتعل حذاء الراعي الضخم، ويعتمر لبّادته. كان يواظب على خدمة القداس الذي نادرًا ما كان يتغيّب عنه. فور عودته من الكنيسة، كان يقود قطيعه الصغير الى المراعي، وهو يقضم، في طريقه، رغيفاً بمثابة فطوره، يحتوي على قطع من الجبن أو على بضع حبّات من الزيتون. وكان يدفع أمامه بقرة وعجلها، ودابة وبعض العنزات والغنمات. هذه صورة القطيع العائد للفقراء في الجبل. ويعرف الراعي الأماكن القليلة التي ينمو العشب في زواياها، فيتوجه إليها. وعندما ينفخ أحد الرعيان في مزماره، الذي يحتفظ به في حزامه العريض، فإن أصداء تموّجات الصوت تتردد في أرجاء وادي قاديشا، وهي أنغام ناعمة من الحب، فاتنة ببراءتها، ومنها تلك الأغنية القديمة المعروفة:

«يوم رحت أنا لعندكم بعد العشا بنتفي،

لقيتكن نايمين وسراجكن مطفي،

مدّيت إيدي عالحبق لأقطف أنا قطفي،

وصاحت بنت اللِّكم: يمّا يمّا يمّا حراميا».

هي في غالب الأحيان أنغام وطنية، تنشد مآثر وهمية ضد أعداء من نسج الخيال، تُقطع أحشاؤهم من دون خوف ولا غمضة عين. وهناك أيضًا أناشيد للسيدة العذراء تتغنّى بألف وساطة عجائبية قامت بها. كانوا يرتجلون طلبات للعذراء آملين منها أن تحققها لهم. هكذا نشأت ليتورجيا، من الحميّة العفوية تجاه السيدة، لشعب في مواجهة أخطار حياته. ولا تزال مجموعة من التضرعات حية في الطقوس حتى أيامنا هذه: التغلّب على الأعداء، والتحرّر من الشيطان، والوقاية من الخطيئة، ومن البرص، ومن الأمراض. ولتتبارك ثمار الأرض، وليشفَ المرضى من أوجاعهم، وليعضد الله الأموات بالإيمان، و»السلام عليك يا مريم يا والدة الله، أم يسوع مخلصنا».

مريم العذراء، بالنسة الى هؤلاء الفلاحين، هي بمثابة الأم الجبّارة القديرة، كقائدة جيش في ساحة المعركة. هي تقود شعبها في الصراع، وتحميه من الأعداء الكافرين. هي قائدة الأمة المارونية، وهي التي، في المصائب الكبيرة كما في الصغيرة، يبتهلون إليها بودٍ وعفوية. هي التي ابتهل إليها الأسلاف في القرن الثالث عشر قبل مماتهم، إذ كانوا محاصرين بالأتراك وهم مختبئون في إحدى المغاور في وادي قاديشا حيث أقاموا مذبحًا للعذراء وارتموا تحت قدميها قبل أن يغرقوا في مياه نبع مار سمعان، بعد أن حوّل الأعداء مجراه نحوهم. ولا تزال المغارة التي اختبأوا فيها، تحمل حتى اليوم إسم «الغدر»، وتذكّر بالخائن «إبن الصبحة»، وهو ماروني من كفرصغاب، الذي خان خاصته من أنسبائه. إلا أن السيدة العذراء لم تتخلّف قط عن الموعد: هي حاضرة على الدوام أمام الصليب، هي أم ذاك العظيم الذي تخلّى عنه الجميع، هي التي تغيث بقوة حضورها العمودي، هذا الشعب المستسلم لإيمانه المؤلم، الذي لم يتزعزع على مدى القرون القاسية. ولا شيء يشير بشكل أفضل الى حضور العذراء، إلا هذا المشهد الأليم، خلال مجازر 1860، لعشرين كاهناً وراهبًا، ينتظرون أن تُهرق دماؤهم على مذبح سيدة دير القمر، وهم يرفعون عيونهم وأيديهم نحو سيدة التلة.

في كل قرية مسيحية في لبنان شُيِّدت كنيسة، أو على الأقل مذبح، على إسم السيدة العذراء. وفي كل عيلة تُتلى المسبحة، وفق العادة المتبعة لغاية اليوم، أمام أيقونة مألوفة للعذراء وهي موضوع عبادة خاصة.

ولكن العذراء لم تكن فقط الأم الجبّارة القديرة، بل كانت تمثل أيضًا العذوبة والنعومة والطيبة الفاتنة، وقد صرخ الشبان والشابات بأعلى صوتهم: «حبيبتي العدرا»، عندما رأوا تمثالها يمر أمامهم في قراهم خلال الإحتفالات المريمية التي جرت سنة 1954. فكانوا ينشدون طلبة العذراء الشهيرة: «يا أم الله يا حنونة يا كنز الرحمة والمعونة، أنت ملجانا وعليك رجانا. وإن كان جسمك بعيدًا منا أيتها البتول أمنا، صلواتك هي تصحبنا وتكون معنا وتحفظنا».

وكان يوسف يشارك أقرانه هذه الحياة السليمة الجليّة، وقد انطبعت فيه عبادة مريم العذراء، وهي من الثوابت الأكثر صلابة للشعب الماروني. ومنذ طفولته البريئة، كان مميّزا بتقواه. ويُستدل لغاية اليوم على الصخرة المجوّفة بشكل بئر، حيث كان الراعي الصغير يعتزل طوال ساعات للصلاة، وقد أُطلق عليها إسم «مغارة القديس» تيّمنا به. وكان الشبان في قريته يطلقون عليه إسم «القديس» بشيء من السخرية، وكان يعلم أنهم يسخرون منه، إنما كان في غالب الأحيان يتفادى معاشرتهم.

شارك يوسف أيضًا في الصراع ضد قحولة الأرض. فكان يعمل من دون أن يألو جهدًا، طوال النهار في الأرض التي حرثها قبله والده وجده. وفي سبيل الحصول على غلال قليلة، كان الفلاحون يكدّون ويشقون، متحمّلين همومًا جمّة. وكانت الحياة تبدو ليوسف أكثر فأكثر عبثية، طالما أن آفاقها محدودة. فبدأ يفقد إهتمامه بها، وكان ذلك واضحًا في تصرفاته، إذ بدا أنه يعيش موقتاً في عصره، وقد اقتسم إخوته في ما بينهم ميراث العائلة الزهيد. كان يبحث عن نصيب آخر، عن النصيب الأفضل.

لم ينفك يتردد الى دير مار أنطونيوس قزحيا، حيث سيكون لخاليه الناسكين أثر كبير عليه في القرار المصيري الذي سيتخذه في ما بعد في حياته. ولكن عندما يتمتع الإنسان بروح تشبه روح يوسف، يصعب التكهّن باللحظة المناسبة التي سيجيب فيها على نداء الله بنعم حاسمة ونهائية. فدعوته لم تشكل مفترقاً مهمًا في حياته، فهو لم يكن مهتديًا، ولم يختبر يومًا إلتواءات الناس من أبناء جيلنا الذين التمستهم النعمة. لم تكن دعوته موضوع دراسة، أو ترجيح، أو تدقيق قبل إتخاذ الخيار. فقد أخذت شكلاً تقويًا يعرفها كل الأولاد في هذه السن. وكلما سار هذا الولد على طريق النضوج، نضجت بدورها التقوى التي في داخله. تثبتت دعوته فيه وتأكدت حتى باتت في النهاية العنصر الوحيد الموجود في حياته. فقد ألقى الزارع الإلهي بذوره في أرض خصبة، فنضجت شيئاً فشيئاً، بخطوات ثابتة. والثمرة الحاملة وزن حلاوتها، لم يكن لها إلا أن تستسلم لنفحة الروح القدس.

لم يصبح يوسف قاسيًا، بل نضج مع الأيام بصبر وثبات في هذا الصمت حيث «كل ذرة هي فرصة في أن تصبح ثمرة ناضجة» كما يقول الشاعر. كان يوسف في الثالثة والعشرين من العمر، في السنة 1851، حين باشر هجرته وانخرط في مغامرة القديسين. لم يخبر أحدًا عن النداء الداخلي فيه. ولكن الجميع من حوله كان يشعر أن إقامته بين أقرانه في هذا العالم ليست سوى مرحلة موقتة لن تستمر طويلاً. أما بالنسبة الى أمه التي كانت حريصة عليه بشكل خاص، فقد كانت تخشى تلك اللحظة التي ستنسلخ فيها عن إبنها، وكانت تدرك جيدًا أن هذه اللحظة باتت وشيكة. وكان عمه طانيوس يشارك والدته الشعور عينه، وقد كرر مخاوفه عدة مرات أمام الناسكين اللذين كان يوسف يزورهما. كان يخشى أن يفقد في يوسف الذراع اليمين، الذراع الصادقة التي كانت تمده بالعون بكثير من التفاني في عمل الحقول.

إنما الوقت كان قد حان ليودع يوسف كل شيء، وليضع في الرب خياره الأساسي. نحن نجهل الظروف التي أمضى فيها أيامه الأخيرة مع عائلته، وبأي سبيل قاده صوت الرب. جلّ ما نعلمه هو أن بقاعكفرا لن تراه أبدًا بعد الآن. كيف نظر للمرة الأخيرة الى هذه الطبيعة التي أحبّها والتي سيسلخ عنها نهائيًا قلبه وعينيه؟ هل بكى؟ هل تألم كثيرًا؟ في الواقع يخيّم الغموض على هذه اللحظات القصيرة التي يختبر فيها المرء الموت.

ليس من الصعب تخيُّل كيفية حصول هذا الإنسلاخ عن العالم. قد يكون مشابهًا لأي رحيل آخر، يندرج في مسار التاريخ المسيحي، وهو مكوّن من إخلاءات منذ أن أخلى المسيح ذاته عن حضن أبيه، متخذاً شكل إنسان. وسيتبع شربل خطى الرب هذه، ويسير وراء القافلة الطويلة من الشجعان الذين، كل يوم، بصمت، وتلبية لدعوة سرية من النعمة، يتركون عائلاتهم وأوساطهم الحياتية، وطرق معيشتهم، وفي النهاية يتركون ذواتهم ويذهبون مع الله الى أبعد ما يشاء، نحو القداسة، التي لم تسكن روحًا وقلبًا من دون أن تثقلهما وتقلقهما.

تخلّى يوسف أنطون مخلوف عن كل شيء ليتبع المسيح. وباختصار، فإن هذا الكل كان شيئاً زهيدًا، ذلك أنه كان فقيرًا بخيرات الأرض. بهذا القليل أيضًا تلخص الكثير الذي تخلّى عنه بطرس ويعقوب ويوحنا وكل التلاميذ، لكي يتبعوا المعلّم: شبكة صيد في بحيرة هناك، وقطيع صغير هنا. إلا أن القيمة لا تكمن في الهبة ذاتها، بل تكمن وتأتي من الشخص الذي نقدمها له، ومن الطريقة التي من خلالها، عندما نتخلّى عن كل شيء نتخلّى عن أنفسنا من أجل شخص آخر. هذ الآخر ليس سوى المسيح، الوحيد الذي يستحق أن يتطلب وينال هذه الإفقارات، والوحيد الذي يمكنه أن يوجد في فم السمكة أستارًا لكي يفي ديناً اعتقد الناس أنه مدين لهم به، عندما أتوا ليغتنوا من كنز فقره الذي لا ينضب.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: الأب شربل وقصة الموارنة – 1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل