رسالة واشنطن: لبنان لن يكون رهينة بيد إيران

تعتبر مصادر سياسية مسؤولة أن “بيان السفارة الأميركية في بيروت الصادر أول أمس الأربعاء في شأن حادثة قبرشمون ـ البساتين، خطوة غير مسبوقة بالتعليق المباشر على حادث داخلي. وإن دلت التحذيرات الأميركية للمسؤولين اللبنانيين على شيء، فعلى أن واشنطن تراقب الوضع اللبناني عن كثب وملمّة بخباياه كافة، وأنها استشعرت خطرا جديا جراء التصعيد غير المسبوق ومحاولات البعض استغلال الحادثة لغايات سياسية، ما قد يدخل البلاد في منعطف دقيق جدا. لذلك لم تتأخر في التدخل والتنبيه”.

وتأسف المصادر ذاتها في تصريحات إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “للخفة التي يتعاطى بها بعض المسؤولين مع الأوضاع الخطيرة التي يمر بها لبنان، والتي استدعت تدخل الخارج”. وتلفت إلى أن “الاستقرار في لبنان يبقى من ضمن أولويات الإدارة الأميركية، انطلاقا من نظرتها الشاملة إلى مجمل الأوضاع في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن والخليج عموما، في إطار المواجهة التي تخوضها مع إيران. فمن مصلحة واشنطن الحفاظ على الاستقرار ولديها استثمارات كثيرة في لبنان، خصوصا في تجهيز الجيش اللبناني ومختلف القوى الأمنية بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى وكالات ومؤسسات التنمية الأميركية الأخرى. من دون أن ننسى اهتمام واشنطن باستمرار الهدوء على الحدود الجنوبية ومتابعة تنفيذ القرار 1701، والوساطة التي تقودها لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل على خلفية الاستثمارات النفطية الواعدة”.

وتشير المصادر إلى أنه “لا يمكن للولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم والمعنية بالأوضاع الدولية عامة، الوقوف متفرجة أمام التدحرج المتسارع للأوضاع في لبنان نحو الانهيار. وهي تعتبر أن تعطيل عمل المؤسسات، وتعاطي بعض المسؤولين من منطلقات ومصالح سياسية وشخصية وكيدية، والشبهات حول الضغوط على القضاء، وإفشال كل المبادرات للعودة إلى انتظام عمل الحكومة والمؤسسات، يخشى أن يؤدي إلى انفلات الأمور بما يهدد الاستقرار العام، ويتوسع إلى أبعد من الحدود اللبنانية”.

من جهته، يرى المحلل السياسي مصطفى فحص، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه “يمكن قراءة بيان السفارة الأميركية المتعلق بحادثة قبرشمون ـ البساتين، من وجهتي نظر: فمن جهة هو مضرّ، إذ سيستخدمه الفريق الآخر ليسوق مزيداً من الاتهامات السياسية تجاه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وسيضع وقوف الأخير للدفاع عن السيادة من ضمن مخطط أميركي وفي إطار مؤامرة لزعزعة استقرار لبنان والمحور الإيراني المنتصر. وسيستخدمون هذه الذرائع لحشر جنبلاط أكثر، خصوصا أنه الآن مستهدف مما تبقى من النظام السوري والنظام الإيراني، إذ جميع من تبقى من أعوان النظام السوري أصبحوا أدوات إيرانية في المنطقة.

أما من جهة ثانية، فبيان السفارة الأميركية يعتبر مؤشرا، وليس بالضرورة أن يدفع إلى تفاؤل كبير أو ليبنى عليه الكثير، لكن يدفع إلى طرح سؤال: هل هناك عودة دولية إلى لبنان؟ فنحن كنا في مرحلة أن لبنان مهمل والمجتمع الدولي يئس من إمكانية التغيير. لكن هذا البيان يوحي بشكل رسمي كما يبدو، أن الولايات المتحدة بدأت بمراجعة حساباتها وأولوياتها في لبنان”.

بدورها، تشدد المصادر السياسية المسؤولة لموقعنا، على أن “الوضع الاقتصادي المراقب عن كثب، خطير للغاية، ويحتاج إلى عمليات وجهود نوعية لمعالجته، لا للسياسات الضيقة وتصفية الحسابات السياسية. علما أن الجهود، من وجهة النظر الأميركية، يجب أن تكون منصبّة للمباشرة بتنفيذ بنود موازنة 2019 وتطبيق مقررات سيدر والإعداد لموازنة 2020 بإصلاحات نوعية. وهذه قضايا لطالما شددت وتشدد واشنطن على إنجازها، كي ينال لبنان مساعدة الدول المانحة والصناديق الدولية للنهوض من أزمته”.

وتعتبر أن “تحذير السفارة الأميركية في بيروت من استغلال حادثة قبرشمون ـ البساتين لأهداف سياسية وتسييس القضاء، أتى لينبّه إلى هذا الشطط الحاصل من قبل بعض المسؤولين، نظرا لما لذلك من انعكاسات خطرة على مجمل الوضع الداخلي، وخطورة أن يتحول لبنان إلى (نقطة ساخنة وبؤرة توتر) إضافية تضاف إلى النقاط المشتعلة على امتداد المنطقة. في حين تشدد واشنطن على المسؤولين اللبنانيين في كل رسائلها ومواقفها على تحييد لبنان عن أزمات المنطقة، والالتزام بسياسة النأي بالنفس وعدم الانخراط في صراعاتها المحتدمة”.

وتعتبر المصادر السياسية المسؤولة أنه “في حال صح ما يتردد عن امتعاض وزير الخارجية جبران باسيل من أجواء البيان التي تبلغها قبل صدوره، ومحاولته ثني السفارة الأميركية عن إصداره أو التخفيف من لهجته القاسية وعدم تلبيتها رغبته، فهذا يعني ما يعنيه حول مستوى التحذير الأميركي الذي أرادت واشنطن إيصاله إلى من يعنيهم الأمر”.

وتبدي المصادر ملاحظتها حول أن “بيان السفارة الأميركية يحمل دلالات بارزة لمن يحسن القراءة بين سطوره وظروفه وتوقيته. فالولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بكسر التوازنات القائمة في لبنان لمصلحة محور بعينه يهدد مصالحها فيه وفي المنطقة، والمقصود المحور الإيراني وأعوانه، وهي لن تسمح بسقوط لبنان بشكل كلي رهينة في يد إيران”. وتلفت إلى أن البيان “يأتي عشية الزيارة المتوقعة لرئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، والتي رُتِّبت على عجل بحسب بعض المصادر، وإمكان لقائه نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو ومسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية. علما أن بومبيو رفض لقاء باسيل الذي زار واشنطن قبل أسابيع”.

من جهته، يشير فحص إلى أن “ما يلفت الانتباه، هو أن بيان السفارة الأميركية في بيروت موجَّه إلى الدولة اللبنانية. فسابقا كانت البيانات الأميركية توجَّه إلى فرقاء لبنانيين مع تحييد الدولة، على عكس البيان الحالي”. ويوضح أن “الإدارة الأميركية باتت تعتبر منذ فترة زمنية أن هناك طرفاً يسيطر على الدولة وأدواتها منذ انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية بشكل رسمي، والآن حُمِّل المسؤولية، فأصبحنا كدولة لبنانية في مواجهة المجتمع الدولي، وهذا أخطر ما في الأمر. أما هل يكون لذلك عواقب أخرى تبريراً لعقوبات أخرى، ليس على أفراد إنما على الدولة اللبنانية؟ علينا أن ننتبه لهذا الموضوع وانتظار المستجدات للإجابة على السؤال”.

ويعتبر المحلل السياسي ذاته أن “الزيارة المفاجئة للحريري إلى واشنطن، سيستغلها الفريق الآخر ويضعها في الموقع ذاته من ضمن نظرية المؤامرة المعروفة. لكن عمليا، من يريد من قبرشمون أن تصل إلى (سيدة نجاة ثانية) هو من وضع لبنان على خط زلازل المنطقة وأدخله مباشرة في أتونها، في حين كان المجتمع الدولي والجميع متفقاً على استقرار لبنان وعدم تهديده والحفاظ على الستاتيكو”.

ويؤكد فحص أن “الذي تخلى عن معادلة الاستقرار في لبنان هو الإيراني عندما فتح موضوع قبرشمون، وقد يكون السبب أن الأوروبيين لم يفوا بوعودهم لطهران بالالتفاف على العقوبات الأميركية، فأخذت الأخيرة لبنان رهينة”. ويسأل: “هل سيتعلم الأوروبيون أن مراهناتهم في لبنان كانت خاطئة، وما رهنوا إليه لبنان كان رهاناً خاطئاً؟”.

ويرى أن “هذا المحور هو الآن في مواجهة استقرار لبنان، لأنه أقرب إلى العواصم الأوروبية من الولايات المتحدة ويمكن أن يستخدم كوسيلة لإيصال الرسالة الإيرانية، إلى الأوروبيين وغيرهم. وهذا ما يؤكد أن تأثير العقوبات الأميركية والحصار الاقتصادي على إيران كبير جداً، ما جعلها تدفع الوضع في لبنان إلى التعقيد لابتزاز أوروبا والمجتمع الدولي”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل