سفارة ومصارحة … فمصالحة

 

كونوا في السّكوت أيّها المتخاصمون لأنّ الوطن مقدّس والمسّ بالاستقرار ممنوع. وهكذا كان في الذّكرى الأربعين على تعطيل الحكومة وتوتير الاجواء.

كلّ عاد إلى مقرّه صامتًا كالعادة، بعد كلّ تجاذب تظهر المراهقة السياسيّة في أوجها عند بعضهم، ما يستدعي تدخّل وصيّ أجنبيّ ما، كان في  زمن مضى جارًا قريبًا، فصار اليوم عابرًا للمحيطات والبحار.

شاء من شاء وأبى من أبى. فلبنان رقم صعب في المعادلة الدّوليّة ممنوع التلاعب باستقراره وأمنه. فهل من يتّعظ؟ أم أنّ هؤلاء بحاجة إلى المزيد من الاثباتات؟

أربعون يومًا قضاها اللّبنانيّون على حافّة الهاوية، حتّى صار الحديث عن تسلّح غير مسبوق في بعض القرى أمرًا مستساغًا. واستعدادات الحرب صارت في أوجها لكأنّها أمر سهل ومرتقب لتثبيت الوجود الفعليّ، أو حتّى لقلب موازين القوى ممّن يملكون القدرة التسلّحيّة أو التّسليحيّة. رُفِعَت السّقوف حتى لامست قبب السّماء؛ وما الذي حصل في المقابل؟ صمود وثبات في المبادئ، كعادة السياديّين الذين إن هادنوا أو سايسوا حينًا، لكنّهم لم يتخلّوا عن ثوابتهم، مقابل تهديد ووعيد بعودة عقارب السّاعة إلى زمن الوصاية أو حتّى ما قبله.

لم يدرك هؤلاء الذين رفعوا سقوفهم أنّ الحليف القوي الذي أسندوا ظهورهم إلى جبروت سلاحه غير الشّرعي، قد تمّ تدجينه اليوم إقليميًّا ودوليًّا. فالعقوبات التي فرضت على إيران وأذرعها، وحزب الله أوّلها، قد أتت بمفاعيل إيجابيّة لصالح التيّار الذي يؤمن بقيام الدّولة فوق الاعتبارات كلّها. لم يتخلّ الحزب عنهم، لكنّه يعمل بحكمة الأفاعي، وهذه المرحلة تقتضي منه ألا يسلّف هؤلاء المزيد من حسابه الخاص الذي بات على شفير الافلاس.

لم يعد مسموحًا أبدًا على أيّ طرف في لبنان، مهما كانت قواه عظمى أو متعاظمة بسبب تحالفاته الذّكيّة، الخروج عن الخطوط المرسومة من قبل “المايسترو” الحقيقي لإدارة الأزمات في العالم. مهما حاولوا إظهار قواهم في قدرتهم على الجمع، فهم قبل ذلك كانوا سادة التّفريق وإشعال الفتن الطّائفيّة وحتّى الحروب العبثيّة. ومهما حاولوا إظهار أنفسهم بموقع الضحيّة، فهم من جلد خزينة الوطن حتّى مزّقوها إربًا إربًا لتتّسع في جيوبهم وحساباتهم المصرفيّة في دول العالم أجمع.

يعقد مجلس الوزراء على أنقاض تهديداتهم بعد  سطر ونصف السّطر من السّفارة أجبرهم على المصارحة فالمصالحة غير المشروطة. والكلّ خرج رابحًا غير مكسور. يكفي أن تقرأ الجرائد أو أن تشاهد التلفزيونات التّابعة لأطراف النزاع فتفهم عقدة الدّيمقراطيّة التّعطيليّة التي ابتدعوها، لتحلّ مكان الدّيمقراطيّة التوافقيّة التي قامت على أساسها فلسفة الوطن اللّبناني.

وهذا كلّه انعكس بطريقة إيجابيّة، اذ نشرت وكالة رويترز تقريرًا مفاده ارتفاع السندات الحكوميّة المقوّمة بالدّولار. كذلك تمّ مواكبة هذا الالتئام مواكبة اقتصاديّة تمثّلت باجتماع عدد كبير  من الوزراء مع حاكم مصرف لبنان ومصرفيّين واقتصاديّين  معنيّين بالشأن المالي والاقتصادي.

من هنا، المطلوب اليوم اليوم وليس غدًا تكثيف الاجتماعات الحكوميّة لتعويض التّعطيل الأربعينيّ، وذلك من خلال فصل المسار القضائي عن المسار السياسي والحرص على عدم إقحام السياسة في القضاء. على أمل أن يكون قد اتّعظ المعطّلون من فعلتهم هذه، وباتوا مقتنعين بتغيير طريقتهم السياسيّة التي كانت قائمة على سياسة نبش القبور، واللّعب بالمسارات القانونيّة على حساب الحصارات السياسيّة. عدا عن ذلك، ستبقى الدّيمقراطيّة التّعطيليّة سيّدة المواقف والأزمات في لبنان. فهل ينفع الحديث عن ديمقراطيّة توافقيّة في بلد تسوده الأحقاد والنكايات والكيديّات؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل