“عَرجا من الأساس”… رغم المصالحة

هكذا، وبين ليلة وضحاها، وبعدما نام اللبنانيون على ألحان التغريدات المتوترة من هنا وهناك، استفاقوا على سمفونيات التفاؤل الهاطلة عليهم بغزارة ملفتة، عن قرب انتهاء الأزمة الحكومية التي نشأت إثر حادثة قبرشمون ـ البساتين وشلَّت مجلس الوزراء والبلاد منذ نحو شهر و10 أيام”. ولم يحل مساء أمس الجمعة، إلا وكانت الأزمة قد انتهت، وأعلن رئيس الحكومة سعد الحريري من بعبدا عن عقد جلسة لمجلس الوزراء عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم السبت في القصر الجمهوري.

“فعلت (عصا) التحذيرات الأميركية العلنية، والأوروبية المكتومة فعلها”. هكذا تعلّق مصادر سياسية متابعة في تصريحات إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على “انتهاء الأزمة الحكومية التي كادت تبلغ مرتبة (أزمة حكم) جراء استسهال بعض الأطراف، في الداخل والخارج، محاولة استغلال حادثة قبرشمون ـ البساتين في عملية تصفية حسابات سياسية (انتقامية) واستهداف واخضاع مكونات أساسية، تبدأ مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، لكنها بالتأكيد لا تتوقف عنده، إذ ليس الوحيد (المطلوب رأسه) سياسياً فيما لو نجحت المحاولة”.

كما ترحّب المصادر السياسية المتابعة بـ”فك أسر الحكومة وعودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، بعدما توصلت مساعي الساعات الأخيرة المكوكية إلى عقد لقاء مصارحة ومصالحة خماسي في قصر بعبدا، ضم رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة سعد الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ورئيس الحزب الديمقراطي النائب طلال أرسلان. وأفضى اللقاء إلى الاتفاق على فصل المسار القضائي للحادثة عن أعمال مجلس الوزراء”.

وفي السياق، لا يستغرب المحلل السياسي علي حمادة “عقد لقاء المصارحة والمصالحة متعدد الأطراف هذا في بعبدا”، لكنه يعتبر أن “المشكلة الأساسية تكمن في أن من يفترض به أن يكون عامل جمع ولقاء وثقة وتحكيم ما بين اللبنانيين في خصوماتهم، أي رئيس الجمهورية، فقد هذه الصفة بالنسبة لبعض الأطراف التي تتمنى أن يكون الرئيس عامل انضباط وضبط وتهدئة وإطفائياً في الحياة السياسية.

من جهتها، تأسف المصادر السياسية، “لكون الانفراج في الأزمة، لم يكن نتيجة تحسس المسؤولين المعنيين القيِّمين على البلاد وأهلها بما تمليه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والوطنية، وشعورهم بحجم الخسائر والمخاطر التي رتَّبتها الخفة التي تعاطى بعضهم فيها مع حادثة قبرشمون ـ البساتين، وممارسة الاستهداف السياسي والقضائي والشلل الحكومي لتحصيل المكاسب، بل نتيجة الضغوط والتحذيرات الخارجية التي تبلَّغوها بشكل فجّ من مغبة الاستمرار في هذا النهج المعتور. علما أن بعض المسؤولين في مواقع عليا تورَّطوا، أو تم توريطهم، وكانوا طرفا متدخلا بشكل مباشر إلى جانب طرف ضد آخر، وشاركوا في تعطيل الحكومة، بدل أن يكونوا في موقع الحاضن والحريص على الجميع وعلى انتظام عمل المؤسسات”.

وتضيف المصادر بشيء من الحسرة والاشمئزاز، “المؤسف أن بعض المسؤولين لا يملكون صفات رجال الدولة، ولا يقومون بأبسط واجباتهم كما يجب، وكأنهم تعودوا أن يملي وصي ما عليهم مواقفهم، أو هم لا يرتدعون عن ممارسة موبقاتهم السياسية وغير السياسية، إلا إثر تحذيرات خارجية صارمة!”.

من جهته، يؤكد حمادة أن “رسالة السفارة الأميركية غير المسبوقة بالأمس إلى المسؤولين واللغة غير المعهودة التي تضمنتها، هي نتيجة أن الأميركيين شاهدوا الانزلاق والانحدار الكبيرين الحاصلين. وكذلك الأوروبيون أبلغوا رسائل في السر، أقل حدّة، لكنها أُرفقت بتحذيرات مفادها أن الرسائل المقبلة ستكون علنية وأكثر حدّة، فيما لو استمر هذا النهج على صعيد محاولة تطويع القضاء، واستخدامه مطية للنيل من القوى السياسية المتعددة. فالاستهداف يبدأ اليوم بوليد جنبلاط، وغدا ينتقل إلى القوات اللبنانية والكتائب والأحرار وينتهي بتيار المستقبل”.

ويكشف المحلل السياسي عن “أدلة تجمّعت لدى المجتمع الدولي عن تورط كبير لفريق وزاري لصيق برئيس الجمهورية في ملف حادثة قبرشمون ـ البساتين، وعلى رأسهم (راسبوتين بعبدا)”. ويضيف أن هذا يورّط رئيس الجمهورية لأن هذا الفريق يتمتع بحمايته ومظلته”، مؤكدا أن “باسيل ما كان بإمكانه القيام بكل ما يقوم به لو لم يكن مغطى بالكامل من قبل عون”.

ويرى حمادة أن “هذه الممارسات، والتهجم والخطاب التصعيدي والتحريض والتعرض للكرامات، سيخرب البلد”. ويعتبر أنه “حتى بعدما تمت المصالحة في هذه القضية، فالأمور ستهدأ في البلاد لبعض الوقت فقط، لأنها (عَرْجا من الأساس)”، متوقعا أن “نعود إلى (عركة) قريبة، لأن البعض للأسف لا يعيش إلا على النفس العدواني”.

من ناحيتها، تأمل المصادر السياسية المتابعة أن “يكون المعنيون قد تعلّموا درسا من كل ما جرى ورافق هذه القضية، مرة لكل المرات، وهو أن في لبنان لا يمكن لأي طرف، مهما تصوَّر أو اعتقد قوةً أو سلطة، أن يلغي أحدا”.

وتضيف ان “الأجدى بهؤلاء أن يقلعوا عن ممارساتهم السلطوية المشبوهة واستهدافاتهم السياسية وحروبهم الإلغائية، لأن حصادهم الأكيد لن يكون سوى الفشل كما في كل المرات السابقة، انطلاقا من وقائع التاريخ والثوابت اللبنانية الماثلة. وعلى هؤلاء أن يبدلّوا نهجهم في إدارة الشأن العام، واعتماد نهج آخر مختلف تماما، عماده الاستقامة والنزاهة والشفافية واحترام الدستور والقانون وانتظام عمل المؤسسات، بالممارسة الفعلية لا عبر الشعارات الرنانة الفارغة من أي مضمون، لإنقاذ البلاد من القعر الذي أوصلوها إليه”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل