
يعتبر وزير الخارجيّة الأميركي جون فوستر دالاس في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور (1953-1959) أوّل من استخدم مصطلح “سياسة حافّة الهاوية” التي تقضي بإيهام الخصم برفض التنازل أو الرّضوخ ولو أدّى ذلك إلى اجتياز هذه الحافّة الخطرة. وذلك على أثر الحرب الباردة مع الاتّحاد السوفياتي آنذاك، حيث اتّخذ فوستر دالاس موقفًا عدائيًّا ضدّ الشيوعيّة في أنحاء العالم. ويعتبر الأسد الأب من أدهى الساسة الذين اعتمدوا هذه الطريقة، وهو القائل: “إن سقطنا لا نسقط إلا فوق جثث أعدائنا”.
واعتقد بعض الساسة اللبنانيّين أنّهم قادرون على مجاراة العالم وقادته، أي الأميركيّين بهذه السياسة. وما أثبتته الأيّام القليلة الماضية من فشل هؤلاء السياسيين الذّريع، لكفيل بانكفائهم وعودتهم إلى المربّعات الأولى. حتّى حلفاء الأسد الأب الذين لا يزالون يعتقدون أنّ الابن ناجح في السياسة نفسها، إن كانوا على قناعة فهذه مصيبة، وإن لم يلحظوا بأنّ الأسد الابن أسقط سوريا بأكملها كي لا يسقط فهذه مصيبة أكبر. ولن نسمح لهم بإسقاط لبنان ليقتنعوا بفشلهم.
في السياق عينه، يزور رئيس الحكومة سعد الحريري واشنطن للتّباحث مع الأميركيّين في الارتدادات الأخيرة التي تركوها في الساحة اللبنانيّة بعد تدخّلهم المباشر. وذلك بعد تغييبهم لأنفسهم بملء إرادتهم عن الساحة اللّبنانيّة الداخلية. لكن السياسة هي كالكيمياء، لا شيء يضيع فيها بل يتحوّل. وهذا التحوّل الذي أظهره الأميركيّون مردّه تغيير سياستهم في التعاطي مع ملفّ الأذرع الايرانيّة، ولعلّ حزب الله أبرزها. وما تلويحهم في الآونة الأخيرة إلى أنّ العقوبات الجديدة، ستطاول شخصيّات حليفة بارزة مع الحزب، إلا مزيدًا من رفع وتيرة ضغطهم السياسي على الدولة اللبنانيّة.
بنظر الغرب، وتحديدًا أميركا، ما عادت تنطلي مسألة الجناحين لدى حزب الله: العسكري والسياسي عليهم. هذه الخزعبلات اللّبنانيّة لم تعد نافعة. وهم ماضون في ضغطهم على الحزب للوصول معه إلى صفر إيرادات، ما سيجعله طيّعًا في التّفاوض أو ربما الانكسار. والطّوق الذي وضعه الأميركيّون حول طريقة التعاطي السياسي بين اللّبنانيّين، قد نزع فتيل تسييس القضاء. وقد نجح الأميركيّون في الدّخول عبر الخاصرة الماليّة الرّخوة. والحزب أذكى من أن يكون مسبّبًا مباشرًا للانهيار الماليّ المرتقب. بل سيلجأ إلى سياسة تكيّف تؤمّن له الحدّ الأدنى من الاستمرار.
ولعلّ أخطر ما في هذا الموضوع أن يقفز الحزب فوق حافّة الهاوية، فيورّط لبنان بما قد لا تحمد عقباه، على قاعدة: “لو كنت أعلم”. لكنّه هذه المرّة، ألف مرّة يعلم. ولا يبدو أنّ الفريق الحاكم في لبنان مستعدّ لمجاراة حليفه في مواجهاته الاقليميّة والدّوليّة بعد اليوم. ماذا وإلا يكون كمن يطعن نفسه بحربة ليريح حليفه. وفي تلك المسألة خسارة كبيرة سيواجهها الأصيل والوكيل على حدّ سواء.
من هذا المنطلق، سيعود الحريري من واشنطن أقوى بكثير من ذي قبل، وذلك لأنه تلقى دعمًا محلّيًا من حلفائه الأساسيّين والمبدئيّين في لبنان، فوقف معهم جنبًا إلى جنب الحزب الاشتراكي. كذلك، من المفترض أن يستغلّ الدّعم الأميركي لمشروع الدولة وألا يرضخ لمزايدات دونكيشوتيّة لبنانيّة من قبل من وعدوه ولم يفوا بشيء من وعودهم.