شهداؤنا… ما راحوا

يمتلئ التاريخ بقصص بطولات سطرها رجال ونساء واجهوا موازين القوى وانتصروا على كل التوقعات.

نستذكر معركة سلاميس البحرية عام 480 قبل المسيح، حين قامت السفن اليونانية بمواجهة الاسطول الفارسي، الذي يفوقها عدداً بثلاثة اضعاف، والحقت به هزيمة في خليج سلاميس.

ويذكر التاريخ معركة واتلنغ ستريت عام 61، إذ واجه الجنرال الروماني سيوتونيوس مع فيلقه البالغ عدده عشرة الاف، مئة ألف من عسكر الملكة بوديكا في بريطانيا، وانتصر وخلد التاريخ اسمه.

في شرق آسيا في القرن السابع، سطر التاريخ معركة بين عشرة آلاف فارس من كوريا وحوالي الثلاث مئة ألف عسكري صيني، لتنتهي المعركة بفوز المملكة الكورية فوزاً مدوياً كاسحاً.

وتستمر لائحة البطولات العسكرية، لتكون دروساً في الكليات الحربية وفي معاهد التاريخ حول العالم.

وسيذكر التاريخ في كتبه، وستكتب جامعات العالم، عن حفنة من الرجال والنساء، في بقعة جغرافية صغيرة من هذا الشرق المعذب، رفضت، على مدى سنين وسنين طويلة، الاستسلام والخضوع او الانسحاب.

سيكتب التاريخ عن معركة الاسواق والهوليداي ان، وعين الرمانة والمراية وشارع صنين، وسيروي اساتذة التاريخ عن معركة جرت في قنات الشمالية، وعن بطولة شباب في بلا والكورة وبشري.

لا شك ان تلامذة المستقبل سيتعلمون عن زحلة، عن مدينة نظرت في عين الطاغية وصمدت. وعلى فوهة البركان ازدهرت.

سيصنع رائدو هوليوود أفلاماً عن الأشرفية وصمودها لمدة 100 يوم، وعن الجبل، وشرق صيدا والدامور.

سيأتي كشافة عالميون ليعبروا صنين، وعيون السيمان، ويمشون درب الثلج نحو زحلة. ولا بدّ أن يرافقهم محللون عسكريون ليبحثوا في كيفية صمود بيروت وكيف انتظم شباب في جيشٍ لم يشهد التاريخ الحديث لبطولاته مثيلًا.

سيتحدثون كيف قلة قليلة، بعتاد وامكانيات قليلة، واجهت أكثرية عنيفة مدربة ومتعطشة للقتل.

وكيف تلك القلة القليلة، وبإيمان كبير، دخلت فم الأسد وخرجت منتصرة بقدرة لم يدركها أحد.

وسيسأل الباحثون عن أسماء هؤلاء القلائل، وسيجدون بينهم الشباب الذين لم يبلغوا السادسة عشر من العمر، والاطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة والشعراء والفلاحين.

لن يجدوا ضباطاً امتهنوا الحرب فحسب، بل آباء وأبناء وامهات ورجال دين ورهبان وراهبات.

سيقرأون عن بشير الجميل الذي قاد المقاومة في عمر الثلاثين، ووصل للرئاسة بعمر الثلاثة وثلاثين.

سيقرأون عن سمير جعجع الذي لقّن في عامه الثامن والعشرين الوحدات السورية درساً بالبطولة في قنات الشمالية.

وسيقرأون عن ويليم حاوي، ونزار نجاريان، وكيروز بركات.

سيسألون عمن هو شبل عيسى الخوري، ومن هو سليم معيكي، ومن أين أتى بطرس شويفاتي وما كان مصير ميشال بيرتي. وسيكتبون التقارير كيف استشهد نديم عبد النور، وكيف سقطت غيتا عون، وكيف رحل طوني عنداري.

وفي كتب البطولة سيتحدثون عن ديب مطر، واكرم حنا القزح وسليمان عقيقي.

وسيذكرون قافلة شهداء كثر، سيخبرون ان هذا الشعب بقي هنا، لأن هؤلاء الذين سقطوا في الأرض، أزهروا رجالاً فوق كل الرجال، ولأن حبة الحنطة التي سقطت في حقل الشوك، خرجت من بين الشوك شجرة مثمرة عالية.

ويدرك هذا الشعب، أن الذين رحلوا، لم يرحلوا. لأنهم سقوا الأرض دماءهم. فنشرب من تضحياتهم مع كل كوب ماء، ونأكل من قوة جسدهم في كل ما تنتجه حقولنا، ونعبر الأرض باسم أضرحتهم.

وأن شهداءنا صاروا الجسر الذي نمر عليه متعبين.

وصاروا قناديل ليالينا السوداء. ونور الشمس بعد المطر الغزير، وصاروا الهواء البارد بعد نهار مشمس طويل.

وصاروا أيقونة لنا.

وسلسلة رجال في السماء، يشبكون الأيادي كل مساء. ويصلون معنا، ويقاتلون معنا، ويصمدون معنا، ونصمد نحن بصمودهم.

سينصفهم التاريخ، وسيجلسون عن يمين الله، لأنهم أبناء الرجاء، وان رحلوا بالجسد، لكنهم لم يرحلوا بالروح.

شهداؤنا، ما ارتاحوا يوماً ولن يرتاحوا.

شهداؤنا، ما راحوا يوماً، ولن يرحلوا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل