البطاركة القدّيسون ومجد لبنان – 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1697

البطاركة القدّيسون ومجد لبنان

الحويك مكرّمًا… بطل جديد بين المقاومة والقداسة  (1)

 

عرف الكرسي البطريركي المتنقّل من كفرحي إلى قنوبين وإيليج ويانوح والديمان وبكركي، وغيرها من المقرّات القلاع والمحابس، العديد من البطاركة الذين ساروا على طريق القداسة، بل منهم من خطها وحفرها بالإيمان والنسك والمقاومة والشهادة. من البطريرك الأول مار يوحنا مارون الذي قاد الموارنة إيمانيا وكنسيا وميدانيا فبلغ مراتب القداسة، إلى سليل من البطاركة العظام ممن حُفِرت كراسيهم في ثنايا الصخور وأسماؤهم في صفحات التاريخ.

اليوم وبعد إعلان الفاتيكان تكريم بطريرك»لبنان الكبير» الياس الحويك في حزيران 2019، باتت للبنان محطة أخرى مع القداسة ومزيد من رفد السماء بأبطاله القديسين. فالبطريرك الحويك الذي دخل التاريخ بمواقفه وإنجازاته، ومنها تأسيس دولة لبنان الكبير ومحاربة الظلم ومساعدة الفقراء، يدخل اليوم مرتبة القديسين حاملا معه لبنان الكبير بقلبه الكبير إلى مصاف الخالدين.

في 16 حزيران 1919 أصدر مجلس الإدارة اللّبناني قرارًا بتشكيل وفدٍ برئاسة البطريرك الياس الحويك إلى مؤتمر الصلح في فرساي – باريس. وفي 16 حزيران 2019، أعلن الفاتيكان «أبو الفقراء» مكرّما على مذابح الكنيسة. وقد برز دور البطريرك الياس الحويك في الحرب العالمية الأولى وبعدها، حيث ساعد ضحايا الحرب وحمل هم الكيان اللبناني،فكان في أساس قيام لبنان وحمايته من المطالبين بضمه إلى مشروع سوريا الكبرى.

وهكذا فإن مئوية «لبنان الكبير» شهدت إعلان البطريرك الحويك مكرّماً على درب القداسة، كما شهدت بلدة عبرين البترونية حيث الدير الأم لراهبات العائلة المقدسة الذي أسسه الحويك، حركة غير إعتيادية وفرحة عارمة مع بدء التحضيرات لهذا الإعلان الفاتيكاني.

في 8 آذار الماضي وافق مجلس الخبراء اللاهوتيين في الفاتيكان بالإجماع على ملف دعوى تكريم الأب المؤسس لرهبانية العائلة المقدّسة، ثم إعلانه مكرّما. ويأتي ذلك بعد تسلم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في تشرين الثاني الماضي أعمال دعوى تطويب البطريرك الحويك من مقرر الدعوى الأب فنشنسو كريسكولو في مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان، في حضور رئيس المجمع الكاردينال جيوفاني أنجيلو بيتشو. وقد تناولت الدعوى حياة الحويك وفضائله وشهرة قداسته.

رفات البطريرك الحويك، ما يزال حيث دفن، داخل دير الرئاسة العامة لراهبات العائلة المقدّسة المارونيات في بلدة عبرين – البترون. ويحتضن الدير، مزاراً خاصّاً بالحويك أصبح محجّاً للمؤمنين، وخصوصاً العائلات التي لم ترزق بأبناء. ويسجّل الزوّار في سجل الدير الكثير من النعم المستجابة بعد زيارتهم ضريح البطريرك، فهو البطريرك الذي دخل التاريخ من بابه العريض، حتى أصبح الأهم في تاريخ لبنان والكنيسة.

 

الحويك: مسيرة تاريخ وقداسة

بطريرك الإستقلال الأوّل مار الياس بطرس الحويّك (1899 – 1931)، بات الآن رسمياً على طريق القداسة، وذلك بعد موافقة مجلس الخبراء اللاهوتيين في الفاتيكان بالإجماع على ملف دعوى تكريم «ابو لبنان الكبير». ثم إعلانه مكرما.

الجلسة الأولى للتحقيق في فتح دعوى تطويب وتقديس الحويك حصلت في عبرين، وحصلت خلالها قراءة إذن الموافقة من الكرسي الرسولي على البدء بالتحقيق والبحث في قرارات تعيين لجنة التحقيق ولجنة خبراء التاريخ ولجنة اللاهوتيين الصادرة عن راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله. وشهدت تلك الجلسة قسَم يمين قانوني لطالب الدعوى النائب البطريركي حنا علوان ومساعدته الرئيسة العامة الأخت ماري – أنطوانيت سعاده وأعضاء المحكمة واللجان، كما قُدِّمت لائحة الشهود والوثائق والتواقيع والأختام المرتبطة مُباشرةً بالملف.

وبناء على ذلك، انطلقت دعوى مبدئية في الأوّل من كانون الأول 2010.وفي 19 أيلول 2012، كان علوان تقدّم بعريضة استدعاء قانونية مرفقة بالمستندات اللازمة، الى المطران خيرالله الذي عيّن لجنة تحقيق ولجنة خبراء في التاريخ ولجنة لاهوتيين. ومع التقدّم الحاصل على خط دراسة الدعوى، تعمل اللجنة على رفع أعجوبة شفاء حقّقها البطريرك الحويّك، بانتظار تحويلها إلى روما وفق الإجراءات الرسمية. وهكذا فإن لبنان والموارنة بصورة خاصة، على موعد مع حدث كبير آخر، يحمل إسم البطريرك الحويك إلى لائحة القديسين.

أما الصفة الأبرز التي تميّز شخصية البطريرك هي أنه «منقذ الناس من المجاعة وموزع 163 ألف مساعدة على اللبنانيين بمختلف طوائفهم مسيحيين ومسلمين». والبطريرك الحويك أيضا كان له نداؤه، وهو نداء 9 كانون الأول 1916 الذي دعا فيه إلى إطعام الفقراء، حاضا الإكليروس على بيع الأراضي لتحقيق هذه الغاية. وكان نصير المظلومين حيث دأب على مطالبة العثمانيين بالإفراج عن الزعماء المعتقلين الموارنة والدروز باسم المواطنية والوحدة الوطنية.

 

قادة وقدوة وشفعاء

البطاركة القدّيسون لطالما كانوا مدرسة في التاريخ الماروني والعقل الجماعي لأبناء الكنيسة. وباتوا قادة وقدوة وشفعاء. وحصل كثيرا خلال هذا التاريخ السحيق والغني، مع العديد من البطاركة والرهبان والنساك، أن أعلنت رعيتهم قداستهم قبل إعلانها رسميا من الكرسي الرسولي. وهذا ما حصل مع القديسين شربل والحرديني ورفقا واسطفان نعمة وسواهم، ودروب السماء سالكة، وقوافل القديسين لا تنتهي.

ما تجدر الإشارة إليه، أن العديد من القديسين في تاريخ الكنيسة أُعلِنت قداستُهم استنادا إلى مسيرتهم الطوباوية والنضالية، أو إلى شهادتهم في سبيل الإيمان والحق، وليس بالتحديداستنادا إلى أعاجيب ومعجزات. وهناك العديد من البطاركة في تاريخ الكنيسة المارونية ممن اتصفت مسيرتهم بالقداسة بأي من معانيها، بينهم إرميا العمشيتي ودانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا واسطفان الدويهي والياس الحويك وربما البطريرك صفير.

 

إرميا العمشيتي

الحبيس البطريرك أرميا عبيدالعمشيتي (1199 – 1230). أصول عائلته من أهدن قبل أن تستوطن عمشيت. وقد أثبت البطريرك أسطفانوس الدويهي بخط يده بأن عائلةعبيد العمشيتية هي فرع من فروع الطائفة الدويهية.  إستحبس أوّلاً داخل قلالي محبسة مار زخيا عمشيت قبل أن ينتقلَ إلى محبسة سيدة ميفوق.

وبعد وفاة البطريرك بطرس اللحفدي في العام 1199 أجتمع الأساقفة وأعيان الشعب في دير سيدة إيليج وانتخبوا الحبيس إرميا العمشيتي بطريركًا على الطائفة المارونية. وكان أول بطريرك ماروني يسافر إلى الكرسي الرسولي حين وجّه البابا إينوشنسيوس الثالث دعوة عام 1213 لحضور مجمع تثبيت عقيدة حلول الرب يسوع حلولاً كاملاً تحت أعراض الخبز والخمر. وعام 1215 وصل البطريرك مار إرميا العمشيتي إلى روما داخلاً المجمع العام وهو يرتدي عباءة حبساء جبل لبنان، الأمر الذي أثار سخرية الكرادلة الرومانيين الأوروبيين ذوي البرفير والأرجوان. وعندما حان يوم البطريرك إرميا لإقامة الذبيحة الإلهية لأعضاء المجمع، ولما وصل إلى شَيلةِ كأس القربان، رفعه ثم أنزل يديه إلى المذبح فبقي الشعاع الأقدس مرفوعًا في فضاء الكاتدرائية. حينها سجد الكرادلة ورؤوسهم إلى الأرض مُجهشين بالبكاء مُستغفرين مار إرميا القديس. وبعدها استدعى قداسة البابا إينوشنسيوس أمهر رسامي إيطاليا لرسم وتخليد أعجوبة القربان المرفوع !

وبعد 15 عاما على رجوعه من روما انتقلَ البطريرك مار أرميا العمشيتي إلى ملكوت حبر الأحبار السماويين. وكانت أعجوبة بقاء الشعاع الاقدس مرفوعا في الفضاء من دون يد هي الوثيقة الألهية الدامغة لتثبيت عقيدة الأفخارستيا.

 

دانيال الحدشيتي

البطريرك الشهيد دانيال الحدشيتي (1278 – 1282)، رفع تمثال له في حديقة البطاركة في الديمان على إحدى صخور الحديقة والى جانبه لوحة متعددة اللغات تعرّف به وبأبرز الأحداث التي شهدتها ولايته البطريركية. ووفق النص التاريخي للأباتي أنطوان ضو، الوارد في كتاب البطاركة الحدشيتي وجبرايل حجولا وموسى العكاري، فإنّ البطريرك الحدشيتي هو أحد شهداء الكنيسة المارونية، وكان استشهاده خلال هجمة المماليك على جبة بشري (1282 – 1283). وقد قاد المقاومة في مواجهتهم طوال أربعين يوماً قبل أن يُسقطوا حصن إهدن ويحرقوا قرية بقوفا القائمة بين بشري وإهدن. وقد أخذه المماليك بالحيلة وقتلوه ليدفن في دير سيدة ايليج.

وفي مواكبة لسنة الشهادة والشهداء أعدت رابطة قنوبين فيلما وثائقيا بعنوان «الوادي المقدّس نبع الشهادة والشهداء» تناول استشهاد البطاركة الحدشيتي وحجولا وأبو كرم الحدثي، وتحريك دعوى تطويبهم التي أعدّها مجمع المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك أنطون عريضة سنة 1937.

شكّل البطريرك الحدشيتي أول قوة لبنانية مسلحة تتصدى لغزو المماليك لجبل لبنان. «كان بطريركاً وزعيماً سياسياً في الوقت نفسه»، يقول الوزير والنائب السابق الأستاذ الجامعي الدكتور عبدالله فرحات، أنه موضع تقدير وتكريم نظرا إلى ما يرمز اليه من عناد ماروني في المقاومة، وشهادة للتاريخ. معه، تنفتح صفحة قديمة جدا من تاريخ الموارنة في لبنان، من زمن مظلم جدا تصدّر خلاله اسمه اخبار المقاومين الموارنة للغزاة المماليك 40 يوماً أوقفهم مع رجاله امام اهدن، ولم يتمكنوا منها الا بعدما أمسكوه بالحيلة واستُشهِد.

قيل فيه بمواجهة حملة المماليك أنه «ظهر في جوار طرابلس، بطريرك عملاق يُدعى دانيال من قرية حدشيت، إحدى المعاقل الجبلية. جمع حوله مجمل أبناء شعب الجبال والأودية – ذوي الضلال- وفرض بسالته على طرابلس وأميرها وجميع الفرنجة، كما البلدان المجاورة، متخذاً من قرية الحدث قلعته الحصينة، شامخاً بأنفه حيث لم يتمكن أحد منه، بالرغم من الحملات العسكرية المتواصلة عليه. ولم تتمكن الحملة من انتزاع طرابلس الاّ بعد ان أجهزت على مقاومة حلفائهم أهل الجبال، أتباع البطريرك. عندئذ زحفت جيوش المماليك الجرارة في اوائل سنة 1282 على بلاد الجبّة. فقاد البطريرك بنفسه رجال الدفاع، وكان إمساكه فتحاً عظيماً، أعظم من افتتاح حصن أو قلعة وحتى بلاد بكاملها». وقد بنت سالومي بنت الخوري باسيل البشرّاوي، كنيسة مار دانيال في (حدشيت) حدث الجبّة على إسم البطريرك دانيال.

 

جبرائيل الحجولي

لقّب المماليك البطريرك جبرائيل الحجولي (1357 – 1367) بالشيخ مسعود، ولكن ليس في تاريخ رؤساء الكنيسة المارونية من يحمل أسم «البطرك مسعود» رسمياً، فهذا الاسم اطلقه المماليك تمويهاً على مقبرة البطريرك الشهيد جبرائيل حجولا، الذي قتلوه حرقاً في طرابلس عام 1367 ودفنوه في المقبرة الاسلامية عند السفح الشمالي من تل الرمل العالي سراً، كي لا يكتشف احد في يوم من الايام الموقع الذي يرقد فيه سيد البطريركية المارونية الشهيد. لكن الإعلامي سليم بدوي كتب سيرة البطريرك الشهيد في قصة تاريخية حشد لها كل عناصر الإثباتات والمراجع العربية والأجنبية.

لم يكتب الكثير عن البطريرك الشهيد جبرائيل حجولا، سوى أن المماليك أعدموه حرقاً في قلعة طرابلس، لكن هذه الحادثة حوّلت البطريرك «رمزا للمقاومة الإيمانية حتى الفداء من أجل بقاء كنيسة الموارنة» كما كتب بدوي، مقارناً بين موت حجولا حرقاً على يد المماليك، وشهادة شفيعة فرنسا جاندارك التي أعدمها الإنكليز حرقاً ايضاً بعد 64 عاماً بالضبط. والمعروف أن حجولا كرس نهجاً من التواضع والإنسحاق من أجل شعبه وبلاده. وهو انتُخب بطريركا في ظل إنقسامات كبيرة من أجل أن يوحد الجماعة المارونية.

وأهمية شهادة البطريرك الحجولي أنه اختار تسليم نفسه إلى المماليك فداءً عن شعبه الذي كان يتعرض للذبح والسبي، وفي ذلك قمة الشهادة والتضحية.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل