قولوا الحقّ ليحرّركم

لقد سقط مفهوم تطييف أو تفريق الفريق السيادي، وهذه المرّة إلى غير رجعة. وذلك بعد أن أيقن هذا الفريق بأنّ المعركة الحقيقية في لبنان اليوم هي معركة وجودية حول كيانيّة هذا الوطن المنقسم على ذاته في مجموعاته الحضارية المبنية على الاسس الطائفية.

ورد في كتاب “في الدولة الطائفية” للمفكر والكاتب اللبناني مهدي عامل، عام 1986 الذي أصدره على أثر الاستفحال الطائفي إلى حدّه غير المقبول في الحرب اللبنانية، قول يستشهد فيه بدراسة للمفكّر اللبناني أنطوان مسرّة، حول دور الدولة وعلاقتها بالطوائف انطلاقًا من سؤال “النظام اللبناني نظام فريد من نوعه؟”، وفيه: “… الدولة فوق الطوائف فهي للطوائف جميعها، لا تنحاز إلى واحدة ضد أخرى بل توفّق بينها إذا اشتدّ تنافسها، وتحول دون تخاصمها، حفاظًا على ديمومتها التي هي بل أيضًا تدوم كدولة للطوائف”.

من هذا المنطلق يتجلّى مفهوم الدولة للفريق السيادي، وهذا ما لم يستطع بعد أن يدركه فريق الثامن من آذار، بأطيافه كلّها. فهو لا يزال يؤمن بأنّ القوّة هي التي تفرض نفسها، إن كانت في السلاح وتقويض الدولة، وإن كانت بالديمغرافيا والعدديّة. ولا يستطيع هذا الفريق أن يدرك اليوم أنّ العالم كلّه محكوم بالتنوّع والاختلاف. وما وثيقة الأخوة الانسانية التي وقّعها قداسة البابا فرنسيس في دولة الامارات العربية مع شيخ الأزهر الا ترجمة لهذا الفكر الذي سيحكم العالم في المستقبل القريب.

ولن تكون ديمومة الدولة في لبنان الا بتوفيقها بين مجموعاتها الحضاريّة. والخوف اليوم من أن يكون بعضهم يسعى لضرب هذه الصيغة التي تحدّث عنها الكاتب منذ نيّف وثلاثة عقود. وما استشهاده بقول المفكّر أنطوان مسرّة الا لأنّه يرسم خارطة طريق قيام الدولة اللبنانية، وفق كيانية لبنان الكبير التي ثبّتها مفكّرو التاريخ أمثال ميشال شيحا وشارل مالك.

وفي السياق عينه تندرج سياسة حزب القوّات اللّبنانيّة في الانفتاح على الآخر المختلف بالانتماء الحضاري، لكن الآخر الذي يؤمن بالكيانيّة اللّبنانيّة. وفي هذه الطريقة السياسيّة رسالة واضحة الى الحلفاء والخصوم، ولا سيّما الى سكان الجبل من المسيحيين والدروز الذين تمّ إخافتهم بعضهم من بعض بحجّة عدم تجرّؤ وزير على النوم في قريته. وما تمسك “القوات” بنهج المصالحة والتعايش الذي لا عودة فيه الى الوراء إلا تثبيتًا وتكريسًا لمصالحة الجبل التي أرساها البطريرك صفير.

فالعودة المسيحية الى الجبل قد تّمت بغضّ النظر عن وجود ثمة اختلافات في البلاد وهي ليست محصورة فقط في الجبل ولا تطال مكّوناته، بل طبيعتها “سياسية” و”استراتيجية” لا”مذهبية ـ طائفية، وذلك لأنّ الأفرقاء يحاولون نقل الصراع من الآتّون الطائفي والمذهبي الذي أحرقهم إلى الاستراتيجية التي يرون فيها متّسعًا لصرف فائض قوّتهم التسلّحيّة قبل نفاذ مفعولها على أثر العقوبات المالية الشديدة التي فرضت على حزب الله، والتي ستفرض على مقرّبيه كما تمّ التداول في الأروقة الأميركيّة على مسامع رئيس الحكومة.

من هذا المنطلق، من غير المسموح بعد اليوم اختبار المدى التحالفي للتيار السيادي. فهذه باتت ثابتة تكرّست بثبات القوات اللبنانية في تحالفاتها وفي تفاهماتها، حتى بعد إنكار بعضهم لتوقيعه. فبنهاية المطاف، التاريخ لن يرحم أحدًا. ومن يريد بناء الدولة في لبنان معروف، ومن يريد أن يستغلّ الدولة لعقيدته وأيديولوجيته الدينية معروف أيضًا، ومن يساعد هذا الطَرَف الذي يستفيد من سياسة غضّ الطَرْف عن صفقاته المشبوهة تحت راية منظومة الفساد معروف أيضًا.

المطلوب واحد وأساسي اليوم، على الشعب اللبناني بأطيافه كلّها أن يتقن فنّ المحاسبة، وأن يكفّ عن حالات النّقّ واللّقّ والشّقّ. وعلى اللّبنانيّين جميعهم أن يقولوا الحقّ ليتحرّروا، وبكل جرأة، عندما تسمح لهم صندوقة الاقتراع بذلك. وإلا فليصمتوا إلى الأبد. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل