أثر الإيمان الديني في سلوكيات الشعوب

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1697

أثر الإيمان الديني في سلوكيات الشعوب

قيم ومبادئ وأخلاقيات للخير لا للشر

 

لطالما كان الدين والإيمان محور جدال تاريخي لم يهدأ ولم يستقر على رأي عبر الأزمنة. فالفيلسوف الإقتصادي الألماني كارل ماركس مثلا كان يقول «الدين أفيون الشعوب»، فيما ذهبت أكثر من نظرية ومعتقد في الإتجاه المختلف، معتبرة أن الدين محفّز الشعوب التي لأجل إيمانها تناضل وفي سبيله تحيا وتموت. علاوة على ذلك فالأديان جميعها تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ والأخلاقيات تضخّها في المجتمعات فتصوّب مسارها ما أمكن نحو الخير والصلاح. وتأثير الإيمان في حركة الشعوب والأفراد يظهر على أكثر من مستوى، فالمؤمن، إلى أي مذهب إيماني انتمى، يكون دائما أكثر تشبثًا بأرضه وقِيَمه وتاريخه، وكل ما يتصرفه يأتي تحت هذه العناوين. ثانيًا حتى المؤمنون أنفسهم تختلف تصرفاتهم بحسب معتقد كل منهم ومدى أثر ذلك المعتقد على سلوكياته وقراراته.

طغيان الإيمان الديني على سلوكيات الشعوب، لم يكن يومًا حالة عابرة في التاريخ، بل لطالما كان الموجِّه والصانِع والحاكِم لتلك الحركة. وثمّة من العلماء من يؤكد أن الشعوب الملحدة مثلا تفتقد إلى العديد من العناصر التي تطبع حركتها وعلاقاتها، سواء في ما بينها أو بينها وبين شعوب أخرى، وأن تفلّتها من الإيمان أثّرَ بلا شك على سلوكياتها وغيرها، بغض النظر عن طبيعة التغيير وحجمه.

أما الشعوب المؤمنة، إلى أي دين انتمت، فتتميّز حركتها وتنتظم بحسب مدى إيمانها والتزامها تحمل التعاليم التي تفرضها تلك الأديان على أتباعها من عناوين أو ممارسات أو مسلّمات. فمثلاً عاند مسيحيو روما القدماء وقاسوا العذابات بوجه الطغاة الوثنيين، لأنهم اعتبروا أن إيمانهم الديني يتطلب منهم ذلك، والحروب الصليبية من جهتها ما هي إلا واحدة من تلك الأمثلة الراقدة في التاريخ. وكذلك تميّزت حركة مسيحيي الشرق بطغيان الإيمان الديني على أي قرار أو ممارسة أو تصرف. والأمر نفسه ينطبق على المسلمين الذين يتّخذون من القرآن دستور حياة، فيصل بهم الأمر إلى إمكان استخدام كل الوسائل لتطبيق تلك التعاليم أو حمايتها. ومن جهتهم حارب اليهود وشكلوا «اللوبيات» وتحملوا الإضطهاد سعيًا إلى بلوغ أرض الميعاد تطبيقا لما هو وارد في العهد القديم…

 

المطران معوض: الله سيِّد التاريخ … كيف يؤثر الإيمان الديني في حركة الشعوب وكيف يشرح الدين المسيحي ذلك؟

جوابًا عن هذا السؤال يشدد راعي أبرشية زحلة المارونية المطران جوزف معوض على «أننا نؤمن أن الله سيد التاريخ، وبما أنه كذلك، وعلى الرغم من ضعف الفرد أو المجموعة، فهو يتدخل في الأحداث التاريخية وهو قادر على فعل المعجزات. تستطيع القوى في العالم تقرير عمل الخير أو الشر لأنها حرة، لكن قدرة الله حاضرة دائما لتحديد ماذا نفعل وماذا يحصل، وبالتالي فليست تلك القوى قادرة على فعل ما تشاء بل يشاء الله».

ويتابع: «للإيمان تأثير على حياة المجتمع وليس فقط الأفراد خصوصا في عصرنا الحاضر، حيث يبرز أثر الإيمان على صعيد العائلة وعلى صعيد التضامن البشري. فعندما يكون هناك إيمان يعمل الأفراد والجماعات على الحفاظ على هيكليتهم ونقاوتهم، المنضوية في إطار العائلة، وأنا أتحدث هنا بخلفية الإيمان المسيحي، ولذلك أعطى الله للعائلة بعض أسرار الكنيسة ومنها سر الزواج. كما أن هذا الإيمان يعطي الفرد احترام الحياة من أول لحظة لتكوينه، وتقبلها كما أرادها الله. فالنظرة الإيمانية المسيحية تقوم على تكوين العائلة من رجل وإمرأة، ولذلك ولد يسوع في كنف عائلة مكوّنة من رجل وإمرأة اتصفا بالبتولية وتميّزا بها. من هنا مثلا لا تتقبل الشعوب المؤمنة مسألة زواج المثليين، وهذا مثال صارخ على أثر الإيمان في حياة الشعوب وخياراتها».

المسألة الأخرى المهمة بحسب المطران معوض «هي مسألة الإجهاض التي تقبلها بعض المجتمعات فيما ترفضها المجتمعات المسيحية المؤمنة، إنطلاقا من إيمانها الديني الذي يعتبر أن الجنين من لحظة تكوينه هو إنسان، وليس لنا الحق في قتله. كذلك تتقبل النتيجة كيفما كانت إيمانا منها بأن هذه هي مشيئة الله. واستطرادا فإن هذه الثمرة لا تكون إلا بنتيجة الحب، وليس بنتيجة التقنيات المختبرية».

ويضيف: «عندما نقول إحترام الحياة فهذا يعني إحترامها في كل مراحلها، في بداياتها كما في نهاياتها. وإيمان هذه الجماعات يعلّمها أن السلطة على الحياة البشرية ليست في أيدينا، وليس لنا أن نقرر فيها لناحية استمرارها أو إنهائها، وهو ما يعرف بالموت الرحيم. والأمر ينطبق أيضا على الإنتحار فنحن لا سلطة لنا على حياتنا الشخصية كما على حياة الآخرين التي يبقى للرب وحده أن يقرر فيها. ما لنا فقط، هو اعتماد ما توفّر من طرق وعلاجات لتخفيف الآلام. تلك الآلام بحد ذاتها، التي إن آمنّا واعتبرناها تمثّلًا بالمسيح تصبح مقبولة ولها مصدر عزاء ما يرفع قدرتنا على تحمّلها، الأمر الذي لا يحصل بغياب هذه الثقافة الإيمانية. والأمثلة مثيرة في الكنيسة حيث تحوّل بعض المتألمين الصابرين حبا بالمسيح إلى قديسين وشفعاء».

ويلفت أيضا إلى أن «التضامن الأخوي الإجتماعي ظاهر في أعمال الرسل في الكنيسة الأولى، حيث كان هناك صندوق مشترك كان الرسل يودعون فيه أموالهم ويأخذ منه كل فرد بقدر حاجته. هذا التضامن استمر في الكنيسة ولو بصيغ أخرى، وهو ما يتجلى بمساعدة المعوزين في الأوقاف والرعايا. وهناك مثال مباشر على ذلك لمستُه عندما كنتُ أتابع دراستي في إيطاليا، حيث أن الرعايا تقوم بجهد منظم لخدمة المحتاجين، وذلك لا لغاية إلا التزامًا بإيمانها المسيحي الذي يوصي بذلك. وعندما نتكلم عن الإيمان فلا بد من التطرق إلى العلمانية، وبات يحكى اليوم عن العلمانية السليمة للتخفيف من تحجرها. فعندما تكون هناك ذهنية تتغاضى عن الله، ولها نظرة أفقية لا تتخطى العالم الأرضي وغير مرتبطة بنظرة أفقية مع الله، يتغيّر سلوكها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر مهم وهو أنه في هذه الحال لا تعود القيم المثلى هي المعيار والمقياس في التعاطي مع الآخرين بل المصلحة الشخصية. فما يناسبني هو ما أفعله وليس ما هو صحيح أو موصى به، والصواب بالنسبة إلي هو ما أراه أنا وليس ما أوصى به الله. وهذه النظرة تأخذ العالم إلى مكان آخر من غير قيم ولا ضوابط فتنهار المجتمعات لأنها لا تستطيع أن تستمر من دون العمل بموجب قيم موحدة».

ويخلص المطران معوض إلى أن «النزعة المادية التي تدفع الناس اليوم إلى البحث عن الرفاهية، وإن كان ليس خطأ البحث عن حياة كريمة، لكن الخطأ أن تصبح كل سلوكياتنا محكومة بالمال. بمعنى أن نتصرف بخلفية أني أهتم بمن أستفيد منه وأُهمِل من لا يفيدني. وهذه نظرة خاطئة للعلاقات البشرية وتشوهها، بحيث نُصبِح ننظر إلى الإنسان كسلعة مادية وليس كقيمة إنسانية تحمل مثال الله. وعندها لا نعود نتعاطف مع المحتاجين وتفسد العلاقات الإجتماعية والإنسانية برمّتها».

 

د. ميشال عواد: الإيمان بالدين والإنتماء للطائفة

هذا الموضوع شغل كبار المفكرين لما له من تأثير على تحليل حركة الشعوب، والمعتقدات ممكن أن تكون دينية أو غير دينية. ولكن الثابت أن السلوك ينبع دائما من معتقدات محددة وإيمان خاص. من هنا فالمعتقدات الدينية تؤثر في سلوك المتدينين كما أن المعتقدات غير الدينية تؤثر في سلوك معتنقيها أيا كانوا أو كانت تلك المعتقدات.

ويشير المتخصص في علم الإجتماع الدكتور ميشال عواد، إلى «أن هناك نوعين من الإعتقاد الديني: الإعتقاد الديني المتنوّر الذي يأخذ من الدين بإيجابية، مثل الدعوة إلى السلام ومحبة الآخر والتسامح وعمل الخير وغيرها من المعتقدات، والتضامن المجتمعي. وهناك المعتقدات الدينية المتطرّفة غير المتنوّرة، التي كانت لمعتقداتها علامات بالغة الأثر عبر التاريخ. والتطرف موجود في كل الأديان. وهناك الحروب الدينية التي قامت في أوروبا. وهذا يعني بدون أدنى شك أن للدين تأثيرًا على معتنقيه بغض النظر عن نوع هذا التأثير ومداه».

ويعتبر عواد أن «علينا أن نميّز بين الدين والطائفية، الطائفية هي نظام إجتماعي، أي أن مجموعة من الناس يعتنقون معتقدات دينية مشتركة كوَّنوا مجموعات انخرطت في العمل السياسي بما يميّزها عن مجموعات أخرى. وتطوَّر عمل هذه الجهات بحيث بات لديها نظمها التربوية والسياسية والمجتمعية، وتقاليدها. ونرى أنه في قلب الدين هناك مجموعة طوائف لكل منها تاريخها ونظامها، وهي تطورت عبر التاريخ وباتت لها خصائص منها مثلا فن مختلف».

ويلفت إلى أن «الطائفة هي غير الدين تستلهمه أساسًا لتسيير أمورها. والمجموعات الطائفية قد تكون متديّنة أو غير متديّنة. فهناك أناس طائفيون وغير مؤمنين، إذ إن الإيمان يكون بالدين والإنتماء للطائفة».

 

الأب الراعي: ايمان حبة… الخردل والجبل

الأستاذ الجامعي الأب باسم الراعي يورد أمثلة هامّة عن هذا الترابط الوثيق بين الإيمان وحركة المجتمعات، وما كان لذلك من تأثير في حياة الموارنة القدماء. ويلفت إلى المصادفة الحالية في الأحداث، حيث نحن في لحظة إعلان البطريرك الحويك مكرّمًا على مذابح الرب، وعشية حلول المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير بمسعى من البطريرك الكبير. ويشير إلى أهمية نفخ البطريرك الحويك روح الإيمان في نفوس المؤمنين والرعايا في المناطق اللبنانية، لحملهم على تخطي ويلات الحرب العالمية الأولى والمجاعة التي رافقت أحداثها، والتي عانى منها أكثر ما عانى الموارنة المتشبثون بثنايا جبالهم التي كانت سفوحها مصدر رزقهم الوحيد. وعند اكتساح الجراد وهلاك المواسم وكادت الرعيّة تتشتت، أرسل البطريرك الحويك كهنة يجولون في القرى يبثّون الإيمان في نفوس الناس ويمدونهم بما توفر من مساعدات، لثنيهم عن ترك أرضهم من جهة وعن تحوّل كامل اهتمامهم عن الإيمان صوب القضايا الحياتية اليومية نظرا لثقل وطاتها، من جهة ثانية.

ويتابع الأب الراعي: «بالفعل أثمرت مساعي البطريرك الحويك ونجح في شحن الرجاء من جديد في نفوس الناس وفي حملهم على مزيد من التمسك بأرضهم والثبات في إيمانهم، إلى أن تخطوا الأزمة. فكان الكهنة المرسلون من قبله إلى الرعايا يطلبون من الناس عدم إهمال واجباتهم الدينية وممارسة الطقوس المعتادة على الرغم من وضعهم الصعب، وأن الكنيسة وتحديدا البطريركية، سوف تكون إلى جانبهم بكل ما يحتاجون».

ويضيف أن «البطريرك اسطفان الدويهي قال في معرض وصفه لعمل الكنيسة المارونية إن البطريرك هو مبشّر الجماعة بالبعدين الجسماني والروحي. وهذه الفلسفة تجلت في الرسالة التي اعطيت له». ومثالا على هذه الرسالة بكل أبعادها قال البطريرك الحويك أثناء مشاركته في مؤتمر فرساي: أتكلم بصفتي أكبرهم بالسن (في إشارة إلى الوفد المرافق والذي تشكل من أشخاص يمثلون طوائف عدة)، وكان المقصود أقدمية النضال التاريخي للموارنة عبر التاريخ وليس السن الطبيعية للبطريك نفسه. وهذا يعني أن ما أعطي للبطريركية عبر العصور من تكليف، لا يُنتزَع بالدستور، لأنه سابق للدستور ومعمول به قبل وضعه».

وبنتيجة ما تقدّم يتبيّن ما للإيمان من أهمية كبيرة في حياة الشعوب، خصوصا لدى المسيحيين، هم الذين قال لهم الرب «لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل». وكان بينهم من له إيمان بمقدار الجبال، لكنهم لم ينقلوها بل ثبّتوها وثبتوا فيها على رغم الإضطهاد وشظف العيش، فتتوا صخورها وجعلوها جلولا تدر الخيرات. وما لم يفتِّتوه ليس لأنه عصى عليهم بل لأنهم استخدموه مغاور، للمقاومين حينا وللنساك حينا آخر. بإيمانهم، وبإيمانهم فقط ثبتوا في أرضهم وصنعوا التاريخ وغيّروا في الأحداث، وسطّروا الملاحم، عاملين بعبارة السيد يسوع «يا قليلي الإيمان أنا معكم لا تخافوا»…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل