

كتب وائل خير في “المسيرة” – العدد 1697
من يدحرج الحجر؟
مصير مسيحيي الشرق
يبدأ الكتاب بالمشهد الأول: ثلاث نسوة يتوجهن مع الفجر نحو القبر ليطيّبن جسد الميت قبل انصرام اليوم الرابع حسب الطقس اليهودي. كانت محدودية قواهنّ وعظم الحجر الذي وضع على باب القبر مصدر قلقهنّ. كنّ يتساءلن: «من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟».
يتبع هذا المشهد قسمان. القسم الأول يتناول الكنيسة عامة والكنيسة الأنطاكية بوجه خاص، أما القسم الثاني فيسرد التطوّرات السياسيّة الدوليّة ذات الأثر على مسيحيي الشرق الأوسط.
القسم الأول: يرى لاهوتي بروتستنتي أن الكنيسة هي أكثر المؤسسات فسادا، إذ التباين بين أهدافها وإنجازاتها يتعدى بكثير التباين بين ما جهدت المؤسسات عبر التاريخ لتحقيقه، وما أنجزته. لكن هذا اللاهوتي يضيف «لكن بالمقابل، ما من مؤسسة إنسانيّة، باستثناء الكنيسة، تحمل وعد المسيح بانتصارها على العالم».
بداية الكنيسة كانت يوم العنصرة عند حلول الروح القدس على الرسل وانضمام عدد كبير من الناس الى صفوفها. ابتدأت من ذاك التاريخ بشارة المسكونة في إطار الأمبراطورية الرومانية وما يتعدّاها.
عرفت المسيحيّة الأولى مركزين رئيسييّن انساب منهما ما يكاد يكون كل ألق مسيحي الى سائر العالم: الإسكندرية وأنطاكية.
مرّ تاريخ الكنيسة الأنطاكية بحقبات: الحقبة الأولى كانت «الآباء الرسوليون» ومن بعدها فترة الآباء. تلتها منذ اعتناق قسطنطين المسيحيّة، مرحلة ثالثة هي مرحلة المجامع التي نظّمت الكنيسة إداريا وحدّدت على شكل نهائي أسسها اللاهوتية.
عقبت هذه الفترات الذهبيّة الثلاث فترة ذبول كاد يبلغ حد إجتثاث المسيحية في الشرق الأوسط بعد الفتح الإسلامي حيث، خلال عقد في النصف الأول من القرن السابع، سقطت ثلاث بطريركيات لتلحق بها بعد ثمانية قرون القسطنطينية، البطريركية الرابعة والأخيرة بين البطريركيات الأرثوذكسية التاريخيّة. لم يبق من الأراضي الأرثوذكسية خارج السيطرة الإسلامية إلا إمارة صغيرة وصفها الراهب فيلوثيوس بـ«روما الثالثة التي لا رابعة بعدها»، وأضاف أن هذا «النور من الشمال سوف يضيء العالم».
منذ القرن الرابع عشر بدأ الميزان يميل لمصلحة العالم المسيحي. إتخذت بدايات التحوّل شكل «الإمتيازات الأجنبية» التي أطلقتها معاهدة عقدتها السلطنة العثمانية مع فرنسا لتمتد لدول غربيّة أخرى. ذاك كان المنعطف الذي انسابت منه الإرساليات الأجنبيّة الكاثوليكيّة الى الشرق، لتلحق بها في القرن التاسع عشر الإرساليّات البروتستنتية.
دخول روسيا الشرق الأوسط أخذ شكلا مختلفا. بدايته كانت أعداد الحجاج الغفيرة الى الأراضي المقدسة. لكن التبديل الكبير كان إصلاحات بطرس الأكبر التي حوّلت روسيا من دولة متواضعة ذات تأثير ثانوي الى دولة أوروبية عظمى، وابتدأت روسيا بمدّ نفوذها في كل الإتجاهات ومن بينها نحو الجنوب، نحو الإمبراطورية العثمانية. من أهم معالم التاريخ المعاصر، خاصة ما تعلّق منه بالبلقان والشرق الأوسط، كانت الحرب الروسية – العثمانية من 1768 حتى 1774 التي انتهت بتوقيع إتفاقية كوجك كينارجي التي أرست ما عرف بـ»المسألة الشرقية».
كانت روسيا وراء تثبيت وضع الأرثوذكس في الكرسيين الأورشليمي والإنطاكي. ذلك الوجود الأرثوذكسيّ كان في طريقه الى الزوال تحت تأثير الضغط الإسلامي من جهة، والإرساليات الكاثوليكية والبروتستنتية من جهة أخرى التي بذلت كل جهد لجذب الأرثوذكس الى صفوفها. بدعم من السلطات الروسية، لعبت مؤسستان دورا حاسما في الحفاظ على أرثوذكس ساحل المتوسط الشرقي: الإرسالية الكنسيّة الى فلسطين والجمعيّة الإمبراطورية. من أبرز خدمات روسيا للأرثوذكس كانت المدارس المسكوبيّة ومساعدة العرب إسترجاع البطريركية الأنطاكية في العام 1899 بعد قرابة 175 سنة من الإستئثار اليوناني.
القسم الثاني من الكتاب ينتقل الى أوضاع الأرثوذكس في لبنان، وهنا أيضا يبرز دور روسيا. لم يكن لنا أثر في تاريخ لبنان السياسي قبل فترة المتصرفيّة 1861- 1915. وراء دورنا يقف إصرار روسيا عبر مندوبها في المفاوضات لتنظيم جبل لبنان، م. نوفيكوف، على جعل الكورة قائمقاميّة أرثوذكسية بين قائمقاميّات لبنان في إطار المتصرفيّة. كانت هذه القاعدة الجغرافيّة للأرثوذكس الرافعة لهم سياسيّا. (يعرض الكتاب مداخلات مندوب روسيا ورد مندوب فرنسا، التي انتهت بمندوبي الدول الى الموافقة على مطالب سان بيترسبورغ.)
الديناميكيّة السياسيّة في لبنان تتلخّص، بالدرجة الأولى، بتنافس بين مكوّنات لبنان الطائفية. قوة كل مكوّن تعود الى مصدرين: مصدر ذاتي (العدد، المكانة الاقتصادية، المؤسسات التابعة له، المستوى العلمي، التماسك السياسي، التمركز الجغرافي الخ) وهناك أيضا المصدر التحالفي الذي يجمع بين هذا المكوّن وبين قوى خارجيّة مؤثّرة.
الأزمة المصيريّة التي تواجه مسيحيي لبنان هي خسارتهم على الصعيدين: ذاتيا (خسارة التفوّق العددي والبأس الاقتصادي، والإمتياز العلمي، والتماسك السياسي الخ) ثم خسارتهم الحليف الخارجي بسبب علمانية أوروبا الغربية وتدني درجة إكتراث الولايات المتحدة بمصيرهم.
روسيا أمر آخر. بعد انتهاء الحقبة الداكنة من تاريخ روسيا الحديث وعودتها الى تألّقها، ابتدأت روسيا من جديد تستعيد دورها في الشرق الأوسط وباتت مقررًا رئيسيًا لمصير المنطقة كما أثبتتها السياسة الروسية منذ 2015.
الإستعداد النفسي للروس وحده لا يكفي. لا بد من جدوى سياسيّة لأي استثمار سياسي ما يطرح أوضاع الأرثوذكس في لبنان.
أوضاع الأرثوذكس في لبنان على قدر كبير من السوء. نحن الطائفة الرابعة عددا غير أن وزننا السياسي يكاد يكون معدومًا. لا ينتخب الأرثوذكس أحدا من نوّابهم ال14 ذلك أن المكوّنات اللبنانية الأخرى تسمّيهم وقواعدها تنتخبهم. وزراؤنا ليسوا إستثناء عن هذه القاعدة. مما يزيد في ضعف الأرثوذكس هو افتقادهم الى رئاسة دينية تنزل بثقلها وراء مطالبهم المحقّة.
علينا كأرثوذكس أن نتوجّه الى تقويم هذا الإعوجاج على المستويين: السياسي والكنسي. لا بدّ لهذه الإصلاحات أن تتوجه الى البنية الكنسيّة، والى ما هو ضمن البنية الكنسيّة والى ما هو خارج البنية الكنسيّة (قوانين الانتخاب في لبنان).
إن كان لنا أن نوفّق الى قانون انتخاب ينصفنا، والى كنيسة تقف وراء مطالب شعبها، بات أرثوذكس لبنان في وضع وازن يغري القوى الخارجية في الإستثمار السياسي فيهم وبهذه الحزمة من الإصلاحات ننتقل من حالة العدم السياسي الحالي الى أن نكون مكوّناً وازناً من مكوّنات لبنان.
تشدّد هذه الأطروحة أن على رأس ما ينقذ المسيحيين في لبنان على تعدد أطيافهم، هو تطوير علاقات وثيقة مع الاتحاد الروسي.
المشهد الأخير.
ينتهي الكتاب بمشهد أخير يستعيد المشهد الأول. تساؤل النسوة وقلقهنّ كان منطقياً له ما يبرره. لكنهنّ كنّ أيضا على خطأ. أين أصبن وأين اخطأن؟ أصبن في مقارنة إمكانياتهنّ الذاتية والإستنتاج أن لا قدرة لهنّ على دحرجة الحجر ووددن لو صادفن رجالاً لهم قدرة عضليةّ تسهّل دخولهن القبر. لكن خطأهنّ كان بحصر الحل بالقدرات الإنسانية ولم يتركن محلاً لخطة الله الخلاصيّة حتى ان بلغن القبر وجدن الحجر مدحرجًا والقبر فارغاً، إذ كان المسيح قد قام من الموت.
محتويات الكتاب تقتصر على الأبعاد الإنسانيّة والقوى السياسيّة، المحليّة والدوليّة، لحل الأزمة الوجوديّة التي يواجهها مسيحيو الشرق الأوسط. جميع هذه العناصر تقع في إطار ال«آن» وال«هنا»، «من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟» هو جهد ضروري لا غنى عنه في كل معالجة جديّة لأزمتنا. لكن علينا ألاّ نصرف النظر عن البعد الآخر والحاسم: خطة الله الخلاصيّة التي تخرج عن إطار ال«هنا» وال»آن» لتشمل الأبدية. الإستسلام الى القصد الإلهي هو الجواب على «من يدحرج الحجر؟».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]